القائمة الرئيسية

ما الذي يمكن أن نتعلمه من قرن من التاريخ الاقتصادي؟

ما الذي يمكن أن نتعلمه من قرن من التاريخ الاقتصادي؟
ملخص المقال

يقدم المقال تحليلاً للدروس المستفادة من قرن من التاريخ الاقتصادي، مستعرضًا تأسيس جمعية التاريخ الاقتصادي قبل مئة عام في بريطانيا، وهي فترة اتسمت بصراعات اقتصادية حادة كعواقب عودة البلاد إلى قاعدة الذهب والإضراب العام. يوضح الكاتب كيف تحول الاقتصاد البريطاني بشكل جذري منذ ذلك الحين؛ من هيمنة الصناعات التقليدية والإمبراطورية العالمية إلى اقتصاد خدمي حديث، مع تراجع نفوذ لندن المالي وتبني أنظمة صرف عملات مرنة، وتغيرات عميقة في سوق العمل. ورغم أن هذا التحول جلب ثراءً أكبر، وتحسنًا في الصحة العامة، وعدالة نسبية في توزيع الثروة (مع استمرار تحديات في تفاوت الدخل والثروة العرقية)، يؤكد الكاتب أن التاريخ الاقتصادي، على الرغم من أهميته في توجيه صانعي السياسات بفهم تجارب الماضي، لا يقدم حلاً سحريًا أو خريطة طريق دقيقة للمستقبل. ويشير إلى تحديين رئيسيين: صعوبة الفهم الشامل للاقتصاد المعقد والمتغير، وصعوبة إدارته بنجاح في ظل السياقات المتجددة سريعًا وتصرفات الفاعلين الاقتصاديين، مؤكدًا أن الغاية من دراسة التاريخ الاقتصادي تبقى الفهم والتوعية.

يقدم التاريخ الاقتصادي الجيد رؤى قيّمة لصانعي السياسات، إذ يوضح لهم كيف جرى التعامل مع الأزمات في الماضي، وما النتائج المقصودة وغير المقصودة التي ترتبت على الإجراءات التي اتخذتها الحكومات السابقة.

تأسست جمعية التاريخ الاقتصادي قبل مئة عام، في فترة شهدت صراعات اقتصادية حادة وتحولات عميقة، إذ كان العالم يتعافى من الاضطرابات التي خلفتها الحرب العالمية الأولى، ويتجه تدريجيًا نحو أزمة الكساد الكبير.

ففي عام 1925، أعاد ونستون تشرشل، الذي كان يشغل منصب وزير الخزانة البريطاني، بريطانيا إلى نظام قاعدة الذهب، وهو ما ألحق الضرر بصادرات البلاد وأدى إلى الركود الاقتصادي وخفض الأجور وفقدان الوظائف. وفي أوائل مايو 1926، شهدت البلاد الإضراب العام الذي دعا إليه مؤتمر نقابات العمال، وشارك فيه ما يقرب من مليوني عامل، وذلك قبل شهرين فقط من تأسيس جمعية التاريخ الاقتصادي.

وقد ألّف أعضاء الجمعية دراسات تناولت التاريخ الاقتصادي للسنوات التي تلت تأسيسها، بالتزامن مع أبحاثهم في القرون السابقة. وأسهمت الحقائق والحجج التي طورها مؤرخو الاقتصاد في تشكيل الطريقة التي تصرفت بها الحكومات والشركات والأفراد.

وقد تبدو التغييرات الجريئة، التي اتضح في نهاية المطاف أنها مضللة، في العلاقات الاقتصادية الدولية للبلاد، إلى جانب فترات الإضرابات العمالية الحادة، مألوفة على نحو يثير القلق. ومع ذلك، يختلف الاقتصاد البريطاني اليوم اختلافًا كبيرًا عن الاقتصاد الذي كان قائمًا عام 1926.

ففي ذلك الوقت، كانت بريطانيا تضم واحدة من أكبر الصناعات النسيجية في العالم، وكانت مصانع القطن والصوف تهيمن على النشاط الاقتصادي في العديد من مدنها، فيما كان التعدين نشطًا في مقاطعات كثيرة. وظلت إنجازات الثورة الصناعية تشكل ملامح الاقتصاد البريطاني، حتى بعدما انتقلت الريادة الاقتصادية إلى الولايات المتحدة، في حين استمرت الإمبراطورية البريطانية في امتدادها عبر القارات، موجّهةً أنماط التجارة والاستثمار والهجرة.

أما اليوم، فقد تقلصت الصناعة والأنشطة التصنيعية إلى جزء صغير من حجمهما السابق، واختفت معظم شركات التصنيع الكبرى التي كانت قائمة عام 1926. وأصبحت الخدمات تهيمن على التوظيف والصادرات، بما في ذلك التعليم والتمويل والصحة والقانون والتكنولوجيا. وانتهت الإمبراطورية البريطانية، وتقلص نطاق الكومنولث كثيرًا. كما أوشكت الفئة العمالية التي كانت تعمل في مناجم الفحم، والتي شكّل نزاعها بشأن الأجور محور الإضراب العام، على الاختفاء تمامًا.

تأسست جمعية التاريخ الاقتصادي في عالم كانت فيه الاقتصادات الكبرى مرتبطة بعضها ببعض من خلال نظام قاعدة الذهب، الذي كان يحدد أسعار الصرف وقيمة العملات. أما اليوم، فلا تلجأ إلا قلة من الاقتصادات الكبرى إلى تثبيت أسعار الصرف، إذ تفضل معظمها الاحتفاظ بحرية استخدام أسعار الفائدة للتأثير في توقعات التضخم.

وتأسست الجمعية أيضًا في مدينة كانت تمثل مركز التمويل والخدمات المصرفية في العالم، وتضم أكبر سوق للأسهم. وعلى الرغم من أن القطاع المالي في لندن لا يزال كبيرًا، فإنه لم يعد يحتل المكانة المهيمنة التي كان يتمتع بها سابقًا.

كذلك تغيرت طريقة عمل سوق العمل. فقد انخفضت عضوية النقابات العمالية انخفاضًا كبيرًا بعد أن بلغت ذروتها عند 54 في المئة عام 1979. وأصبح التفاوض الجماعي بشأن الأجور وشروط العمل سمة تميز القطاع العام إلى حد كبير. أما تحديد الأجور، فقد تُرك في معظمه لقوى السوق، باستثناء الحد الأدنى للأجور. كما أصبح عدد أيام العمل المفقودة بسبب الإضرابات جزءًا ضئيلًا من المستويات المسجلة خلال عشرينيات القرن الماضي أو سبعينياته.

وتغيرت القوى العاملة من نواحٍ أخرى أيضًا. ففي الوقت الحاضر، تعمل قرابة ثلاثة أرباع النساء، مقارنة بنحو الثلث في عشرينيات القرن الماضي. وبعد تراجع الوظائف الصناعية، شهدت وظائف الخدمات المتوسطة المستوى، مثل وظائف موظفي البنوك، انخفاضًا أيضًا. وأدى ذلك إلى نشوء قوة عاملة أكثر استقطابًا بين فئات مختلفة من الوظائف، وغالبًا ما تعمل هذه القوة في عدد أقل من الشركات الكبرى التي أصبحت أكثر اندماجًا وتركيزًا.

وقد جلبت هذه التغيرات منافع عديدة. فأصبحت البلاد أكثر ثراءً بكثير، إذ ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى خمسة أضعاف مستواه السابق بالقيمة الحقيقية. كما أصبح المجتمع أكثر عدالة إلى حد ما في توزيع الثروة، مع تسجيل انخفاضات مستمرة في التفاوت الاقتصادي، وفقًا لمقياس حصة أغنى واحد في المئة من السكان من إجمالي الثروة. واستقر التفاوت في الثروة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، لكن التفاوت في الدخل ازداد بصورة كبيرة منذ ذلك الوقت، كما اتسع التفاوت العرقي في الثروة.

وأصبح سكان بريطانيا أيضًا أكثر صحة. فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع ارتفاعًا ملحوظًا؛ إذ انتقل من 62 عامًا للنساء و56 عامًا للرجال إلى 84 عامًا للنساء و80 عامًا للرجال بين المواليد اليوم.

وتحسنت صحة الأطفال تحسنًا كبيرًا مع تطور إمدادات المياه والصرف الصحي والنظافة والتغذية والطب، بما في ذلك اللقاحات، بالتزامن مع ارتفاع دخول الأسر. وأصبح الأطفال أطول قامة وأثقل وزنًا، وأقل تعرضًا بكثير للإصابات بالعدوى الخطيرة مقارنة بنظرائهم في عشرينيات القرن الماضي. كما انخفض عدد الأطفال الذين يعانون تأخر النمو بسبب سوء التغذية والأمراض. أما معدل وفيات الرضع، الذي يُعد أحد أوضح المؤشرات على التحسن الصحي، فقد انخفض إلى أقل من عُشرين مستواه السابق، من 70 وفاة لكل ألف مولود إلى أقل من أربع وفيات.

وكانت البطالة أعلى قبل قرن من الزمن، إذ تجاوزت ذروتها 15 في المئة عام 1932. وخلال ربع القرن الماضي، لم تقترب معدلات البطالة من تلك المستويات، لكنها ظلت أعلى بكثير من المستويات التي سادت في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. ولم يكن قد مضى على إنشاء نظام التأمين ضد البطالة سوى بضع سنوات، إذ أُسس عام 1911.

وقد يوحي سجل القرن الماضي بأن الدروس المستفادة من التاريخ الاقتصادي لم تنجح حتى الآن في منع الأزمات والصدمات بالقدر الكافي، أو في توجيه صانعي السياسات والسياسيين نحو التوصل إلى توافق مستقر بشأن السياسات الاقتصادية.

ولا نزال نواجه صعوبة في الإجابة عن السؤال الذي وجهته الملكة إليزابيث الثانية، على نحو شهير، إلى الاقتصاديين عمومًا عقب الأزمة المالية العالمية التي وقعت بين عامي 2007 و2009: «لماذا لم يتوقع أحد حدوثها؟».

أرى أن هذا السؤال ينبغي أن يدفعنا إلى بذل مزيد من الجهد وتحسين أدائنا، لا إلى التخلي عن هذه المساعي. فعلى الرغم من مئة عام من العمل الدؤوب، لا يزال أمامنا تحديان أساسيان مع دخول جمعية التاريخ الاقتصادي قرنها الثاني.

أولًا، من الصعب فهم الاقتصاد ورؤيته بوضوح.

فالاقتصاد لا يمتلك شكلًا ماديًا واضحًا يمكن رؤيته مباشرة، كما يصعب تصنيفه ضمن فئات محددة بسهولة. ويتضح ذلك في النقاشات المتعلقة بتحديد من يُعد عاطلًا عن العمل، ومن قد يكون عاجزًا عن العمل بسبب المرض، ومن قد لا يبحث عن عمل أصلًا. ففي كل مرة نتعمق فيها إلى مستوى جديد من الأدلة والبيانات، قد نكتشف أن أفكارنا السابقة تحتاج إلى تغيير جذري.

وقد يؤدي تراجع التصنيع إلى حجب نمو صناعات جديدة، كما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي عندما شهدت صناعة السيارات والتصنيع الكهربائي نموًا ملحوظًا. كذلك يمكن إعادة تعريف اتجاهات سوق العمل إذا نظرنا إلى طبيعة العمل بطرق مختلفة. أما تغير المناخ، فقد دفع إلى تطوير أساليب جديدة لقياس آثار النشاط الاقتصادي.

ثانيًا، إدارة الاقتصاد بنجاح أصعب من فهمه.

يقدم التاريخ الاقتصادي الجيد رؤى مهمة لصانعي السياسات، إذ يوضح لهم كيفية التعامل مع الأزمات في الماضي، ويساعدهم على فهم النتائج المقصودة وغير المقصودة للإجراءات التي اتخذتها الحكومات السابقة.

لكنه لا يستطيع تقديم خريطة طريق دقيقة للمستقبل. فالدورات الاقتصادية لا تتبع نمطًا واحدًا ثابتًا، بل تنشأ نتيجة مجموعة متنوعة من العوامل التي يصعب التنبؤ بها.

وبصفتنا مؤرخين، ندرك أهمية السياق التاريخي، وأن هذا السياق يتغير باستمرار، كما يبدو أنه يتغير بسرعة في الوقت الراهن بفعل تطور الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، إلى جانب التحولات الحادة في التجارة الدولية.

وبصفتنا اقتصاديين، ندرك أن الأشخاص الذين يتخذون قراراتهم في الاقتصاد اليوم يمتلكون المعرفة نفسها المتاحة لصانعي السياسات، الأمر الذي يسمح لهم باستباق الإجراءات الحكومية والتحرك بطرق قد تقوض السياسات أو تستغلها أو تتصدى لها.

وفي مواجهة هذه التحديات، تظل الغاية من دراسة التاريخ الاقتصادي بالغة الأهمية: الفهم، وتقديم المعلومات، والتثقيف.

مقالات ذات صلة