تُعد مصانع الورق منشآت صناعية هائلة تعمل على إنتاج آلاف الأطنان من الورق يوميًا. وعلى الرغم من ضخامة هذا الإنتاج، يواصل المهندسون البحث عن طرق جديدة لتحسين عملية تصنيع الورق. ويعمل لويس كارلوس فيليكس تابيا، بالتعاون مع شركتي فيوليا وهولمن بيبر، ضمن فريق في معاهد الأبحاث السويدية RISE، نجح في تطوير عملية جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة تدويرها في مصانع الورق، بهدف جعل هذه المصانع أكثر كفاءة واستدامة وأقل تكلفة. وقد وضع التصور الأولي للمشروع وطوّر فكرته لويس فرناندو ديلغادو زامبرانو، الباحث السابق في معاهد الأبحاث السويدية RISE.
تحدّث بلغة المهندس الكيميائي
هوائي: كائن حي يحتاج إلى الأكسجين للبقاء على قيد الحياة.
لاهوائي: كائن حي لا يحتاج إلى الأكسجين للبقاء على قيد الحياة.
السليلوز: المكوّن البنيوي الأساسي لجدران الخلايا النباتية.
مصنع الورق: منشأة صناعية تُستخدم لإنتاج الورق.
هل تساءلت يومًا عن كيفية صناعة الورق؟ تبدأ العملية بتقطيع جذوع الأشجار إلى رقائق خشبية صغيرة، ثم تُطهى هذه الرقائق في الماء الساخن مع مجموعة من المواد الكيميائية. وتؤدي هذه العملية إلى تحويل الرقائق إلى عجينة مائية لينة تتكون من ألياف السليلوز. بعد ذلك، تُنقّى العجينة لإزالة المواد الكيميائية، ثم تُخفّف بإضافة كميات كبيرة من الماء، لتكوين مزيج يتكون من الماء بنسبة 99% وألياف السليلوز بنسبة 1%.
يُرش هذا المزيج بعد ذلك على شبكة غربال متحركة بسرعة. ومع تحرك الشبكة، يتسرّب الماء عبر فتحاتها، تاركًا وراءه طبقة كبيرة ورطبة من ألياف السليلوز. ثم تمر هذه الطبقة بين أسطوانات معدنية ساخنة تضغط عليها لاستخراج ما تبقى فيها من رطوبة وتسوية سطحها. وعندما تجف الطبقة تمامًا، تُقطّع إلى صفائح أصغر لتتحول إلى ورق جاهز للاستخدام.
تجري جميع هذه العمليات داخل آلات صناعية عملاقة ومعقدة، صُممت بعناية لتحقيق أعلى مستويات الإنتاجية الممكنة. ومع ذلك، يواصل المهندسون ابتكار طرق جديدة لتحسين أداء مصانع الورق، وجعل عملية الإنتاج أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأكثر استدامة.
فعلى سبيل المثال، طوّر فريق بقيادة معاهد الأبحاث السويدية RISE، يضم مهندس البحث والتطوير لويس كارلوس فيليكس تابيا، وبالتعاون مع شركتي فيوليا وهولمن بيبر، طريقة جديدة لمعالجة مياه الصرف الناتجة عن صناعة الورق وإعادة تدويرها. وقد وضع الفكرة الأصلية للمشروع لويس فرناندو ديلغادو زامبرانو، الذي كان يعمل سابقًا في معاهد الأبحاث السويدية RISE. ويهدف المشروع إلى تحسين كفاءة صناعة اللب والورق في السويد وتعزيز استدامتها.
إعادة استخدام المياه
تتطلب صناعة الورق كميات هائلة من المياه، إذ تُستخدم لتخفيف عجينة الورق وتنظيفها من المواد الكيميائية. ولذلك، بدلًا من سحب المياه العذبة من البيئة المحيطة ثم تصريف المياه المستعملة إلى الخارج، تعتمد مصانع الورق على نظام مغلق لتدوير المياه وإعادة استخدامها خلال مراحل الإنتاج. وفي الواقع، يمكن استعادة ما يصل إلى 95% من المياه المستخدمة في هذه الآلات، ثم معالجتها وضخها مجددًا إلى بداية النظام لاستخدامها مرة أخرى.
وعلى الرغم من أن أنظمة التدوير المغلقة هذه تجعل مصانع الورق أكثر استدامة وصداقة للبيئة، فإن إعادة استخدام المياه قد تؤثر في كفاءة عملية الإنتاج وجودة المنتج النهائي.
يوضح لويس قائلًا: «تُستخدم المياه في مصانع الورق لنقل ألياف السليلوز والمواد الكيميائية المضافة معًا. لكن هذه العملية تؤدي، للأسف، إلى زيادة كمية المواد الكيميائية والملوثات التي لم تُزل، والتي تستمر في الدوران داخل الآلات».
وتبرز هذه المشكلة بصورة أكبر في مصانع إعادة تدوير الورق، إذ تنتقل الملوثات الموجودة في الورق المعاد تدويره أيضًا إلى مجرى المياه، مما يزيد من تعقيد عملية معالجتها.
معالجة مياه الصرف الصحي
قبل أن تتمكن مصانع الورق من إعادة استخدام المياه الملوثة، يتعين عليها معالجتها لإزالة المواد الكيميائية والمواد العضوية الذائبة الموجودة فيها.
يقول لويس: «تتحقق هذه العملية عادةً من خلال الجمع بين المعالجة الميكانيكية والمعالجة البيولوجية التي تأتي بعدها».
تعمل المعالجة الميكانيكية على إزالة النفايات الصلبة، مثل الجسيمات الكبيرة والرمال والقطع البلاستيكية، وذلك بتمرير المياه عبر مصافٍ تحجز هذه المواد. كما تُترك الرواسب لتستقر في قاع خزانات كبيرة، وتُستخدم فقاعات هوائية دقيقة لالتقاط ألياف الخشب العالقة ورفعها إلى سطح المياه.
أما المعالجة البيولوجية، فتستهدف إزالة المواد العضوية، مثل السكريات الخشبية الذائبة والنشا والراتنجات الخشبية المعقدة، وذلك من خلال السماح للبكتيريا الموجودة في المياه بالتغذي عليها وتحليلها.
وتجري هذه العملية عادةً داخل أحواض للمعالجة البيولوجية الهوائية، حيث تتجمع الكائنات الحية الدقيقة وتنمو إما مباشرةً في المياه، كما يحدث في أحواض الحمأة المنشطة، أو على هيئة أغشية حيوية تلتصق بدعامات بلاستيكية تُعرف باسم الحوامل. وتطفو هذه الحوامل في المياه داخل مفاعل الأغشية الحيوية ذي السرير المتحرك، الذي يُعرف اختصارًا باسم MBBR.
يقول لويس: «على الرغم من فعالية المعالجة البيولوجية الهوائية، فإنها تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وتتطلب إضافة المغذيات، كما تنتج كميات كبيرة من الحمأة التي ينبغي معالجتها. وإضافة إلى ذلك، لا تتيح هذه الطريقة استعادة الطاقة من المواد العضوية، مما يحد من استدامتها الإجمالية».
في المقابل، تتيح المعالجة اللاهوائية، التي تعتمد على بكتيريا لا تحتاج إلى الأكسجين، فرصًا لخفض استهلاك الطاقة وتقليل الحاجة إلى المغذيات والحد من إنتاج الحمأة. كما تتميز بإمكانية إنتاج غاز الميثان، الذي يمكن استخدامه في صورة غاز حيوي للمساعدة في توفير الطاقة اللازمة لتشغيل مصنع الورق.
ويوضح لويس قائلًا: «على الرغم من المزايا العديدة للمعالجة اللاهوائية، فإنها تتطلب عادةً مرحلة معالجة هوائية إضافية لإزالة المواد الذائبة والملوثات بالكامل».
تحسين النظام
يقول لويس: «خلال مشروع SupWat، استخدمنا مفاعل أغشية حيوية ذا سرير متحرك يعمل في ظروف لاهوائية، أعقبه مفاعل آخر يعمل في ظروف هوائية، وكلاهما من تقنيات مفاعلات الأغشية الحيوية ذات السرير المتحرك التي تطورها شركة AnoxKaldnes التابعة لفيوليا، ثم أضفنا مرحلة نهائية للترشيح الفائق».
أدى استخدام المعالجة اللاهوائية إلى تقليل كمية الحمأة الناتجة، في حين ساعد الجمع بينها وبين المعالجة الهوائية على إزالة المواد الذائبة بكفاءة أكبر. واختبر لويس وفريقه في معاهد الأبحاث السويدية RISE هذا النظام المبتكر، وتوصلوا إلى أنه يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة استهلاك الطاقة خلال عملية إنتاج الورق.
يقول لويس: «تشير التقديرات إلى أن مرحلة التجفيف في عملية صناعة الورق تستهلك 64% من إجمالي الطاقة المستخدمة في العملية. فارتفاع تركيز المواد الذائبة في مياه الإنتاج يؤدي إلى إطالة الوقت اللازم لتصريف المياه، وبالتالي زيادة استهلاك الطاقة خلال مرحلة التجفيف».
وأظهر لويس وفريقه أن إزالة المواد الذائبة باستخدام نظامهم الجديد تقلل الوقت اللازم لتصريف المياه. ومن شأن ذلك أن يسهم في رفع كفاءة استهلاك الطاقة وتحسين الأداء وتعزيز الاستدامة في مصانع الورق السويدية.
ويختتم لويس حديثه قائلًا: «أحب الحماس الذي أشعر به عند اكتشاف حلول مبتكرة يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى تطبيقات عملية في القطاع الصناعي. كما أستمتع بالجمع بين العمل في المختبر والتوصل إلى نتائج يمكن الاستفادة منها في توسيع نطاق العمليات وتطبيقها داخل مصانع الورق الحقيقية».
