القائمة الرئيسية

التمسك بالوظيفة لا يعني الالتزام بها. لماذا؟ وما الذي يمكنك فعله حيال ذلك؟

التمسك بالوظيفة لا يعني الالتزام بها. لماذا؟ وما الذي يمكنك فعله حيال ذلك؟
ملخص المقال

يلخص المقال أن ارتفاع معدلات الاحتفاظ بالموظفين قد يكون مضللاً، فنسبة كبيرة منهم (56%) يبقون في وظائفهم بدافع الضرورة لا الالتزام الحقيقي، وهي ظاهرة تُعرف بـ"التمسك بالوظيفة". ويميز الكتاب بين الالتزام العاطفي، حيث يبقى الموظف لأنه يرغب في ذلك ويعزز الأداء، والالتزام الاستمراري، الذي ينبع من شعوره بعدم وجود بدائل أفضل أو بسبب حوافز يصعب التخلي عنها، خاصة في ظل سوق عمل تنافسية ومخاوف الذكاء الاصطناعي. ويحذر المقال من أن الكثير من المؤسسات تخفق في بناء الروابط العاطفية، مقدماً ثلاث استراتيجيات للقادة لتعزيز الالتزام العاطفي العميق: كسب ولاء الموظفين أولاً، وقياس السلوك الفعلي بجانب المواقف، ووضع الاعتبارات الإنسانية في صميم تبني الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن المؤسسات التي تتبنى هذه المبادئ ستحقق ميزة تنافسية وتحتفظ بأفضل موظفيها.

قد ترتفع معدلات الاحتفاظ بالموظفين، لكن 56% منهم يقولون إنهم يبقون في وظائفهم بدافع الضرورة. فالتمسك بالوظيفة لا يعني الالتزام الحقيقي بها. إليك كيف يمكن للقادة بناء التزام فعلي لدى الموظفين.

ارتفعت معدلات الاحتفاظ بالموظفين، وأصبحت الأرقام تبعث الطمأنينة في نفوس القادة. لكن هل ينبغي لهم الاطمئنان فعلًا؟

وجدت دراسة اتجاهات مزايا الموظفين لعام 2026 الصادرة عن شركة «ميت لايف» (MetLife) أن 77% من الموظفين يعتزمون البقاء لدى أصحاب عملهم الحاليين. ويُعد هذا المستوى من الاحتفاظ بالموظفين حلمًا لأي قائد في مجال الموارد البشرية. لكن عند التعمق في النتائج، يتضح أن 56% من هؤلاء الموظفين يقولون إنهم يبقون بدافع الضرورة، لا نتيجة التزام حقيقي بالمؤسسة. فكثيرون يتمسكون بوظائفهم داخل مؤسسات لم يكونوا ليختاروها بالضرورة، لأن المغادرة تبدو لهم مخاطرة كبيرة. ويُعرف هذا السلوك باسم «التمسك بالوظيفة» (Job Hugging).

ينبغي لكل قائد في مجال الموارد البشرية أن يأخذ هذا الفرق في الحسبان، لأن الاحتفاظ بالموظفين والالتزام الحقيقي ليسا أمرًا واحدًا. فالأول يضمن بقاء الوظائف مشغولة، أما الثاني فيعزز الأداء، والجهد الإضافي الذي يبذله الموظفون بمبادرة شخصية، ونتائج الأعمال. وإذا تعاملنا مع المفهومين على أنهما مترادفان، فلن نلاحظ مشكلة كبيرة تختبئ خلف مؤشر يبدو صحيًا ومطمئنًا.

لماذا لا يعني البقاء في الوظيفة الاهتمام الحقيقي بها؟

يُعد الالتزام التنظيمي مفهومًا دُرس على نطاق واسع في مجال تخصصي، وهو علم النفس التنظيمي. وقد أدركنا منذ زمن أن الالتزام يتخذ عدة أشكال.

وأكثر هذه الأشكال فائدة هو ما يُعرف باسم الالتزام العاطفي (Affective Commitment)، الذي يعبر عن رابطة عاطفية عميقة تربط الموظفين بالمؤسسة ورسالتها. فالموظفون الذين يتمتعون بهذا النوع من الالتزام يبقون لأنهم يرغبون في ذلك. وهذا الارتباط العاطفي يدفعهم إلى بذل جهود إضافية بمبادرة شخصية، والتوصية بالمؤسسة والدفاع عنها، والتحلي بالمرونة والصمود عندما تواجه الظروف الصعبة.

أما النوع الآخر فيُسمى الالتزام الاستمراري (Continuance Commitment)، ويعني البقاء بدافع الضرورة. وقد يكون هذا النوع، في أفضل حالاته، مدفوعًا بما يُعرف بـ«الأصفاد الذهبية»، مثل الحوافز طويلة الأجل الجذابة أو حزمة المزايا التي يصعب التخلي عنها. لكن الدافع الأكثر شيوعًا، ولا سيما في الوقت الراهن، هو شعور الموظفين بأن فرص العمل البديلة محدودة. ففي ظل سوق عمل تنافسية ومخاوف متزايدة بشأن احتمال أن يحل الذكاء الاصطناعي محل بعض الوظائف، يبقى كثير من الموظفين لأنهم لا يرون خيارًا أفضل.

هذا النوع الثاني من الالتزام يرفع معدلات الاحتفاظ بالموظفين في الوقت الراهن، لكنه يشكل أساسًا هشًا لإدارة الأعمال.

والأسوأ من ذلك أن غياب الارتباط العاطفي العميق لا يقتصر أثره على الموظفين أنفسهم، بل يمتد إلى ما يقدمونه من عمل وإلى الأشخاص الذين يتعاملون معهم.

أين تخفق المؤسسات؟

يتجه واقع تجربة الموظف اليوم في مسار معاكس لما يعزز الالتزام العاطفي. فقد أظهرت أحدث دراساتنا للقوى العاملة عالميًا أن المؤسسات باتت تدير أجزاء متزايدة من قوتها العاملة بمنطق المعاملات المباشرة، من خلال تقليص برامج التهيئة الوظيفية، وخفض الاستثمارات في تطوير الموظفين، وتقليل المرونة، وتشديد الرقابة على الموظفين الجدد والعاملين بدوام جزئي والموظفين الذين يتعاملون مباشرة مع العملاء.

وتزيد هذه الممارسات احتمال تمسك الموظفين بوظائفهم بدافع الضرورة، ثم مغادرتهم بمجرد ظهور أول فرصة حقيقية مناسبة.

فالالتزام علاقة متبادلة؛ إذ يلتزم الناس بالمجموعات التي تلتزم بهم. ومن الصعب على الإنسان، من الناحية النفسية، أن يطور ولاءً حقيقيًا لمؤسسة لا تبادله الولاء. ولا يمكنك خلق الالتزام العاطفي بمجرد إرسال الرسائل والشعارات، إذا كانت تجربة الموظف الفعلية تتدهور خلف هذه الرسائل.

يلاحظ الموظفون الفجوة بين ما تقوله المؤسسة وما تفعله، وهنا تبدأ ظاهرة التمسك بالوظيفة في الترسخ.

ومع ذلك، إذا اكتفت معظم المؤسسات بقبول العلاقات القائمة على المعاملات مع الموظفين بوصفها الوضع الطبيعي الجديد، وهو ما ستفعله مؤسسات كثيرة، فإن المؤسسات التي تخالف هذا الاتجاه وتستثمر في بناء روابط عاطفية أعمق ستتمكن من تحقيق ميزة تنافسية حقيقية.

فالالتزام الحقيقي أصبح أكثر ندرة، ولذلك ازدادت قيمته.

ما الذي يمكن للقادة فعله لتعزيز الالتزام العاطفي العميق؟

1. اكسبوا ولاء الموظفين أولًا. ينبغي تطبيق المبادئ نفسها التي تستثمر المؤسسات في ترسيخها عند تصميم تجربة العملاء، مثل الاتساق والشفافية والوفاء بالوعود، داخل المؤسسة أيضًا، بدءًا من التعامل مع الموظفين. بل إن كسب ولاء الموظفين يُعد من أفضل السبل لبناء ولاء العملاء على المدى الطويل.

2. قيسوا السلوك إلى جانب المواقف والاتجاهات. إن نية البقاء في الوظيفة تمثل موقفًا أو توجهًا لدى الموظف، لكن المواقف ليست مؤشرات دقيقة تمامًا على السلوك الفعلي. لذلك، ينبغي الجمع بين بيانات الاتجاهات النفسية ومؤشرات السلوك، مثل التنقل الوظيفي الداخلي، والجهد الإضافي الذي يبذله الموظفون بمبادرة شخصية، والتوصية بالمؤسسة، واتجاهات الأداء. وسيساعد ذلك على فهم ما إذا كان الالتزام حقيقيًا أم أنه مجرد استجابة للظروف الراهنة.

3. اجعلوا الاعتبارات الإنسانية في صميم تبني الذكاء الاصطناعي. مع إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الأدوار الوظيفية، أصبحت مخاوف الموظفين بشأن الأمان الوظيفي عاملًا حقيقيًا ومتزايد التأثير في الالتزام الاستمراري والتمسك بالوظيفة. وينبغي للقادة أن يوضحوا صراحة أن الهدف من استخدام الذكاء الاصطناعي هو تعزيز العمل البشري وتطويره، لا إلغاء الوظائف البشرية، مع الاستمرار في قياس كيفية استخدام الموظفين لهذه التقنيات ومشاعرهم تجاهها.

ارتفعت معدلات الاحتفاظ بالموظفين، وهذه حقيقة. لكن امتلاء المبنى بالموظفين لا يعني بالضرورة أنهم يشعرون بالارتباط العاطفي بالمؤسسة أو أنهم يعملون بإنتاجية عالية.

إن المؤسسات المستعدة لبذل الجهد الأكبر لكسب الالتزام العاطفي الحقيقي، بدلًا من الاعتماد على الظروف التي تدفع الموظفين إلى البقاء، هي التي ستحتفظ بأفضل موظفيها حتى عندما تتحسن ظروف سوق العمل وتتسع أمامهم الخيارات.

مقالات ذات صلة