يمثل القبض على شخص ارتكب جريمة سرقة تحديًا للأجهزة الأمنية، إلا أن الأدلة الجنائية وكاميرات المراقبة تجعل هذه المهمة أكثر سهولة بالنسبة إلى جهات إنفاذ القانون. لكن كشف قضايا الاحتيال المعقدة والواسعة النطاق، أو غسل الأموال، أو الفساد، قد يكون بالغ الصعوبة. كما أن توجيه اتهام إلى مؤسسة بارتكاب جريمة اقتصادية قد يؤدي أحيانًا إلى سلسلة من الآثار السلبية التي تطال أطرافًا أبرياء لا ذنب لهم. وفي جامعة أوتاوا بكندا، تدرس الدكتورة جينيفر كوايد القوانين المتعلقة بالجرائم الاقتصادية والفساد، وكيفية الاستفادة منها بأفضل صورة للكشف عن الأشخاص الذين يتلاعبون بالأنظمة بصورة غير قانونية لتحقيق مكاسب مالية وتوجيه الاتهامات إليهم.
تحدث بلغة الباحثين في القانون الجنائي
الاتهام: الادعاء الموجّه إلى شخص بأنه انتهك القانون.
الفساد: سلوك غير نزيه يصدر عن أشخاص يشغلون مناصب في مواقع السلطة، وغالبًا ما يتضمن الرشوة.
الجريمة الاقتصادية: أفعال غير قانونية تُرتكب بهدف تحقيق منفعة مالية.
إنفاذ القانون: ضمان الالتزام بقانون أو قاعدة وتطبيقهما.
الملاحقة القضائية: مباشرة الإجراءات القانونية بحق شخص بعد توجيه الاتهام إليه.
اتفاقية المعالجة والإصلاح (Remediation Agreement أو RA): اتفاق في القانون الكندي يُبرم بين مؤسسة متهمة وجهة الادعاء، يقضي بعدم المضي قدمًا في توجيه اتهامات جنائية إليها، شريطة التزام المؤسسة بشروط محددة. وتشبه هذه الاتفاقيات آليات أخرى لتسوية القضايا دون محاكمة في دول مختلفة، مثل اتفاق تأجيل الملاحقة القضائية (DPA) في المملكة المتحدة، واتفاقية التسوية القضائية للمصلحة العامة في فرنسا.
الجريمة الاقتصادية هي أي سلوك غير قانوني يُرتكب بقصد تحقيق مكاسب مالية. وتقول الدكتورة جينيفر كوايد، أستاذة القانون في كلية القانون بجامعة أوتاوا: «قد تشمل هذه الجرائم الاحتيال والفساد والرشوة والتلاعب بالمناقصات وغسل الأموال والتهرب الضريبي والتزوير والسرقة. إنه مصطلح واسع النطاق!».
كما تتباين الأساليب التي يستخدمها مرتكبو الجرائم الاقتصادية تباينًا كبيرًا؛ فهي لا تقتصر على السرقة البسيطة، بل قد تشمل الخداع والتلاعب وإساءة استخدام الثقة أو السلطة، إلى جانب استراتيجيات أخرى متطورة. وتوضح جينيفر: «إن كثيرًا من هذه الاستراتيجيات يجعل اكتشاف ما يحدث فعلًا أمرًا صعبًا. وقد يكون الضحايا أفرادًا أو مؤسسات أو حكومات أو المجتمع بأسره».
ونظرًا إلى أن كثيرًا من الجرائم الاقتصادية يتسم بالتعقيد والقدرة على إخفاء معالمه، فقد لا يدرك الضحايا في البداية أنهم استُهدفوا بهذه الجرائم. وتشرح جينيفر: «تكون مساءلة الشركات عن الجرائم الاقتصادية التي ترتكبها أكثر صعوبة، لأن الأدلة قد تكون مدفونة وسط كميات هائلة من الوثائق والمعاملات الخاصة. وعلى خلاف أنواع الجرائم الأخرى، لا توجد واقعة محددة تشير بوضوح إلى وقوع الجريمة، ولذلك يجد المحققون أنفسهم دائمًا في موقف يسعون فيه إلى اللحاق بالأحداث بعد وقوعها».
ولا يعني غياب واقعة إجرامية واحدة واضحة أو محددة أن الجرائم الاقتصادية أقل خطورة؛ بل إن العكس هو الصحيح في كثير من الأحيان. وتقول جينيفر: «غالبًا ما تتجاوز العواقب مجرد الخسائر المالية. فقد تنطوي الجرائم الاقتصادية على العنف، أو انتهاكات حقوق الإنسان، أو الأضرار البيئية، أو حتى تهديد الديمقراطية ذاتها».
الفساد في كندا
هناك جانب محدد من الجرائم الاقتصادية يُلحق ضررًا بالغًا بالمجتمع الديمقراطي، وهو الفساد.
وتشرح جينيفر: «في أبسط صوره، يحدث الفساد عندما يمنح طرفٌ طرفًا آخر ميزة غير عادلة مقابل الحصول على شيء ذي قيمة، وغالبًا ما يكون ذلك مالًا. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك قبول مسؤول حكومي رشوة مقابل اختيار مورد معين لتنفيذ عقد حكومي».
ويؤدي الفساد إلى تقويض ثقة الجمهور بالحكومة، ويشجع على انتشار الظلم. وتقول جينيفر: «تستند نظرتنا إلى الديمقراطية إلى فكرة المساواة. والفساد يقوض هذه الفكرة، مما يعرّض الديمقراطية للخطر، وقد يؤدي أحيانًا إلى ظهور أنظمة استبدادية أو يسهم في استمرارها».
وتختلف القوانين اختلافًا كبيرًا من دولة إلى أخرى، إذ تخضع كل دولة لتشريعاتها الخاصة. وتقول جينيفر: «لم تُجرِ كندا عددًا كبيرًا من الملاحقات القضائية في قضايا الفساد. ويرى بعضهم أن ذلك يشير إلى ضعف كندا في إنفاذ القانون، لكن عدد الملاحقات القضائية ليس بالضرورة أفضل مقياس للحكم على مدى كفاءة إنفاذ القانون».
ويرجع انخفاض عدد الملاحقات القضائية إلى أسباب متعددة، من بينها أن التشريعات الكندية تشترط إثبات أن الأشخاص المتورطين في قضية فساد قد ارتكبوا أفعالهم عن علم وإدراك، وهو أمر ليس من السهل إثباته دائمًا.
وتضيف جينيفر: «يعتقد كثير من الخبراء أن كندا ينبغي أن تستحدث نوعًا مختلفًا من الجرائم، يركز على الإخفاق في بذل العناية الواجبة أكثر من تركيزه على إثبات الذنب الجنائي المتعمد. وعندئذ، ستصبح القضية أقرب إلى المساءلة التنظيمية منها إلى قضية جنائية بالمعنى الحقيقي».
اتفاقيات المعالجة والإصلاح
تتمثل إحدى المشكلات المهمة المتعلقة بالجرائم الاقتصادية في مدى استعداد المؤسسات لمعالجة هذه الجرائم بالاستعانة بالقانون. فإذا أدركت شركة أنها معرضة لخطر التورط في الفساد، أو اكتشفت أن بعض موظفيها يرتكبون ممارسات فاسدة بالفعل، فقد تدفعها القوانين الصارمة إلى إخفاء الأمر بدلًا من اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجته.
وقد تؤدي الإدانة الجنائية بارتكاب جرائم اقتصادية إلى انهيار الشركة أو تعريض استمرارها للخطر، ولا سيما من خلال فرض قيود شديدة على قدرتها على التقدم للحصول على العقود الحكومية.
ولا يقتصر الأمر على الشركة نفسها، بل من المهم أيضًا مراعاة الأشخاص الأبرياء الذين يعتمدون عليها، مثل الموظفين والمساهمين والمجتمعات المحلية والدائنين والحكومات. فقد تؤدي الإدانة الجنائية للشركة إلى إلحاق الضرر بهذه الأطراف البريئة، من خلال خسائر مالية أو فقدان مصادر الرزق، وهو نوع من العقاب لا يستحقونه لأنهم لم يرتكبوا أي خطأ.
ولمعالجة هذه المشكلة، أدخلت كندا مؤخرًا نوعًا جديدًا من التشريعات يُعرف باسم اتفاقية المعالجة والإصلاح.
وتقول جينيفر: «تشبه اتفاقية المعالجة والإصلاح اتفاق التسوية في الإقرار بالذنب. فهي تتيح تسوية الاتهامات المتعلقة بالجرائم الاقتصادية التي ترتكبها الشركات من دون الحاجة إلى صدور إدانة جنائية بحقها».
وبموجب هذه الاتفاقية، يتعين على المؤسسة المتهمة أن تقر علنًا بتورطها في جرائم اقتصادية، وأن تفي بمجموعة من الشروط التي قد تشمل دفع غرامات مالية، والخضوع لرقابة مستقلة، وتعويض الضحايا. وعادةً ما يتعين استكمال هذه الالتزامات خلال مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات.
بداية متعثرة
على الرغم من الدعم الصريح الذي أبدته الشركات عندما طُرحت اتفاقيات المعالجة والإصلاح للمرة الأولى، فإن استخدامها ظل محدودًا منذ بدء تطبيقها عام 2018.
وتشرح جينيفر: «بدأ العمل بالنظام الجديد لاتفاقيات المعالجة والإصلاح بداية سيئة، بسبب خلافات بين جهات الادعاء وإحدى الشركات الكندية الكبرى متعددة الجنسيات بشأن استخدام هذه الاتفاقيات. وانتهى الأمر بممارسة سياسيين ضغوطًا غير سليمة على المدعي العام الكندي للتدخل في القضية. وقد أدى ذلك إلى فضيحة سياسية كبرى ألقت بظلالها على هذه الاتفاقيات لسنوات».
وقد تساعد التحسينات التي تُدخل على نظام اتفاقيات المعالجة والإصلاح في استعادة سمعته وتعزيز الثقة به.
وتقول جينيفر: «لا تزال المعلومات المتاحة عن آلية التفاوض محدودة، ولذلك فإن توضيح هذه العملية بصورة أكثر دقة سيساعد على تحسين النظام. كما ينبغي أن تصبح الاتفاقيات أكثر شفافية وأن تُنشر للعموم بعد الموافقة عليها».
وإضافة إلى ذلك، تضغط المنظمات غير الحكومية ومجموعات المجتمع المدني من أجل إقرار منافع أكثر وضوحًا واستقرارًا للضحايا، بما في ذلك الأشخاص الذين تعرضوا للفساد في دول أخرى نتيجة أفعال ارتكبتها مؤسسات كندية.
مستقبل مكافحة الجرائم الاقتصادية
لا تغطي اتفاقيات المعالجة والإصلاح جميع أنواع الجرائم الاقتصادية، بل إن نطاقها أبعد ما يكون عن ذلك.
وتقول جينيفر: «ينصب قدر كبير من الاهتمام حاليًا على الجرائم الاقتصادية المرتبطة بالمنظمات الإجرامية الكبرى والجماعات الإرهابية. ولن تكون هذه الجرائم مؤهلة للاستفادة من اتفاقيات المعالجة والإصلاح بأي حال، لكنها تمثل أولوية مهمة ينبغي أن يركز عليها إنفاذ القانون في كندا».
وقد أعلنت الحكومة الفيدرالية الكندية مجموعة من التدابير الجديدة لمكافحة أخطر الجرائم الاقتصادية.
وتوضح جينيفر: «تشمل هذه التدابير استراتيجية وطنية لمكافحة الاحتيال، تهدف إلى تعزيز القدرة على التصدي لعمليات الاحتيال واسعة النطاق التي تستهدف أعدادًا كبيرة من الأفراد، بما في ذلك دراسة الكيفية التي يستخدم بها المجرمون البيانات والخوارزميات لخداع الناس والاحتيال عليهم».
وتضيف: «تعمل كندا أيضًا على إنشاء وكالة للجرائم المالية، ستدعم تطوير الخبرات المتخصصة في التعامل مع الجرائم المالية المعقدة، مثل مخططات غسل الأموال الكبرى والهجمات السيبرانية».
نبذة عن القانون الجنائي
يُعد القانون الجنائي مجالًا واسعًا، وتختلف قواعده وممارساته اختلافًا كبيرًا في كثير من الأحيان بين الدول.
وتقول جينيفر: «القانون مجال متغير باستمرار. فمع تغير العالم، يجب أن يتغير القانون أيضًا. ففي كل عام، تصدر تشريعات جديدة، وتُنظر قضايا جديدة، وتُطرح سياسات جديدة».
ومع ما يبدو أنه إعادة تشكيل للنظام العالمي، قد يصبح العالم أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ، وهو ما سيزيد الحاجة إلى خبراء قانونيين أكفاء قادرين على فهم هذه التحولات والتعامل معها.
وتوضح جينيفر: «ستكون هناك حاجة إلينا مع وضع قواعد جديدة، ولا سيما إذا انتقلنا إلى نظام يقوم على تحالفات متعددة. فعلى سبيل المثال، إذا تعاونت دول مختلفة في إطار اتفاقيات تجارية جديدة، فسوف تتأثر القوانين بذلك».
تعمل جينيفر باحثةً قانونية، مما يعني أنها تقضي وقتًا طويلًا في تحليل المصادر القانونية.
وتقول: «يشمل ذلك الوثائق والقوانين واللوائح والقرارات القضائية. كما أقرأ المقالات والكتب التي يكتبها باحثون قانونيون آخرون».
ويتعلق جانب كبير من أبحاث جينيفر بمتابعة الكيفية التي تُطبّق بها القواعد القانونية وتُختبر وتُطعن أمام المحاكم في القضايا الواقعية. كما تقضي وقتًا طويلًا في الحوار مع أشخاص من خلفيات مختلفة.
وتقول: «يطلب مني الصحفيون إبداء رأيي في الأخبار والقصص الصحفية المرتبطة بمجالات بحثي، وهذا يمنحني أيضًا أفكارًا رائعة لطرح أسئلة بحثية جديدة».
وإلى جانب ذلك، تتحدث جينيفر مع أشخاص يعملون في مجال إنفاذ القانون، ومع أفراد لهم صلة بالقضايا القانونية. كما تتعاون مع باحثين من دول مختلفة لتبادل الرؤى والأدوات البحثية.
وبالنسبة إلى جينيفر، غالبًا ما يشبه عملها محاولة فك لغز منطقي. وتقول: «أستمتع بالتحدي الذي ينطوي عليه التعمق في تفاصيل مشكلة قانونية، لمعرفة كيفية تطبيق مجموعة من القواعد القانونية عليها، ثم شرح ذلك للآخرين بأسلوب واضح ومباشر. وتساعدني هذه الاكتشافات الصغيرة على ملاحظة الأنماط والروابط التي تجمع بين المشكلة وغيرها من المشكلات».
كما تؤمن بأهمية السعي إلى تطوير القوانين والممارسات القانونية وتحسينها.
وتقول: «أعتقد أن دورنا بوصفنا باحثين يتمثل في البحث عن الأدلة التي تساعد على جعل العالم مكانًا أفضل. وقد يتحقق ذلك من خلال إسهامات صغيرة وتدريجية، لكنني أجد أن المشاركة في جهد جماعي أكبر أمر يمنحني شعورًا عميقًا بالرضا».
المسار من المدرسة إلى العمل في القانون الجنائي
توضح جينيفر أن مهارات الاستيعاب القرائي والكتابة ضرورية، إلى جانب امتلاك معرفة قوية بالتاريخ الذي يوفر السياق اللازم لفهم القوانين. وتضيف أن إتقان عدة لغات يمثل ميزة مهمة، وكذلك امتلاك قدرة راسخة على التفكير النقدي.
وفي المدرسة، تشمل المواد الدراسية التي تساعد على تنمية هذه المهارات القانون واللغة الإنجليزية والتاريخ والعلوم السياسية وعلم الاجتماع واللغات الأجنبية.
أما في الجامعة، فتوجد تخصصات متعددة في القانون، إلى جانب مسارات متنوعة لدراسته. كما يمكن لبعض التخصصات القريبة من القانون أن تفتح الطريق أمام العمل في مجال البحوث القانونية، ومن بينها العديد من العلوم الاجتماعية، مثل علم الجريمة وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسات العامة.
