القومية وتحول الدولة، من تأليف لارس إريك سيدرمان، ولوك جيراردان، وكارل مولر كريبون، ويانيك آي. بينغل، كتاب يجادل بأن القومية لا تقتصر على تشكيل الهويات، بل تسهم أيضًا في رسم الحدود وتغييرها، ويتناول الكيفية التي يُعاد بها تشكيل الدول من خلال الانفصال والتوحيد والصراعات الإقليمية. ويقدم هذا الكتاب المبتكر حجة قوية تدعو إلى وضع تغيّر الحدود في صميم دراسات القومية، غير أن تناوله للسياسات الاجتماعية والاستعمارية التي تستند إليها المطالبات القومية لا يزال قاصرًا، كما توضح نور ماهر ونور سوان في هذه المراجعة.
عنوان الكتاب: القومية وتحول الدولة: تغيّر الحدود والعنف السياسي في العالم الحديث.
المؤلفون: لارس إريك سيدرمان، ولوك جيراردان، وكارل مولر كريبون، ويانيك آي. بينغل.
الناشر: مطبعة جامعة كامبريدج، 2025.
القومية بوصفها قوة إقليمية
على مدى عقود، ركزت دراسات القومية على الهوية والتعبئة السياسية وتشكيل الجماعات الوطنية، في حين انصبت نظريات نشأة الدولة على الحرب والإكراه وبناء مؤسسات الدولة. ويشمل هذا المجال دراسات الأمة والقومية، ومنها دراسة كولستو حول القومية والصراع العرقي، وكتاب تاريخ كامبريدج للأمة والقومية، إلى جانب الأبحاث المتعلقة بنشأة الدولة التي قدمتها هيذر راي عام 2007 وأوليفر ريتشموند عام 2013. ويجمع كتاب القومية وتحول الدولة، الذي ألفه لارس إريك سيدرمان ولوك جيراردان وكارل مولر كريبون ويانيك آي. بينغل، بين هذين التقليدين البحثيين من خلال طرح سؤال لم يحظَ بالقدر الكافي من الدراسة: ماذا يحدث للدولة عندما لا تتطابق حدودها السياسية مع التوزيع الجغرافي للأمم؟
يرى سيدرمان وزملاؤه أن القومية ليست مجرد أيديولوجيا أو شعور، بل هي أيضًا قوة إقليمية. فعندما تفصل حدود الدول بين الجماعات العرقية أو القومية، أو عندما تضم الدولة الواحدة جماعات متعددة، قد تؤدي القومية إلى ظهور مطالب بإعادة رسم تلك الحدود من خلال الانفصال والتوحيد والنزعة الوحدوية الإقليمية، التي تتمثل في السعي إلى ضم أراضٍ يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من الوطن القومي. ويضع هذا الطرح الكتاب في موقع وسط بين كتاب تشارلز تيلي الإكراه ورأس المال والدول الأوروبية، من عام 990 إلى عام 1992 ميلاديًا، الذي يؤكد دور الحرب والإكراه في نشأة الدولة الحديثة، وكتاب إرنست غلنر الأمم والقومية، الذي يرى أن القومية تسعى إلى تحقيق التطابق بين الحدود السياسية والحدود الثقافية. ويوسع المؤلفون نطاق هذه الأدبيات من خلال دراسة الكيفية التي تعيد بها القومية تشكيل البنية الإقليمية للنظام الدولي.
من تفكك الإمبراطوريات متعددة القوميات إلى الصراعات حول شبه جزيرة القرم وأوكرانيا وغيرها من الأراضي المتنازع عليها، تظل مسألة تحديد الدولة التي ينتمي إليها الأفراد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحدود. ولهذا، يتحدى المؤلفون المناهج التي تتعامل مع الحدود باعتبارها ثوابت، ومع إقليم الدولة باعتباره نقطة انطلاق للتحليل، بدلًا من النظر إليه بوصفه نتيجة للصراع السياسي. وكما يوضح مقدمة الكتاب، فإن هدفهم يتمثل في إعادة إدراج تغيّر الحدود ضمن التفسيرات المتعلقة بالقومية ونشأة الدولة والصراع.

وضع الحدود في صميم دراسة القومية
يرتكز الكتاب على مفهوم التطابق بين الدولة والأمة، وهو مقياس يوضح مدى توافق الحدود السياسية لبلد ما مع النطاق الجغرافي الذي تنتشر فيه جماعاته العرقية. ويتمثل الإنجاز الأبرز للمؤلفين في تحويل هذا المفهوم إلى شيء يمكن قياسه. فمن خلال استخدام الخرائط التاريخية والبيانات السكانية، يوضحون أن الدول الأوروبية أصبحت أكثر تجانسًا من الناحية العرقية بدرجة كبيرة، منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده. واللافت أنهم وجدوا أن تغيّر الحدود، وليس مجرد انتقال السكان من مكان إلى آخر أو اندماجهم في جماعات أخرى، كان مسؤولًا عن أكثر من نصف الزيادة في مستوى التطابق بين الدولة والأمة.
بدلًا من افتراض أن الدول القومية ظهرت بصورة طبيعية وتلقائية، يوضح المؤلفون كيف أُعيد رسم الحدود عمدًا لجمع السكان ضمن وحدات إقليمية واحدة. وتثبت بياناتهم المكانية أن الحدود العرقية القائمة أثرت في تحديد المواقع التي رُسمت عندها حدود الدول لاحقًا.
وهنا تكمن أقوى جوانب الكتاب. فبدلًا من افتراض أن الدول القومية ظهرت بصورة طبيعية، يوضح المؤلفون كيف أُعيد رسم الحدود عمدًا لجمع السكان ضمن وحدات إقليمية واحدة. وتثبت بياناتهم المكانية أن الحدود العرقية القائمة أثرت في تحديد المواقع التي رُسمت عندها حدود الدول لاحقًا، حتى بعد أخذ العوامل الجغرافية والتاريخية في الحسبان. كما يعترف المؤلفون بالجانب المظلم لهذه العملية؛ إذ لم يكن إنشاء دول متجانسة دائمًا عملية سلمية، وقد يخفي المؤشر الإحصائي الذي يُظهر «زيادة التطابق» حقائق تاريخية عنيفة. وقد أثبت مايكل مان بالفعل، في كتابه الجانب المظلم للديمقراطية، أن مشروعات بناء الأمة اعتمدت في كثير من الأحيان على الإزالة العنيفة للسكان الذين لا ينسجمون مع التصور المرغوب فيه للجماعة القومية.
أخذ القومية على محمل الجد في العلاقات الدولية
إما أن تنظر الواقعية السياسية إلى القومية باعتبارها مصدرًا إضافيًا لتعزيز قوة الدول، أو أن تتعامل معها باعتبارها عاملًا خارج نطاق اهتمامها، وهو ما يحد من قدرتها على استيعاب الإمكانات التخريبية للقومية وتأثيرها في العلاقات الداخلية والدولية. ويرى سيدرمان وزملاؤه أن حقل العلاقات الدولية لم يعد يأخذ القومية على محمل الجد بالقدر الكافي. وفي الوقت نفسه، وكما توضح نوتنز أيضًا، قد يقلل الفكر الليبرالي من أهمية استمرار القومية والدولة الإقليمية ذات السيادة، على الرغم من أن السيادة الإقليمية تحتل مكانة محورية في النظام الحديث للدول. ويكتسب هذا التشخيص أهمية خاصة من منظور غير غربي؛ إذ إن الباحثين الغربيين في العلاقات الدولية هم تحديدًا من يحتاجون إلى إعادة وضع القومية في صميم اهتماماتهم البحثية.
تبدو الأدلة الكمية التي يقدمها الكتاب مقنعة عندما تربط بين التوزيع الجغرافي للجماعات العرقية والتغيرات التي تطرأ على الحدود. ويقر المؤلفون بوجود فرق بين الأمرين، غير أن مقاييسهم المكانية تلتقط الأنماط الإقليمية بصورة مباشرة أكثر مما تلتقط الفاعلية السياسية. فالبيانات تجيد وصف الجغرافيا، لكنها تواجه صعوبة في رصد الفاعلية البشرية والدوافع السياسية والواقع المعقد للتعبئة القومية. ويخلص المؤلفون إلى أن عدم التطابق بين الدولة والأمة أو الأمم التي تعيش داخل حدودها يؤدي إلى زعزعة الاستقرار. وفي الفصل السابع، يعرضون أنماطًا مختلفة من التطابق بين الدولة والأمة، ثم يختبرون مدى احتمال نشوب الصراعات في ظل هذه الأنماط.
ومن النتائج المهمة التي توصلوا إليها أن الأمم العرقية التي تتوزع على دول منفصلة تتمتع كل منها بالحكم الذاتي تكون أقل عرضة للدخول في صراعات أو إعادة التوحيد. لكن إذا كانت الدولة التي ترتبط بها إحدى الجماعات العرقية بروابط القرابة القومية أو الانتماء العرقي تخضع لحكم قوى أجنبية عنها، فمن المرجح أن تتحرك الدولة التي تنتمي إليها هذه الجماعة لدعمها. وقد اتخذت هذه التعبئة تاريخيًا شكل الحروب، أما اليوم، فقد تتجسد في دعم الجماعات المتمردة ذات الانتماء العرقي المشترك.
وتستدعي هذه النتيجة تطوير مجموعات بيانات جديدة ترصد الدعم الحكومي المقدم إلى الجماعات المتمردة على أساس الانتماء العرقي. ونظرًا إلى تركيز الدراسة جغرافيًا على أوروبا، ينبغي أن تحفز هذه النتائج الباحثين التجريبيين في العلاقات الدولية على إعادة اختبارها في مناطق أخرى من العالم. فعلى سبيل المثال، يوضح عمل هاريس ميلوناس حول بناء الأمة كيف تعمل هذه الديناميات على نطاق عالمي.
قوة السرديات الاستعادية
يوضح سيدرمان وزملاؤه كذلك أن هذه التعبئة تستند إلى السرديات التاريخية. وهم يختبرون تحديدًا ما يسمونه تأثيرات العصر الذهبي، أي مدى احتمال أن تسعى الأمم التي شهدت عصورًا ذهبية في تاريخها إلى التعبئة من أجل استعادة ما تعتبره أمجادها السابقة. ويطلق المؤلفون على هذه الظاهرة اسم «القومية الاستعادية»، وهي القومية التي تستند إلى تصورات عن ماضٍ مجيد لتبرير السعي إلى استعادة مكانة أو أراضٍ يُعتقد أنها فُقدت.
ويؤكد المؤلفون أن العامل المزعزع للاستقرار ليس وجود عصر ذهبي تاريخي بصورة موضوعية، بل الاعتقاد بوجوده. كما يضفون بُعدًا مكانيًا على المطالبات القومية المرتبطة بالعصور الذهبية التاريخية، وهو ما يمثل إسهامًا مهمًا في البحوث التجريبية في العلاقات الدولية (ص 245).
لا يكتفي المؤلفون بإثبات أن الادعاءات التاريخية المتعلقة بالمجد السابق والانتماء الإقليمي تزيد احتمال نشوب الصراعات، بل يجدون أيضًا أن امتلاك الدولة لسيادة سابقة يرتبط باندلاع انتفاضات أكثر عنفًا.
لا يكتفي المؤلفون بإثبات أن الادعاءات التاريخية المتعلقة بالمجد السابق والانتماء الإقليمي تزيد احتمال نشوب الصراعات، بل يجدون أيضًا أن امتلاك الدولة لسيادة سابقة يرتبط باندلاع انتفاضات أكثر عنفًا. ومع أن المؤلفين يبدون واضحين في تأكيدهم أن السردية التاريخية هي التي تنتج أثر الصراع، فإنهم أقل وضوحًا في تفسير الكيفية التي يحدث بها ذلك. فهم يشيرون إلى أن هذه السرديات تؤثر من خلال «قوتها العاطفية»، لكنهم لا يدركون تمامًا الطابع المنهجي لاهتمامهم هم أنفسهم بالدور العاطفي للسرديات (ص 191). كما يسلط فاينستين الضوء على هذا العمل، معتبرًا إياه عنصرًا مفقودًا بالغ الأهمية في الأبحاث المتعلقة بالقومية والصراع السياسي.
والأهم من ذلك أن دعوة المؤلفين إلى قياس السرديات القومية تتعارض مع محدودية المنهج الذي يتبعونه هم في هذا المجال. فبدلًا من رصد السرديات القومية لدى قطاعات المجتمع الأوسع أو ضمن شبكة من الفاعلين، يعتمدون أساسًا على المطالبات التاريخية التي تطرحها نخب سياسية محددة. فعلى سبيل المثال، يدرسون الكيفية التي استند بها قادة مثل سلوبودان ميلوشيفيتش في صربيا وفلاديمير بوتين في روسيا إلى استحضار «العصور الذهبية» الإمبراطورية الماضية لتبرير التوسع الإقليمي (ص 195).
ويغفل تركيزهم على شخصية واحدة، هي «الزعيم القومي»، عن الكيفية التي تُناقش بها السرديات وتُعارَض وتُصاغ بأشكال مختلفة بين عامة الناس. ولذلك، ندعو إلى إجراء مزيد من الدراسات لاختبار هذا التباين، ونقترح أن تمثل الحالة الفلسطينية نقطة انطلاق مناسبة لهذا البحث.
وعند مناقشة إسرائيل وفلسطين، يستحضر المؤلفون مفهوم القومية الاستعادية، ويجادلون بأن كلا الطرفين يسعى إلى استعادة «عصور ذهبية» تاريخية (ص 258). غير أن هذا المنظور يتجاهل واقع الاستعمار الأوروبي والاحتلال الإسرائيلي المستمر. ففكرة استعادة «عصر ذهبي» تاريخي تنطبق على السردية الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية، التي توظف الادعاءات التاريخية أداةً لإضفاء الشرعية على احتلال فلسطين.
إن اختزال المطالبات الفلسطينية بالأرض إلى مجرد تصور تاريخي «معقول»، بدلًا من الاعتراف بها باعتبارها واقعًا تاريخيًا يستند إلى الوجود الأصيل للسكان الأصليين، يعكس تحيزًا أوروبيًا واضحًا يحجب طبيعة الديناميات الاستعمارية الاستيطانية. وبهذا، فإن التعامل مع المطالبات الإسرائيلية والفلسطينية من خلال إطار تفسيري واحد، من دون مراعاة السياق الاستعماري والاستيطاني، يؤدي إلى إغفال الفروق الجوهرية بين الحالتين، ويطمس واقع الاحتلال القائم.
يضع كتاب «القومية وتحول الدولة» تغيّر الحدود في الموضع الذي ينبغي أن يحتله تمامًا، أي في صميم دراسات القومية.
على الرغم من هذه القيود، يقدم كتاب القومية وتحول الدولة إسهامًا مهمًا في هذا المجال؛ إذ يضع تغيّر الحدود في الموضع الذي ينبغي أن يحتله تمامًا، أي في صميم دراسات القومية. ويمنح الجمع بين التحليل التاريخي والبيانات المكانية الكتاب منظورًا جديدًا لفهم الكيفية التي تشكلت بها الخريطة السياسية للعالم الحديث.
ويُعد الكتاب قراءة ضرورية للباحثين والطلاب المتخصصين في القومية والعلاقات الدولية والسياسة المقارنة والجغرافيا السياسية. والأهم أنه يذكرنا بأن القومية لا تقتصر على تغيير الطريقة التي يتصور بها الناس انتماءهم إلى جماعاتهم، بل إنها تسهم أيضًا في تغيير المواقع التي تُرسم فيها حدود تلك الجماعات على الخريطة.
