القائمة الرئيسية

لماذا تتركز الوظائف الجيدة في أماكن معينة؟

لماذا تتركز الوظائف الجيدة في أماكن معينة؟
ملخص المقال

يتناول المقال ظاهرة تركز الوظائف الجيدة والأعلى أجرًا في مناطق جغرافية محددة بالمملكة المتحدة، مثل لندن وجنوب شرق إنجلترا، بسبب استفادة العاملين ذوي المهارات العالية والشركات المنتجة من التجمع، ما يعزز الإنتاجية والابتكار. ويعود هذا التركز إلى التحولات نحو الصناعات كثيفة المعرفة، وصعود الشركات العملاقة، ومنافع التجمع الاقتصادي في المدن، بالإضافة إلى الهجرة الانتقائية لذوي المهارات. ويشير المقال إلى أن هذا التركز لا يوزع المنافع الاقتصادية بشكل متساوٍ، حيث لا يستفيد منه بالضرورة جميع السكان، خاصة ذوي الدخل المنخفض، وقد يزيد من تكاليف المعيشة مثل الإسكان. ويشدد على أن سياسات تنمية المهارات وحدها غير كافية لإعادة التوازن الجغرافي، بل يتطلب الأمر تدخلات منسقة وشاملة تستهدف تحسين الوظائف والأجور والإسكان والنقل، لخلق الظروف لازدهار الشركات المنتجة في أماكن متنوعة وضمان توزيع منافع الوظائف الجيدة على نطاق أوسع ليشمل جميع شرائح المجتمع.

توجد وظائف جيدة في مختلف أنحاء المملكة المتحدة، لكن الوظائف الأعلى أجرًا لا تزال تتركز بدرجة كبيرة في لندن وجنوب شرق إنجلترا، إلى جانب عدد محدود من المدن الأخرى. وقد عززت التحولات الهيكلية هذه الأنماط، مما يثير تساؤلات صعبة حول كيفية تمكين السياسات العامة من توزيع الفرص على نطاق أوسع وأكثر عدالة.

لا تقتصر الوظائف الجيدة على تلك التي تقدم رواتب مرتفعة، لكن ارتفاع الأجور يمثل أحد الأبعاد المهمة والقابلة للملاحظة في كثير من هذه الوظائف. ومن هذه الناحية، تتركز الوظائف الجيدة في عدد محدود من الأماكن، لأن العاملين ذوي المهارات العالية والشركات المنتجة يستفيدون من التجمع والعمل بالقرب بعضهم من بعض.

في عام 2019، كان نحو نصف السكان البالغين في سن العمل في برايتون ولندن من خريجي الجامعات، مقارنة بنحو 15 إلى 18 في المئة فقط في أماكن مثل دونكاستر وغريمسبي ومانسفيلد. أما الوظائف الأعلى أجرًا، فيتركز وجودها جغرافيًا بدرجة أكبر حتى من الوظائف التي يشغلها خريجو الجامعات عمومًا.

وقد تعززت هذه الأنماط نتيجة التحول نحو الصناعات كثيفة المعرفة، وصعود الشركات العملاقة المهيمنة على أسواقها، وتزايد أهمية المنافع الاقتصادية الناشئة عن تركز الأنشطة الاقتصادية في مواقع جغرافية متقاربة.

ما الذي يجعل الوظيفة «جيدة»، وأين تتركز الوظائف الجيدة؟

إلى جانب الراتب، توفر الوظائف الجيدة الأمان الوظيفي والاستقلالية وفرص التقدم المهني وإمكانية التعبير عن الرأي والمشاركة في اتخاذ القرارات داخل بيئة العمل. وقد تمنح العاملين أيضًا فرصًا لتطوير ذواتهم والشعور بالهدف والإنجاز، مما يسهم في تحسين رفاههم وجودة حياتهم.

وترتبط كثير من هذه الخصائص، ولا سيما الجوانب الأساسية المتعلقة بسوق العمل، بالمهن التي تتطلب مهارات أعلى والقطاعات الأكثر إنتاجية. فالوظائف في هذه القطاعات تتضمن عادةً قدرًا أكبر من العمل التحليلي، كما تضم نسبة أعلى من العاملين في المناصب الإدارية والمهنية والتقنية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة «استقصاء الاقتصاد 2030»، التي أعدتها مؤسسة ريزوليوشن ومركز الأداء الاقتصادي عام 2023، أن الأجور أعلى لدى جميع الفئات التعليمية في ثلاثة قطاعات رئيسية مرتبطة بالنمو المستقبلي، وأن العاملين في هذه القطاعات شهدوا نموًا أسرع في أجورهم على امتداد مسيرتهم المهنية.

وبالتالي، فإن توسيع فرص التوظيف في هذه القطاعات قد يحسن الفرص المتاحة ليس فقط للعاملين ذوي المستويات التعليمية المرتفعة، بل أيضًا للأشخاص الذين لا يحملون مؤهلات تعليمية عليا.

لكن المشكلة تكمن في أن هذه الوظائف تتركز بدرجة غير متناسبة في أماكن معينة، سواء على المستوى الوطني أم داخل المدن نفسها. وهذا يعني أن المنافع الأوسع التي تحققها الوظائف الجيدة تتركز جغرافيًا أيضًا.

فمراكز التوظيف الكبيرة قادرة على دعم مرافق أفضل، وأنظمة نقل أكثر كفاءة، وخدمات عامة أكثر تطورًا. كما أن تجمع العاملين المهرة والشركات في أماكن متقاربة يمكن أن يعزز الابتكار وتبادل المعرفة، مما يزيد الإنتاجية المحلية ويدعمها.

وقد يساعد ذلك في تفسير سبب تركز الوظائف الأعلى أجرًا جغرافيًا بدرجة تفوق تركز وظائف خريجي الجامعات عمومًا، إذ تتركز الفرص بصورة رئيسية في لندن وعدد محدود من المناطق الأخرى.

وعلى الرغم من تركز هذه الوظائف الأعلى أجرًا في مواقع معينة، فإن الأشخاص الذين يشغلونها قد يسكنون في أماكن أخرى، ويتنقلون لمسافات طويلة للوصول إلى أعمالهم. ويسمح هذا الانفصال بين مكان العمل ومكان السكن للأشخاص الأعلى دخلًا بالعيش في مواقع توفر مزايا أخرى، مثل المنازل الأكبر حجمًا والمدارس الأفضل والشوارع التجارية النابضة بالحياة.

والنتيجة هي تركز الوظائف الجيدة والأشخاص الذين يشغلونها في مناطق جغرافية معينة، لكن ليس بالضرورة في المواقع نفسها التي يعملون فيها.

لماذا تتجمع الوظائف الجيدة في أماكن معينة؟

تعكس الفوارق الجغرافية في توافر الوظائف الجيدة العلاقة المتبادلة التي تعزز نفسها بين الطلب على المهارات والعرض المتاح منها، فضلًا عن تركز هذين العاملين في أماكن معينة.

وتوفر المدن، على وجه الخصوص، مزايا اقتصادية ناشئة عن التجمع، وهو ما يساعد على تفسير هذه الفوارق. إذ تتيح المدن للشركات مزايا اقتصادية من خلال البنية التحتية المشتركة، وإمكانية الوصول إلى الموردين المتخصصين، وتوافر قاعدة أوسع من العاملين، وتبادل المعرفة بين الشركات والعاملين.

وتؤدي هذه المزايا إلى رفع الإنتاجية. وتشير التقديرات إلى أن مضاعفة الكثافة السكانية تزيد الإنتاجية بنحو 2 في المئة. وتميل هذه المنافع إلى أن تكون أكبر بالنسبة إلى العاملين ذوي المهارات العالية والصناعات كثيفة المعرفة، مما يمنح الوظائف التي تتطلب مهارات مرتفعة حوافز قوية للتمركز جغرافيًا في مناطق محددة.

وقد أدى التحول من التصنيع إلى الخدمات إلى تركيز العديد من الوظائف الأعلى أجرًا في الاقتصادات الحضرية الكبرى، ولا سيما في القطاعات التي تعتمد على المهارات والمعرفة المكثفة.

كما عزز التغير التكنولوجي وصعود الشركات العملاقة هذه الأنماط، من خلال زيادة المزايا التي تتمتع بها أسواق العمل الكبيرة والكثيفة بالعمالة الماهرة. ونتيجة لذلك، أصبح الطلب على المهارات أكثر تركزًا من الناحية الجغرافية.

ويتفاوت عرض المهارات أيضًا بين المناطق بسبب الاختلافات في مستويات التحصيل التعليمي والهجرة الانتقائية. فعلى سبيل المثال، يتمتع خريجو الجامعات بقدرة أكبر على الانتقال جغرافيًا مقارنة بغير الخريجين، ويميلون إلى الانتقال نحو المناطق الأعلى أجرًا والأفضل من حيث الفرص المتاحة في سوق العمل.

وتجذب المناطق التي تتمتع بأسواق عمل قوية للخريجين مزيدًا من العاملين المهرة، بينما تواجه المناطق ذات أسواق العمل الأضعف صعوبة في الاحتفاظ بهم.

وتؤدي هذه الظاهرة إلى اتساع الفجوة في المعروض من المهارات بين المناطق، وتنشأ عنها حلقة متكررة تعزز نفسها بنفسها: فالشركات التي تبحث عن عاملين ذوي مهارات عالية تختار مواقع تتوافر فيها العمالة الماهرة، ثم ينتقل العاملون المهرة من المناطق الأخرى إلى الأماكن التي توجد فيها هذه الشركات.

من المستفيد من النمو المرتبط بمواقع جغرافية معينة؟

تعني الفوارق الجغرافية أن منافع النمو الاقتصادي لا تتوزع بالتساوي، ولا تؤدي تلقائيًا إلى تحسين أوضاع جميع السكان الذين يعيشون بالقرب من المناطق التي تشهد نموًا.

وتقدم لندن مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ تضم المدينة بعض أسواق العمل الأعلى أجرًا في أوروبا، إلى جانب وظائف متدنية الأجر، وحرمان اقتصادي مستمر، وتفاوتات اجتماعية واقتصادية في العديد من أحيائها.

ويشير ذلك إلى أن السياسات التي تستهدف إنشاء مزيد من الوظائف عالية المهارات في مدن معينة قد تنجح في رفع الإنتاجية ومتوسط الأجور، من دون أن تسهم بالقدر نفسه في توفير وظائف جيدة أو تحسين الأوضاع الأخرى للسكان ذوي الدخل المنخفض الذين يعيشون فيها بالفعل.

فتغيير التركيبة الاقتصادية لمنطقة ما لا يعني بالضرورة تحسين أوضاع جميع الأشخاص الذين يقيمون فيها حاليًا.

وقد تنتقل بعض المنافع الناتجة عن تركز الوظائف الجيدة والأعلى أجرًا إلى العاملين ذوي الدخل المنخفض، من خلال ارتفاع الأجور ومعدلات التوظيف بدرجة محدودة. كما أن ارتفاع العائد المالي على الشهادات الجامعية في المدن المجاورة قد يعزز الحوافز للاستثمار في التعليم في البلدات والمدن الصغيرة.

لكن تجربة لندن توضح أن لهذه الآثار الإيجابية غير المباشرة حدودًا، وأن المنافع قد تقابلها تكاليف إضافية، مثل ارتفاع أسعار المساكن.

وباختصار، إذا أردنا أن تستفيد الأسر ذات الدخل المنخفض بصورة مباشرة من النمو الاقتصادي، بما في ذلك تحسين فرص وصولها إلى الوظائف الجيدة، فسنحتاج إلى سياسات مكملة. ويشمل ذلك الاستثمار في التعليم والتدريب ورعاية الأطفال والخدمات الصحية ووسائل النقل الميسورة التكلفة، لمساعدة الناس على الوصول إلى الفرص المتاحة.

ما وراء سياسات تنمية المهارات

غالبًا ما دفعت استمرارية التفاوتات الجغرافية إلى التركيز على سياسات تنمية المهارات، ولا سيما زيادة مستويات التحصيل التعليمي وأعداد خريجي الجامعات في المناطق الأقل إنتاجية.

ولا شك أن تحسين المهارات أمر مهم، لكن التدخلات التي تركز على جانب العرض وحده لن تكون كافية على الأرجح لإعادة التوازن إلى التوزيع الجغرافي للفرص. وكما أشرنا سابقًا، فإن منافع الوظائف الجيدة والأعلى أجرًا لا تنتقل بالضرورة تلقائيًا إلى الأشخاص الأقل حظًا.

وتوضح الأبحاث المتعلقة بمنطقة مانشستر الكبرى هذه المسألة بجلاء. فقد خلصت دراسة «استقصاء الاقتصاد 2030» إلى أن تقليص فجوة الإنتاجية بين لندن ومانشستر الكبرى يتطلب زيادة كبيرة في رأس المال الذي تستثمره الشركات، إلى جانب توفير نحو 180 ألف خريج جامعي إضافي.

لكن التدفق السنوي للخريجين من المؤسسات التعليمية المحلية صغير للغاية مقارنة بحجم القوى العاملة الحالية، بحيث لا يمكنه تحقيق هذا التحول بسرعة. وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن مانشستر الكبرى لا تحتفظ إلا بنحو نصف الطلاب الذين يدرسون في مؤسساتها التعليمية المحلية.

ومن المرجح أن تتفاقم هذه المشكلة في المناطق التي تضم مؤسسات تعليمية أضعف وتواجه صعوبات أكبر في الاحتفاظ بخريجيها.

وبالتالي، لا تكمن المشكلة في مجرد زيادة أعداد الخريجين. فمن دون نمو موازٍ في الطلب على العمالة ذات المهارات العالية، سيواصل كثير من العاملين المهرة الانتقال إلى أسواق العمل الأقوى في مناطق أخرى. وهذا يعني أن السياسات التي تركز حصرًا على زيادة المعروض من المهارات غير كافية.

ويتطلب النهج الأكثر فاعلية تدخلات منسقة لتحسين الوظائف والأجور والإسكان والنقل. ويستلزم ذلك استثمارات كبيرة، يُرجح أن تحتاج في البداية إلى التركيز جغرافيًا في عدد محدود من المناطق، حيث يمكن البدء في بناء عمليات اقتصادية تعزز بعضها بعضًا وتدعم النمو المستدام.

وماذا عن السياسات التي تستهدف تحسين جودة الوظائف ذات الأجور المنخفضة مباشرةً؟

تشير الأدلة إلى أن سياسات التوظيف العادل، مثل الالتزام بدفع أجر المعيشة الحقيقي، واعتماد مواثيق التوظيف العادل، وتعزيز الحماية الوظيفية، يمكن أن تؤدي إلى آثار إيجابية في أجور العاملين ذوي الدخل المنخفض.

وقد اعتمدت بالفعل عدة سلطات محلية مشتركة وحكومات مفوضة مواثيق للتوظيف العادل، تشجع أصحاب العمل على تحسين الأجور وظروف العمل.

وبالمثل، يمكن للإصلاحات الحديثة المتعلقة بحقوق العاملين، بما في ذلك تعزيز استحقاقات الأجر المرضي المنصوص عليها قانونًا، أن تحسن الأمان الوظيفي للعاملين في القطاعات منخفضة الأجور.

لكن النقاش الدائر حول هذه الحقوق الجديدة يوضح أنه عندما تفرض هذه الإصلاحات تكاليف إضافية على أصحاب العمل، فإن قدرتها على تحسين ظروف العمل في المناطق التي تعاني أصلًا صعوبات اقتصادية تصبح محدودة.

لا يوجد حل بسيط لتقليل تركز الوظائف الجيدة في أماكن معينة. فإلزام الشركات بتحسين جودة الوظائف يساعد على معالجة الممارسات الاستغلالية التي قد يتبعها أصحاب العمل، لكنه لا يستطيع وحده أن يؤدي فجأة إلى إنشاء أعداد كبيرة من الوظائف ذات الأجور المرتفعة والجودة العالية في المناطق المتعثرة اقتصاديًا.

كما أن مجرد نقل الوظائف الجيدة من مكان إلى آخر لن يكون حلًا ناجحًا بالضرورة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجود قوى اقتصادية قوية تدفع هذه الوظائف إلى التركز جغرافيًا، فضلًا عن عدم إمكانية افتراض أن نقلها سيؤدي إلى إنشاء وظائف أفضل جودة يشغلها السكان المقيمون في تلك المناطق بالفعل.

وفي نهاية المطاف، فإن ضمان تمكّن عدد أكبر من الناس من الوصول إلى الوظائف الجيدة في عدد أكبر من المناطق يعتمد على تهيئة الظروف التي تسمح للشركات المنتجة بالازدهار في أماكن متنوعة، مع ضمان توزيع منافع الوظائف الجيدة التي تنشئها على نطاق يتجاوز الأشخاص الذين يتمتعون أصلًا بأفضل الفرص للوصول إليها.

مقالات ذات صلة