القائمة الرئيسية

تقرير : استشراف مستقبل البحر الأبيض المتوسط: نحو إعادة تشكيل سلاسل القيمة الأوروبية

تقرير : استشراف مستقبل البحر الأبيض المتوسط: نحو إعادة تشكيل سلاسل القيمة الأوروبية
ملخص المقال

يناقش هذا التقرير مستقبل منطقة البحر الأبيض المتوسط ودورها الاستراتيجي في إعادة تشكيل سلاسل القيمة الأوروبية بحلول عام 2035، في ظل التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية والمناخية المتسارعة. ويستعرض أربعة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين التجزؤ والتنافس الإقليمي والتكامل الاقتصادي والتكنولوجي، مسلطاً الضوء على الفرص والتحديات المرتبطة بالتجارة والطاقة والابتكار والبنية التحتية. كما يطرح مجموعة من الإجراءات الاستراتيجية لتعزيز التعاون بين دول المنطقة، وتطوير القدرات التكنولوجية، وتحسين الترابط التجاري واللوجستي، كاشفاً كيف يمكن للبحر الأبيض المتوسط أن يتحول من مجرد ممر تجاري إلى مركز استراتيجي للإنتاج والطاقة والابتكار، بما يعزز تنافسية أوروبا وقدرتها على الصمود في مواجهة تحديات المستقبل.

ورقة بيضاء صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع الأمانة الخاصة للاستشراف التابعة لرئاسة الحكومة اليونانية، سبتمبر 2026.

تمهيد

في وقت يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية وتكنولوجية واقتصادية عميقة، تجد الحكومات نفسها أمام مشهد متزايد التعقيد، تتشابك فيه المخاطر والفرص، وقد لا تعود المقاربات التقليدية لصنع السياسات كافية للتعامل معه. ويمكن لصنع السياسات المستند إلى الاستشراف، من خلال التحليل الدقيق والسيناريوهات القائمة على الأدلة والحوار المستمر بين مختلف الأطراف المعنية، أن يساعد الحكومات على تحسين قدرتها على توقع التحولات الهيكلية والتعامل مع التحديات والفرص المتغيرة في منطقة مثل البحر الأبيض المتوسط.

تمثل هذه الورقة أول تعاون رسمي في إطار مشروع مشترك بين المنتدى الاقتصادي العالمي والأمانة الخاصة للاستشراف في الجمهورية اليونانية، وتعكس جهداً مشتركاً لتعزيز الاستشراف الاستراتيجي دعماً لصنع السياسات طويلة الأجل. ومن خلال الجمع بين المنصة العالمية التي يوفرها المنتدى وشبكته التي تجمع القطاعين العام والخاص، وخبرة الحكومة اليونانية ودورها في منطقة البحر الأبيض المتوسط، تستكشف هذه الشراكة الكيفية التي قد تعيد بها التحولات الناشئة في سلاسل القيمة العالمية تشكيل منطقة البحر الأبيض المتوسط بوصفها ممراً متكاملاً. كما تبحث في التداعيات المحتملة لهذه التطورات على القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية وقدرتها على الصمود.

في عصر يتسم بعدم اليقين، سيكون تعزيز القدرات المؤسسية في مجال الاستشراف أمراً بالغ الأهمية لبناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود، وصناعات أكثر تنافسية، وسياسات صناعية أكثر فاعلية. ونأمل أن تسهم هذه الورقة في تحقيق ذلك، من خلال دفع الحوار الاستراتيجي بشأن مستقبل سلاسل القيمة العالمية، وإرساء أساس للتعاون المستقبلي بين المنتدى الاقتصادي العالمي والمؤسسات الحكومية المعنية بالاستشراف.

كيفا أولغود، المديرة الإدارية، المنتدى الاقتصادي العالمي.

يانيس ماستروجورجيو، الأمين الخاص لاستراتيجية الاستشراف، رئاسة الحكومة اليونانية.

الملخص التنفيذي

تشهد سلاسل القيمة العالمية أكبر تحول هيكلي لها منذ عقود، في ظل إعادة الاصطفاف الجيوسياسي والتغير التكنولوجي والضرورات المناخية التي تعيد تشكيل الإنتاج والتجارة. وبعد عقود هيمنت عليها اعتبارات تحسين التكاليف، ووفورات الحجم، والكفاءة القائمة على النماذج الخطية، تعيد الشركات تنظيم سلاسل التوريد حول المرونة والقدرة على التكيف وتوزيع القدرات الإنتاجية على نطاق واسع. وقد ارتفع عدد قادة الشركات الذين يعملون بنشاط على إضفاء طابع إقليمي على الإنتاج بنسبة تقارب 300% بين عامي 2020 و2025.

بالنسبة إلى أوروبا، تجعل هذه التحولات قدرة سلاسل القيمة على الصمود ركيزة أساسية للقدرة التنافسية طويلة الأجل والقدرة الصناعية. ويحتل البحر الأبيض المتوسط موقعاً محورياً في هذه الأجندة، إذ يربط أوروبا بقواعد الإنتاج القريبة، والممرات البحرية الحيوية، وأنظمة الطاقة الناشئة، والأسواق المتنامية في أفريقيا وآسيا. وفي الوقت نفسه، ستؤدي القدرات التكنولوجية المتطورة في المنطقة دوراً متزايد الأهمية في تحديد قدرتها على الاندماج في سلاسل القيمة الأوروبية المستقبلية.

ومع ذلك، ورغم القرب الجغرافي للبحر الأبيض المتوسط من أوروبا وأهميته الاستراتيجية بالنسبة إليها، لا تزال إمكانات المنطقة بوصفها ممراً منسقاً غير مستغلة بالكامل. ويعود ذلك إلى تجزؤ الحوكمة، وتنوع الأطر التنظيمية والمؤسسية، وتقادم البنية التحتية، وتفاوت القدرات التكنولوجية، والتعقيدات الجيوسياسية.

وإدراكاً لهذه التحديات، أطلق المنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع الأمانة الخاصة للاستشراف التابعة لرئاسة الحكومة اليونانية، دراسة إقليمية بعنوان «دور البحر الأبيض المتوسط في تشكيل سلاسل القيمة الأوروبية المستقبلية». وتستكشف هذه المبادرة الكيفية التي يمكن أن تتطور بها المنطقة لتصبح ممراً استراتيجياً منسقاً يدعم قدرة الصناعة الأوروبية على الصمود وتنافسيتها على المدى الطويل.

واستناداً إلى منهجية استشرافية تجمع بين الأدلة المستمدة من استطلاعات الخبراء، وتحليل أوجه عدم اليقين الحاسمة، وتطوير السيناريوهات، تعرض هذه الورقة أربعة تصورات مستقبلية محتملة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، وفق محورين أساسيين لعدم اليقين، هما النظام الجيواقتصادي والموقع التكنولوجي:

لعبة الحصون: منطقة متوسطية مجزأة تتفاوت فيها مستويات التطور التكنولوجي.

التكتلات الرقمية: منطقة متوسطية مجزأة، لكنها متقدمة تكنولوجياً.

الدول التناظرية المتحدة: منطقة متوسطية تعاونية تشهد تحديثاً تدريجياً.

الممرات الذكية فائقة السرعة: منطقة متوسطية متكاملة ومتقدمة تكنولوجياً وذكية مناخياً.

وفي إطار السيناريوهات الأربعة، حددت ورشة عمل استشرافية شارك فيها قادة أعمال وصناع سياسات وأكاديميون مجموعة من الإجراءات الاستراتيجية المشتركة التي أثبتت ملاءمتها لمختلف التصورات المستقبلية، وهي:

تعزيز التنسيق بين دول البحر الأبيض المتوسط لتحقيق القدرة الجماعية على الصمود.

بناء القدرات التكنولوجية السيادية.

تعزيز شفافية طرق التجارة المتوسطية والتنسيق بشأنها.

تكامل البنية التحتية والأنظمة على امتداد الممر.

وتشكل هذه الإجراءات، إلى جانب مجموعة من المبادئ التوجيهية ومسارات التنفيذ، أجندة مستقبلية للحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، بهدف تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى ممر استراتيجي للإنتاج والطاقة والابتكار يخدم الجيل المقبل من سلاسل القيمة الأوروبية.

ومن خلال توظيف منهجية الاستشراف، تبحث هذه الورقة في الكيفية التي يمكن أن تتطور بها منطقة البحر الأبيض المتوسط لتصبح ممراً استراتيجياً منسقاً يدعم قدرة الصناعة الأوروبية على الصمود ويعزز تنافسيتها.

المقدمة

بعد عقود اتسمت بالتركيز على الحجم والكفاءة من حيث التكلفة وتحسين العمليات وفق نماذج خطية، تشهد سلاسل القيمة العالمية تحولاً هيكلياً.

وللتعامل مع التحولات التي تشهدها سلاسل القيمة العالمية، تعيد الشركات والحكومات تصميم هذه السلاسل لتعزيز قدرتها على الصمود والتكيف. فقد كشفت الاضطرابات التي طالت طرق الشحن الرئيسية، مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، وتصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وأزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في أوكرانيا، وتسارع الاضطرابات المرتبطة بالمناخ، عن هشاشة سلاسل التوريد التي بلغت مستويات عالية من الكفاءة التشغيلية عندما تفتقر إلى القدرة على التكيف.

ونتيجة لذلك، بات يُنظر إلى القدرة على الصمود بصورة متزايدة، ليس باعتبارها مجرد وسيلة للحد من المخاطر، بل بوصفها مصدراً للقدرة التنافسية والقدرات الاستراتيجية.

ويؤكد تقرير «آفاق سلاسل القيمة العالمية 2026»، الذي أعده المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة كيرني، هذا التحول. فقد خلص إلى أن عدد القادة الذين يعملون بنشاط على إضفاء طابع إقليمي على الإنتاج ارتفع بنسبة تقارب 300% خلال خمس سنوات، في حين أصبحت التدخلات في السياسات التجارية والصناعية تنتقل من كونها استثناءً إلى ممارسة معتادة.

وبناءً على ذلك، أصبحت إعادة توطين الإنتاج بالقرب من الأسواق المستهدفة، ونقل الإنتاج إلى الدول الشريكة أو الحليفة، سمتين هيكليتين في تصميم سلاسل القيمة، بدلاً من كونهما استجابتين ظرفيتين لاضطرابات مؤقتة.

وبالنسبة إلى أوروبا، ترتبط إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية بصورة متزايدة بالتنافسية طويلة الأجل، والقدرة على الصمود، والقدرات التكنولوجية، والتجديد الصناعي.

وتعزز الطموحات الأوروبية في مجال السياسة الصناعية، التي تتجسد في الصفقة الأوروبية الخضراء، وقانون المواد الخام الحيوية، وقانون الصناعة الخالية من الانبعاثات الصافية، والاستراتيجية الصناعية الأوروبية الناشئة، الحاجة إلى تنويع القدرات الإنتاجية، والحد من التبعيات الاستراتيجية، وتسريع إزالة الكربون.

وفي هذا السياق، تكتسب منطقة البحر الأبيض المتوسط أهمية استراتيجية متزايدة بالنسبة إلى أوروبا.

فالمنطقة، الواقعة بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، تجمع بين قربها من الأسواق الأوروبية، وتنوع قدراتها التصنيعية، وتنامي موارد الطاقة المتجددة، وشبكات الربط البحري الراسخة. وهو ما يمنحها القدرة على دعم الأجندة الصناعية الأوروبية المتطورة.

وتعزز بنيتها التحتية البحرية، بما في ذلك موانئ بيرايوس ومرسيليا والجزيرة الخضراء وطنجة المتوسط، إضافة إلى بوابة قناة السويس، دورها في التجارة بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب.

وفي الوقت نفسه، تشير موارد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الوفيرة في جنوب البحر الأبيض المتوسط والدول المتوسطية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب المبادرات الناشئة في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة والهيدروجين الأخضر، إلى دور متنامٍ للمنطقة في مسار إزالة الكربون الأوروبي.

ويمتلك البحر الأبيض المتوسط أيضاً مقومات ثقافية وديموغرافية وبشرية يمكن أن تدعم تعميق التعاون.

فالقوى العاملة متعددة اللغات، وشبكات الجاليات المقيمة في الخارج، والعلاقات التجارية الممتدة منذ زمن طويل، يمكن أن تسهل بناء الشراكات. كما أن وجود فئات سكانية شابة في أجزاء من جنوب المتوسط، مقابل شيخوخة القوى العاملة في أجزاء من أوروبا، يتيح فرصاً للتكامل الديموغرافي والنمو المشترك.

غير أن البحر الأبيض المتوسط لا يشكل فضاءً اقتصادياً أو تنظيمياً متجانساً. فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعمل ضمن إطار تنظيمي وتجاري مشترك، في حين تخضع الدول المتوسطية غير الأعضاء في الاتحاد لأنظمة وطنية مختلفة، وفي حالات عديدة، لأطر تعاون متميزة مع الاتحاد الأوروبي.

وتؤثر هذه الاختلافات في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا وتكامل سلاسل القيمة في أنحاء المنطقة.

ولذلك، يتطلب تحقيق إمكانات المنطقة تعزيز التنسيق بشأن العوامل الأساسية التي تحدد جاهزية قطاع التصنيع وسلاسل التوريد، مثل البنية التحتية والتنظيم والتكنولوجيا والمهارات والحوكمة، على أن يستند ذلك إلى رؤية مشتركة طويلة الأجل تجمع الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص.

وباستخدام الاستشراف، تستكشف هذه الورقة الكيفية التي قد يتطور بها تحول منطقة البحر الأبيض المتوسط في ظل ظروف جيواقتصادية وتكنولوجية مختلفة.

وتحدد الإجراءات والتعاون ذا الأولوية اللازمين لانتقال المنطقة من مجرد موقع لعبور التجارة إلى ممر أكثر تنسيقاً للإنتاج والطاقة والخدمات اللوجستية، يخلق قيمة اقتصادية بالتعاون مع أوروبا ولصالحها، مع التركيز على الإجراءات التي تظل ذات صلة عبر مجموعة من السيناريوهات المستقبلية المحتملة.

وتهدف الورقة بذلك إلى مساعدة الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص على الانتقال من التشخيص المشترك للتحديات إلى العمل المنسق.

1. منهجية الاستشراف المكونة من خمس مراحل

يتيح تقسيم المنهجية إلى خمس مراحل إجراء تحليل واضح، يبدأ بتحديد نطاق الدراسة وينتهي باقتراح أجندة للعمل.

تجمع عملية الاستشراف بين استطلاع آراء الخبراء، وتحليل أوجه عدم اليقين الحاسمة، والحوار الميسر، لاستكشاف السيناريوهات المستقبلية المحتملة لسلاسل القيمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتحديد الإجراءات التي يمكن أن تظل ذات صلة في مختلف السيناريوهات.

وقد صُمم هذا النهج لاستخلاص رؤى استراتيجية، بدلاً من التوصل إلى استنتاجات إحصائية، من خلال الاستفادة من مساهمات معمقة وذات مغزى تقدمها مجموعة محددة من الخبراء والأطراف المعنية.

المرحلة الأولى: تحديد الإطار

تحديد السؤال المحوري ونطاق الدراسة، ووضع التطور المحتمل لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، من مجرد موقع للعبور إلى ممر استراتيجي، في سياق التحولات الأوسع التي تشهدها سلاسل القيمة العالمية، واتجاهات إضفاء الطابع الإقليمي على الإنتاج، والأجندة الصناعية الأوروبية المتطورة.

المرحلة الثانية: استطلاع آراء الخبراء

جمع وجهات نظر الخبراء من خلال استطلاع منظم يعتمد على منهج دلفي، لرصد آرائهم بشأن الاتجاهات الرئيسية، وأوجه عدم اليقين الحاسمة، والمؤشرات المبكرة للتغيير، وذلك بالاستعانة بكبار المسؤولين التنفيذيين في قطاعي الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد، إلى جانب القيادات الأكاديمية في أوروبا.

وشمل الاستطلاع كبار المسؤولين التنفيذيين والأكاديميين من قطاعات متعددة، مثل التصنيع والخدمات اللوجستية وتجارة التجزئة.

وقيّم المشاركون أوجه عدم اليقين استناداً إلى تأثيراتها المحتملة ومدى صعوبة التنبؤ بها، مما وفر قاعدة من الأدلة استُخدمت لاحقاً في تطوير السيناريوهات.

المرحلة الثالثة: التحليل والتركيب

تحليل نتائج الاستطلاع لتحديد أنماط التقارب في الآراء، والاتجاهات ذات الأولوية، وأوجه عدم اليقين الحاسمة.

وقد استُخدمت الرؤى المستخلصة لتحديد محاور السيناريوهات وبناء أربعة تصورات مستقبلية بديلة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط.

المرحلة الرابعة: اختبار متانة الاستراتيجيات

تنظيم ورشة عمل استشرافية لاختبار الإجراءات والاستراتيجيات في مواجهة السيناريوهات الأربعة.

ودرس المشاركون التداعيات المحتملة لكل سيناريو على سلاسل القيمة المتوسطية، وحددوا الإجراءات الاستراتيجية المناسبة لكل منها، وقيّموا مدى متانة هذه الإجراءات في ظل النتائج المستقبلية المختلفة، بهدف استخلاص الأولويات التي تظل ذات صلة بغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق.

المرحلة الخامسة: تحويل الرؤى إلى إجراءات عملية

تحويل الرؤى الاستشرافية إلى أجندة عمل استراتيجية تجمع بين الأولويات المشتركة بين السيناريوهات والتداعيات الخاصة بكل سيناريو.

ويتمثل الهدف في مساعدة الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص على تحديد فرص التعاون والانتقال من التشخيص المشترك إلى العمل المنسق.

2. أربعة سيناريوهات لمستقبل البحر الأبيض المتوسط

تستكشف السيناريوهات الواردة في هذا القسم أربعة تصورات مستقبلية محتملة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط بحلول عام 2035.

ولا تمثل هذه السيناريوهات تنبؤات بالمستقبل، بل سرديات منظمة تهدف إلى دراسة الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها التفاعلات المختلفة بين العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية والأخلاقية والاجتماعية إلى إعادة تشكيل منطقة البحر الأبيض المتوسط بحلول عام 2035.

وقد طُورت السيناريوهات انطلاقاً من محورين أساسيين لعدم اليقين، جرى تحديدهما من خلال استطلاع دلفي الذي وُزع على المشاركين.

وشمل الاستطلاع خمسة أبعاد، هي التطور التكنولوجي، والقيود المفروضة على تدفقات التجارة العالمية، وتكاليف الأمن السيبراني، والحوادث المرتبطة بالمناخ، وتكاليف القوى العاملة ومدى توافرها.

وأشارت نتائج الاستطلاع إلى عاملين من عوامل عدم اليقين يتمتعان بأهمية خاصة في تحديد المسار المستقبلي للبحر الأبيض المتوسط، وهما تطور النظام الجيواقتصادي للمنطقة وموقعها التكنولوجي.

وقد برز هذان العاملان بوصفهما المحورين الأكثر ملاءمة لبناء السيناريوهات، نظراً إلى أهميتهما الاستراتيجية، وما ينطويان عليه من عدم يقين، ووجود تمايز كافٍ بينهما.

المحور الأول: النظام الجيواقتصادي، من التجزؤ إلى التكامل

يستكشف هذا المحور ما إذا كانت البيئة السياسية والاقتصادية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط ستتجه نحو مزيد من التجزؤ أم نحو تعاون أعمق.

ويتجاوز هذا المحور التوترات الجيوسياسية والتحالفات والتنافس الأمني، ليشمل الكيفية التي تسهم بها السياسات التجارية وأطر الحوكمة وقرارات البنية التحتية وأنظمة الطاقة والمعايير التكنولوجية والضغوط المناخية والمواءمة التنظيمية في تشكيل البيئة التشغيلية للمنطقة.

ومن المهم الإشارة إلى أن دول البحر الأبيض المتوسط تنطلق من أوضاع تنظيمية ومؤسسية مختلفة، بما في ذلك تفاوت علاقاتها بأطر الاتحاد الأوروبي ومستويات اندماجها فيها.

ولذلك، فإن تحقيق تكامل أكبر لا يعني بالضرورة التقارب نحو نموذج تنظيمي واحد، بل يعني تعزيز التوافق وقابلية التشغيل البيني والتنسيق بين هذه السياقات المختلفة.

وفي الطرف الذي يتسم بالتجزؤ، تتميز المنطقة بانخفاض مستويات التنسيق، وارتفاع تكاليف المعاملات، وضعف التوافق التنظيمي، وتفاوت تطور البنية التحتية، ومحدودية التعاون عبر الحدود.

أما في الطرف الذي يتسم بالتكامل، فتستفيد المنطقة من تعاون أقوى، وتحسن الربط بين أجزائها، وزيادة قدرة سلاسل التوريد على الصمود، والاستثمارات المشتركة، وتعزيز التوافق التنظيمي وقابلية التشغيل البيني، فضلاً عن التنسيق في مجالات الطاقة والمناخ والمهارات والبحث والتنقل.

المحور الثاني: الموقع التكنولوجي، من التأخر إلى الريادة

يستكشف هذا المحور ما إذا كانت دول البحر الأبيض المتوسط وممراته ستشهد تحديثاً أبطأ وأكثر تفاوتاً، أم ستطور قدرات أقوى في مجال التكنولوجيات المتقدمة.

ويشمل هذا المحور سرعة اعتماد التكنولوجيا وعمقه وتوزيعه في أنحاء المنطقة، بما في ذلك دمج الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والخدمات اللوجستية الذكية، وتكنولوجيات الطاقة النظيفة، والأمن السيبراني، والتصنيع المتقدم، وتطور الفجوات التكنولوجية بين المناطق الفرعية.

ومع تزايد اعتماد سلاسل القيمة الأوروبية على الرقمنة والأتمتة والتكنولوجيا، ستؤدي قدرة البحر الأبيض المتوسط على تطوير القدرات التكنولوجية المكملة وتوظيفها دوراً متزايد الأهمية في تحديد تنافسيته وإمكاناته لدعم سلاسل القيمة الأوروبية المستقبلية.

وفي الطرف المتأخر تكنولوجياً، تظل وتيرة التحديث أبطأ وأكثر تفاوتاً، وتكون الأنظمة الرقمية أقل قابلية للتشغيل البيني، وقدرات الابتكار أكثر محدودية، فيما تعتمد المنطقة بدرجة أكبر على التكنولوجيات الخارجية أو الأنظمة القديمة.

أما في الطرف المتقدم تكنولوجياً، فتدعم التكنولوجيا القدرة التنافسية والصمود والابتكار، بفضل بنية تحتية أقوى للبيانات، وحوكمة رقمية أكثر تطوراً، ومنظومات بحثية متقدمة، وسلاسل قيمة مدعومة بالتكنولوجيا.

ويؤدي الجمع بين طرفي هذين المحورين إلى أربعة تصورات مستقبلية محتملة للبحر الأبيض المتوسط:

السيناريو الأول، لعبة الحصون: منطقة متوسطية مجزأة تتفاوت فيها مستويات التطور التكنولوجي.

السيناريو الثاني، التكتلات الرقمية: منطقة متوسطية مجزأة، لكنها متقدمة تكنولوجياً.

السيناريو الثالث، الدول التناظرية المتحدة: منطقة متوسطية تعاونية تشهد تحديثاً تدريجياً.

السيناريو الرابع، الممرات الذكية فائقة السرعة: منطقة متوسطية متكاملة ومتقدمة تكنولوجياً وذكية مناخياً.

وبوجه عام، تتجاوز هذه السيناريوهات قضايا القوة والتنافس، لتبحث في الآثار العملية للتجزؤ أو التعاون على التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة والمناخ والتنقل والبحث والإدماج الاجتماعي والحوكمة الأخلاقية بحلول عام 2035.

2.1. لعبة الحصون

تتنافس التجمعات الإقليمية الفرعية داخل حوض البحر الأبيض المتوسط الأوسع نطاقاً على الاستثمارات والشراكات الأمنية والحصول على الطاقة والطرق اللوجستية والمواءمة التكنولوجية.

وتتحول منطقة البحر الأبيض المتوسط إلى فضاء مجزأ يتسم بالنزعة الدفاعية، حيث تحل التحالفات الإقليمية بصورة متزايدة محل التعاون الأوسع نطاقاً. وتصبح الاعتبارات الأمنية والسيادة على الموارد والاستقلالية الاستراتيجية عوامل رئيسية في تشكيل القرارات السياسية والاقتصادية.

غير أن هذا التجزؤ يفرض مجموعة من المفاضلات.

ففي بعض الدول والممرات، يسهم التوجه نحو الاستقلالية الاستراتيجية في إحياء الصناعات المحلية، وتطوير القدرات التصنيعية السيادية، وتحقيق تفوق تكنولوجي انتقائي في مجالات مثل الخدمات اللوجستية الدفاعية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة، والبنية التحتية الحيوية.

ويمكن للشركات والحكومات القادرة على ضمان الإنتاج الآمن، وسلاسل التوريد الموثوقة، واستمرارية العمليات أثناء الاضطرابات، أن تستفيد من علاوات اقتصادية مرتبطة بقدرتها على الصمود.

وبالنسبة إلى بعض المجتمعات، تصبح الاستقلالية الاستراتيجية أيضاً مصدراً للشرعية السياسية، ولا سيما عندما يولي المواطنون أهمية للحماية من الاعتماد على الخارج، وصدمات الإمدادات، والضغوط الجيوسياسية.

ويتركز النشاط الاقتصادي حول الممرات الصناعية والبحرية المحمية.

وتطور بعض مناطق غرب البحر الأبيض المتوسط منظومات صناعية ولوجستية موجهة نحو الدفاع وتتمتع بقدرة مرتفعة على الصمود، بينما تواجه أجزاء من شرق البحر الأبيض المتوسط وجنوبه فجوات في البنية التحتية، وارتفاعاً في مستويات الديون، واعتماداً على الشركاء الخارجيين.

وتحتفظ الموانئ بأهميتها الاستراتيجية، لكنها تصبح أكثر حساسية من الناحية السياسية.

ويُعاد تصميم سلاسل التوريد بالتركيز على توفير البدائل والقدرات الاحتياطية، بدلاً من إعطاء الأولوية للكفاءة، فيما لا تتطور أنظمة الخدمات اللوجستية الذكية إلا في ممرات محددة.

ويصبح التطور التكنولوجي غير متكافئ.

فتبرز بعض الممرات الحضرية الكبرى بوصفها مراكز آمنة للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بينما تحد الأنظمة الرقمية المجزأة والمنصات التي تفتقر إلى المعايير الموحدة من قابلية التشغيل البيني، وتبادل البيانات، والخدمات العابرة للحدود، والتعاون البحثي، مما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وإبطاء اعتماد التكنولوجيا على نطاق أوسع.

ويتجزأ أيضاً التعاون في مجالات البحث والابتكار والتعليم، إذ تتجه الجامعات ومراكز الأبحاث وأنظمة التدريب بصورة متزايدة إلى التوافق مع الأولويات الوطنية أو المصالح الأمنية أو مراكز النفوذ المتنافسة من خارج المنطقة.

وتؤدي الضغوط المناخية إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار، من خلال موجات الحر وندرة المياه وتدهور المناطق الساحلية.

وتعطي الحكومات الأولوية لمشروعات الصمود الوطنية، بدلاً من جهود التكيف المنسقة.

ويصبح تحول الطاقة أكثر ارتباطاً بالاعتبارات الأمنية وأقل تكافؤاً.

فتعطي الدول الأولوية للسيادة الوطنية في مجال الطاقة، والاحتياطيات الاستراتيجية، والإنتاج المحلي، وحماية البنية التحتية، بينما يتباطأ التعاون عبر الحدود في مجال الطاقة المتجددة.

وتزداد صعوبة إدارة المخاطر الأخلاقية ومخاطر الامتثال.

ففي منطقة متوسطية مجزأة، تجعل شبكات الموردين غير الشفافة، والضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، وتفاوت إنفاذ اللوائح التنظيمية، اكتشاف الاستغلال العمالي ومعالجته في المستويات الدنيا من سلاسل التوريد أمراً أكثر صعوبة.

وبالنسبة إلى الشركات، تؤدي أنظمة البيانات المجزأة واللوائح التنظيمية المتباينة إلى زيادة تعرضها للمخاطر المتعلقة بالسمعة والمسؤولية القانونية والخسائر المالية، مما يجعل شفافية سلاسل التوريد ومعالجة الانتهاكات عنصرين مهمين في تعزيز القدرة على الصمود.

وتستمر بعض المشروعات التعاونية، لكنها تظل محصورة إلى حد كبير في ترتيبات ثنائية أو إقليمية فرعية بين أطراف موثوقة، تركز على الأمن والبنية التحتية الحيوية والاستجابة للطوارئ وسلاسل التوريد القادرة على الصمود.

2.2. التكتلات الرقمية

تصبح منطقة البحر الأبيض المتوسط متقدمة تكنولوجياً، لكنها تظل مجزأة سياسياً، إذ تندمج أجزاؤها المختلفة في منظومات رقمية متنافسة، وتحالفات مختلفة في مجال الطاقة، وأطر متباينة لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

ويؤدي هذا السيناريو إلى مفاضلات مهمة.

فقد تولد المنظومات المتنافسة سباقات للابتكار، تتنافس فيها الحكومات والشركات والجامعات والموانئ على الريادة في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والخدمات اللوجستية الذكية، والروبوتات، وتكنولوجيات الطاقة، والحوكمة الرقمية.

وتصبح السيادة التكنولوجية مصدراً للميزة الاستراتيجية والشرعية السياسية، مع استثمار الدول في القدرات المحلية، والبنية التحتية المحمية للبيانات، والمعايير الخاضعة للسيطرة الوطنية.

وفي بعض الحالات، تسمح المقاربات التنظيمية التي تقودها الدول بإجراء تجارب أسرع، مما يتيح التنفيذ السريع لمشروعات تجريبية في الخدمات العامة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية ذاتية التشغيل، والشبكات الذكية، والامتثال الرقمي.

وتتحول ممرات الابتكار الساحلية الرئيسية إلى مراكز تتمتع بمستويات مرتفعة من الأتمتة، وتعتمد على الخدمات اللوجستية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وأنظمة الطاقة المتجددة، والبنية التحتية المتقدمة للبيانات.

غير أن هذه الأنظمة تعمل داخل مجالات تكنولوجية متنافسة، حيث تعتمد المناطق المختلفة معايير رقمية وبروتوكولات للأمن السيبراني وأنظمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي غير متوافقة فيما بينها.

وتنشأ المشروعات التعاونية داخل التكتلات، بدلاً من امتدادها عبر منطقة البحر الأبيض المتوسط بأكملها، ولا سيما في مجالات مراكز البيانات، ومصانع الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للأمن السيبراني، وأنظمة الامتثال الرقمي، والمعايير التقنية المشتركة بين الشركاء الموثوقين.

ويحقق الاقتصاد نمواً قوياً بوجه عام، لكن المكاسب تتركز في المناطق الحضرية الكبرى المتكاملة رقمياً، بينما تواجه المناطق الطرفية صعوبات في المنافسة.

وتتأثر المجتمعات بصورة عميقة بالأنظمة الرقمية.

فالخدمات العامة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأدوات الهوية البيومترية، وأنظمة الإدارة الآلية للقوى العاملة، تحسن الكفاءة، لكنها تثير مخاوف تتعلق بالمراقبة والإقصاء وعدم المساواة.

وتصبح أنظمة البحث والابتكار والتعليم متقدمة للغاية، لكنها تتشكل على أساس الانتماء إلى التكتلات، حيث ترتبط الجامعات الرائدة وشركات التكنولوجيا ومراكز الأبحاث بتكتلات متنافسة، وبالمنظومات الرقمية والمعايير ونماذج التمويل المرتبطة بها.

ويستفيد التكيف المناخي من الابتكار التكنولوجي، لكن تجزؤ الحوكمة يحد من التنسيق على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله.

ويتسارع تحول الطاقة داخل التكتلات المتقدمة تكنولوجياً، بدعم من الشبكات الذكية، وإدارة الطلب باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الطاقة المتجددة، ومنصات الطاقة المعتمدة بكثافة على البيانات.

ومع ذلك، تحد المعايير غير المتوافقة والتبعيات الجيوسياسية من تحقيق تكامل أوسع في مجال الطاقة على مستوى البحر الأبيض المتوسط.

وتحسن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والأنظمة البيومترية، وأدوات الامتثال الرقمي، القدرة على الرصد والشفافية داخل التكتلات، لكن تجزؤ المعايير والقيود المفروضة على تبادل البيانات يخلقان فجوات بين الولايات القضائية المختلفة.

وتواجه الشركات العاملة عبر منظومات رقمية متعددة تعرضاً أكبر للمخاطر القانونية والمخاطر المتعلقة بالسمعة، بينما قد تستغل الشبكات غير المشروعة أوجه عدم الاتساق في الرقابة.

2.3. الدول التناظرية المتحدة

تنجح منطقة البحر الأبيض المتوسط في تحقيق نظام مستقر نسبياً وقائم على التعاون، يتمحور حول التنسيق الإقليمي العملي، وتحسين التنسيق التجاري، وإقامة شراكات في مجال البنية التحتية.

ويتحسن التكامل الاقتصادي بصورة مطردة، بفضل تعزيز الربط بين ممرات النقل والموانئ وأنظمة الطاقة، بما يدعم التجارة الموثوقة والتصنيع الإقليمي.

وتصبح المشروعات التعاونية أدوات عملية لبناء الثقة، ولا سيما من خلال التخطيط المشترك للبنية التحتية، وتحديث الموانئ، وتنمية المهارات، والمبادرات المتعلقة بسلاسل القيمة المستدامة، والبرامج التجريبية المشتركة بين دول البحر الأبيض المتوسط.

ويظل الابتكار تدريجياً، بدلاً من أن يكون تحولياً.

إذ يجري اعتماد الذكاء الاصطناعي والأتمتة بصورة انتقائية، بينما تواصل قطاعات عديدة الاعتماد على البنية التحتية القديمة والأنظمة كثيفة العمالة.

وتتقدم عملية التحديث تدريجياً، لأن التعاون يعتمد على السياسات القائمة على التوافق، وقيود التمويل العام، والعزوف عن المخاطرة، والجمود المؤسسي.

وتعطي الحكومات والمؤسسات الإقليمية الأولوية للاستقرار، والقدرة على تحمل التكاليف، والقبول السياسي، بدلاً من التحولات الجذرية.

وتتحول بعض القدرات التي طُورت داخل منظومات رقمية أكثر تجزؤاً تدريجياً إلى أساس لتعاون أوسع.

وتُكيَّف المشروعات التجريبية المتعلقة بتبادل البيانات الموثوق، والخدمات اللوجستية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وإدارة الطاقة، وأنظمة الامتثال، لتصبح أطر عمل إقليمية قابلة للتشغيل البيني.

وبدلاً من تحقيق تقارب تكنولوجي كامل، يتميز هذا السيناريو بمواءمة انتقائية تتمحور حول حالات استخدام عملية.

ويتوسع التعاون في مجالات البحث والابتكار والتعليم تدريجياً، من خلال شبكات الجامعات المتوسطية، والبرامج البحثية المشتركة، وشراكات التدريب المهني، ومشروعات الابتكار التطبيقي التي تركز على التكيف المناخي، والأنظمة البحرية، والزراعة، والطاقة، وتحديث القطاع العام.

ويصبح التعاون المناخي سمة مميزة لهذا المستقبل، مع تطوير أنظمة منسقة لحماية البيئة البحرية، وإدارة المياه، والزراعة المستدامة، والبنية التحتية منخفضة الكربون.

ويتقدم تحول الطاقة من خلال التعاون العملي، بما في ذلك مشروعات الربط بين شبكات الطاقة، والبنية التحتية منخفضة الكربون، وكهربة الموانئ، والاستثمار المشترك في مصادر الطاقة المتجددة.

ويظل التقدم ثابتاً، لكنه يواجه قيوداً ناتجة عن الأنظمة القديمة، وفجوات التمويل، وتفاوت القدرات الإدارية.

وعلى المستوى الاجتماعي، يعزز التنقل والتبادل الثقافي الترابط بين مجتمعات البحر الأبيض المتوسط.

وتساعد المسارات الأكثر تنظيماً للهجرة والتعليم والتدريب وتنقل العمالة اقتصادات شمال المتوسط، التي تشهد شيخوخة سكانية، على معالجة نقص القوى العاملة، مع توفير فرص للفئات السكانية الشابة في شمال أفريقيا وجنوب البحر الأبيض المتوسط عموماً.

وتكون المخاطر الأخلاقية ومخاطر الامتثال أقل حدة مقارنة بالسيناريوهات الأكثر تجزؤاً، لكنها تظل ذات أهمية.

فزيادة التعاون وتعزيز مواءمة اللوائح التنظيمية يحسنان الثقة، بينما يمكن أن تؤدي محدودية إمكانات التتبع الرقمي إلى استمرار وجود ثغرات في الرقابة على سلاسل التوريد وحماية العمال.

ومع توسع مسارات التنقل، تصبح هناك حاجة إلى ضمانات أقوى لحماية العمال وتقليل تعرضهم للاستغلال.

وفي هذا السيناريو، تصبح الشفافية والتنفيذ الخاضع للمساءلة على القدر نفسه من الأهمية الذي تتمتع به المواءمة التنظيمية.

2.4. الممرات الذكية فائقة السرعة

تتحول منطقة البحر الأبيض المتوسط إلى ممر متكامل ورائد للتجارة والابتكار والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم.

وتربط البنية التحتية المتقدمة بين البوابات البحرية والممرات اللوجستية وأنظمة الطاقة المتجددة وشبكات التجارة الرقمية، لتشكيل منظومة إقليمية أكثر قدرة على التكيف.

وتصبح المشروعات التعاونية العمود الفقري للتكامل، إذ تربط مراكز البيانات، ومصانع الذكاء الاصطناعي، والموانئ الذكية، والبنية التحتية للطاقة النظيفة، وأنظمة تبادل البيانات الموثوقة، والبرامج التدريبية، والمشروعات التجريبية للابتكار عبر الحدود، ضمن منصة تنموية متوسطية مشتركة.

ويتحول النمو الاقتصادي نحو الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، بما في ذلك تكنولوجيات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي البحري، والتكنولوجيا الحيوية، والتصنيع الدائري.

ويصبح التكامل التكنولوجي ميزة تنافسية أساسية، حيث تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على تحسين تدفقات التجارة، واستهلاك الطاقة، والتكيف المناخي، والإنتاج الصناعي في الوقت الفعلي.

ويصبح تحول الطاقة محركاً رئيسياً للقدرة التنافسية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، مع وجود شبكات متكاملة للطاقة المتجددة، وممرات للهيدروجين الأخضر، وأنظمة دائرية للمياه والطاقة، وتدفقات للطاقة يجري تحسينها باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يدعم الصناعة والخدمات اللوجستية والقدرة على الصمود أمام التغير المناخي.

ويصبح التعاون في مجالات البحث والابتكار والتعليم متكاملاً بصورة عميقة، من خلال بعثات بحثية متوسطية مشتركة، وجامعات ومراكز تدريب عابرة للحدود، وممرات للابتكار، وبرامج مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي المسؤول، والتكنولوجيات المناخية، والأنظمة البحرية، والتكنولوجيا الحيوية، والتصنيع الدائري، والطاقة النظيفة.

وتصبح القدرة على الصمود أمام التغير المناخي جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية والحوكمة، من خلال شبكات الطاقة المتجددة، وأنظمة المياه الدائرية، والنقل منخفض الكربون، واستعادة النظم البيئية.

وعلى المستوى الاجتماعي، يعيد الممر المتكامل تشكيل أنماط التنقل والتوظيف والهوية في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

وتدعم المدن والمناطق الأكثر ترابطاً أشكالاً جديدة من التعليم والعمل والتبادل الثقافي وريادة الأعمال.

غير أن التحول السريع يخلق أيضاً مخاطر تتعلق بالنزوح، وعدم تكافؤ فرص الحصول على الوظائف ذات القيمة المضافة المرتفعة، والضغوط التي تتعرض لها المجتمعات غير القادرة على التكيف بالسرعة المطلوبة.

وتصبح سياسات المهارات الشاملة، والحماية الاجتماعية، والتنمية الإقليمية المتوازنة، عناصر أساسية للحفاظ على الشرعية.

ويصبح التنقل جزءاً من نموذج الممر المتكامل، من خلال شراكات تنمية المهارات، وبرامج الهجرة الدائرية، والأطر الإقليمية للمؤهلات، والمسارات التي تربط التعليم بالتوظيف، بما يدعم النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي في آن واحد.

ومن الناحية الأخلاقية، يظل الإدماج محورياً، من خلال التنمية الإقليمية المتوازنة، والوصول العادل إلى البنية التحتية، والحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي.

وتجعل الحوكمة المتكاملة للذكاء الاصطناعي وإمكانات التتبع في الوقت الفعلي إخفاء ممارسات الاستغلال عبر سلاسل التوريد أمراً أكثر صعوبة.

وتصبح الحوكمة الأخلاقية ميزة تنافسية، بينما تواجه الشركات التي تفشل في التكيف عواقب قانونية أكبر، ومخاطر أشد على سمعتها، وتداعيات مالية متزايدة.

3. ترسيخ مكانة البحر الأبيض المتوسط بوصفه ممراً استراتيجياً لسلاسل القيمة الأوروبية

حدد المشاركون في ورشة العمل الاستشرافية مجموعة من الإجراءات الاستراتيجية لتعزيز تطور المنطقة بوصفها ممراً تنافسياً وقادراً على الصمود يخدم أوروبا.

وهدفت ورشة العمل إلى تحديد الكيفية التي يمكن أن يصبح بها البحر الأبيض المتوسط، بحلول عام 2035، ممراً موثوقاً وتنافسياً وقادراً على الصمود لسلاسل القيمة الأوروبية، بما يعزز قدرة الصناعة على الصمود والتعاون الإقليمي في ظل مجموعة من السيناريوهات المستقبلية المحتملة.

ولدعم هذا الطموح، حدد المشاركون في الورشة الإجراءات التي ينبغي للحكومات والشركات والمؤسسات متعددة الأطراف والمجتمع المدني اتخاذها في كل سيناريو من السيناريوهات الأربعة، ورتبوها حسب الأولوية.

ومن خلال المناقشات الميسرة وعملية التقييم بالنقاط، حدد المشاركون الإجراءات ذات الأولوية عبر مختلف السيناريوهات، مما أسفر عن مجموعة من الإجراءات الخاصة بكل سيناريو، إلى جانب مجموعة من الإجراءات المجدية في جميع الأحوال، التي تظل ذات صلة بغض النظر عن الكيفية التي سيتطور بها المستقبل، لضمان تحول البحر الأبيض المتوسط إلى ممر موثوق وتنافسي وقادر على الصمود يخدم سلاسل القيمة الأوروبية.

التنسيق المتوسطي لتحقيق القدرة الجماعية على الصمود

تحديد المجالات ذات الاهتمام المشترك بين الأطراف المتوسطية، التي تستدعي التنسيق بصرف النظر عن الاصطفافات الجيوسياسية، وتشمل التكيف المناخي، وحماية البنية التحتية الحيوية، وأمن الطاقة، واستمرارية سلاسل التوريد.

ويمكن تمكين المنظمات الدولية القائمة، أو إعادة توجيه مهامها عند الضرورة، لتؤدي دور آليات التنسيق للاستجابة الجماعية، شريطة أن تتمتع بالتفويض والموارد ومشاركة الأطراف المعنية اللازمة لدعم التعاون العملي.

ويقر هذا النهج بأنه حتى في السيناريوهات التي تتسم بالتجزؤ، يمكن للمخاطر المشتركة، مثل آثار تغير المناخ وهشاشة البنية التحتية، أن تخلق حوافز للتعاون في الحالات التي قد يكون فيها تحقيق تكامل أوسع أمراً صعباً من الناحية السياسية.

ويمكن أن تشمل المجالات ذات الأولوية أنظمة إنذار مبكر منسقة لمواجهة الصدمات المناخية واضطرابات سلاسل التوريد، وبروتوكولات لوجستية مشتركة للاستجابة للطوارئ، وأطر استثمار مشتركة في البنية التحتية، ومعايير دنيا موحدة للقطاعات الحيوية.

ومع مرور الوقت، يمكن أن يشكل التعاون لمواجهة هذه التحديات الملموسة منصة لبناء الثقة، بما يمهد الطريق لتعاون أوسع عندما تسمح الظروف بذلك.

بناء القدرات التكنولوجية في منطقة البحر الأبيض المتوسط

بناء القدرات التكنولوجية على مستوى منطقة البحر الأبيض المتوسط بأكملها، من خلال إنشاء مراكز تكنولوجية مفتوحة الوصول، تخضع لأطر حوكمة مناسبة، وتدفع نحو تطبيق أحدث التكنولوجيات في المنطقة على جميع مستويات المهارات، وفي ظل السيناريوهات المستقبلية الأربعة.

وتعمل هذه المراكز على توسيع نطاق الوصول إلى المعلومات والموارد، وتنمية القوى العاملة من خلال التعليم وإعادة التأهيل المهني وبرامج الابتكار الموجهة، كما تتيح زيادة تنقل الكفاءات عالية المهارة داخل الممر.

وفي السيناريوهات التي تتسم بمستويات مرتفعة من التكامل، تؤدي هذه المراكز دور محركات للتقدم التكنولوجي المشترك.

أما في السيناريوهات المجزأة، فتساعد الأطراف الإقليمية الفرعية على الاحتفاظ بقدراتها التنافسية والحد من اعتمادها على مزودي التكنولوجيا الخارجيين.

ومن الأهمية بمكان ألا تعمل هذه المراكز بوصفها أصولاً وطنية مغلقة، بل باعتبارها نقاطاً مترابطة ضمن شبكة ابتكار متوسطية أوسع، مع أطر حوكمة تشجع تبادل المعرفة، والتعاون عبر الحدود، والاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي.

تعزيز شفافية طرق التجارة المتوسطية والتنسيق بشأنها

تحقيق رؤية أوضح لطرق التجارة في البحر الأبيض المتوسط، من خلال إنشاء آليات مشتركة لتبادل البيانات ورصد المخاطر، تتوافق مع المبادئ العالمية المشتركة.

وينبغي أن يتمكن الشركاء على امتداد الممر من فهم التدفقات التجارية بصورة أفضل، وتحديد المخاطر في مراحل مبكرة، والعمل وفق مبادئ مشتركة وقواعد قابلة للتشغيل البيني، بدلاً من الاعتماد على مقاربات وطنية مجزأة.

وينطبق هذا الإجراء على السيناريوهات المتكاملة والمجزأة على حد سواء.

ففي السيناريوهات المتكاملة، يتيح إدارة فعالة للممر والحد من المخاطر من خلال التعاون.

أما في السيناريوهات المجزأة، فيحافظ على الحد الأدنى من القدرة على التنسيق، حتى في غياب أطر حوكمة أوسع.

وتشمل العناصر المحددة لهذا الإجراء إنشاء منصة متوسطية مشتركة للمعلومات المتعلقة بالتدفقات التجارية، ومواءمة المعايير الجمركية ومعايير التفتيش حيثما كان ذلك ممكناً من الناحية القانونية، وتنسيق الاستجابات للاضطرابات التي تطال الطرق التجارية، ووضع إطار مشترك لتقييم مخاطر سلاسل التوريد والإفصاح عنها.

ويدعم هذا الإجراء أيضاً الشركات والحكومات التي تتعامل مع سلاسل القيمة الأوروبية، في ظل تطور التوقعات المتعلقة بالعناية الواجبة في سلاسل التوريد والإفصاح عن الاستدامة.

تكامل البنية التحتية والأنظمة على امتداد الممر

الاستثمار في البنية التحتية المادية والرقمية وبنية الطاقة التحتية على امتداد الممر المتوسطي، بما يضمن قابليتها للتشغيل البيني وقدرتها على الصمود، مع التركيز على إتاحة الوصول على نطاق واسع، وتكامل الأنظمة، واستمرارية العمليات التشغيلية.

ويمكن أن تشمل الأولويات تحديث الموانئ وأتمتتها، وتطوير الطرق والبنية التحتية الساحلية والمراكز اللوجستية ومراكز الطاقة، والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأدوات التتبع الرقمي، وترتيبات الطوارئ التي تتيح لسلاسل التوريد وأنظمة الطاقة والبنية التحتية الحيوية مواصلة العمل أثناء الاضطرابات الكبرى.

وينبغي أن يشمل ذلك الاستثمار ليس فقط في الموانئ الرائدة والمراكز اللوجستية ومراكز الطاقة الرئيسية، بل أيضاً في البنية التحتية التي تربط بينها.

وتشمل هذه البنية الموانئ الثانوية، وشبكات الطرق والسكك الحديدية، والأنظمة الجمركية، والمنصات الرقمية، وشبكات الربط الكهربائي.

والهدف هو ضمان عمل الممر بوصفه نظاماً متكاملاً، بدلاً من أن يكون مجرد مجموعة من المراكز المنعزلة ذات الأداء المرتفع.

آليات التنفيذ: تحويل الإجراءات الاستراتيجية إلى ممارسات عملية

لتحويل هذه الإجراءات الاستراتيجية المشتركة إلى واقع عملي، اقترحت ورشة العمل الاستشرافية أيضاً مجموعة من آليات التنفيذ المحتملة.

ولا تمثل هذه الآليات أولويات مستقلة، بل أمثلة على أنواع المنصات والأطر والشراكات التي يمكن أن تتيح تنفيذ الأجندة الأوسع نطاقاً.

منتدى الثقة المتوسطي

إنشاء منتدى متعدد الأطراف يمتد عبر شمال أفريقيا وجنوب أوروبا وشرق البحر الأبيض المتوسط، بهدف بناء الثقة حول الأولويات العملية للممر.

وبدلاً من أن يكون المنتدى مجرد هيئة دبلوماسية، فإنه سيوفر منصة عملية للحكومات والشركات والأطراف الإقليمية المعنية، لتبادل المعلومات بشأن المخاطر، وتحقيق التوافق حول التحديات الخاصة بكل قطاع، وتطوير مؤشرات مشتركة لقياس موثوقية الموردين.

ومن خلال بناء الثقة تدريجياً حول القضايا التشغيلية، يمكن أن يعزز المنتدى أسس العلاقات اللازمة للتنسيق على مستوى الممر، وأن يدعم إحراز تقدم في مختلف الإجراءات المدرجة ضمن الأجندة الاستراتيجية الأوسع.

الإطار المتوسطي لتبادل البيانات

تطوير إطار متوسطي موثوق لتبادل البيانات، يتيح التبادل الآمن والقابل للتشغيل البيني للبيانات المتعلقة بسلاسل التوريد والصناعة والتجارة بين الدول الشريكة.

وسيعمل هذا الإطار على معالجة فجوة تشغيلية أساسية في التنسيق اللوجستي المتوسطي، تتمثل في غياب بنية تحتية مشتركة للبيانات، تتيح للأطراف العاملة على امتداد الممر الوصول إلى معلومات موثوقة وفي الوقت المناسب لاتخاذ القرارات.

وفي السيناريوهات المستقبلية المتقدمة تكنولوجياً، يمكن لهذا الإطار أن يسرّع عمليات التحسين المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

أما في السيناريوهات التي تواجه قيوداً أكبر، فيمكن أن يوفر مستوى أساسياً من القدرة على رصد العمليات، بما يقلص فجوات المعلومات ويدعم العمل المنسق.

وعندما يتعذر تحقيق التوافق على مستوى المنطقة بأكملها، يمكن أن توفر قنوات التعاون الثنائية أو الإقليمية الفرعية بديلاً عملياً.

وستربط هذه القنوات الشركات الموثوقة والجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات العامة المعنية، حول آليات الحد الأدنى للتشغيل البيني، وآليات الربط بين متطلبات الامتثال المختلفة، والبروتوكولات المشتركة، والتتبع الرقمي، والحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي.

ومع مرور الوقت، يمكن أن تشكل هذه القنوات اللبنات الأساسية لأطر أوسع لتبادل البيانات والتنسيق على مستوى منطقة البحر الأبيض المتوسط.

المبادئ التوجيهية لتنفيذ الإجراءات الاستراتيجية

في حين توفر الإجراءات الاستراتيجية أجندة عملية لتعزيز الممر المتوسطي، حدد المشاركون أيضاً مجموعة من المبادئ التي ينبغي أن توجه تنفيذ هذه الإجراءات في جميع السيناريوهات.

وتهدف هذه المبادئ إلى توجيه كيفية تحديد أولويات الاستثمارات وتنسيقها، بما يضمن تعزيز القدرة التنافسية للمنطقة وقدرتها على الصمود على المدى الطويل.

تعزيز ثقافة مشتركة للقدرة على الصمود

بناء فهم مشترك للممر المتوسطي باعتباره فرصة استراتيجية جماعية، مع تعزيز التعاون والاستعداد والعمل المنسق بين الحكومات والشركات ومشغلي البنية التحتية.

وينبغي أن يُترجم ذلك إلى تدابير عملية لتعزيز القدرة على الصمود، تشمل إجراء اختبارات منتظمة لتحمل الضغوط، والتخطيط للطوارئ، والتنسيق بين القطاعين العام والخاص، والابتكار المستمر في سلاسل التوريد الحيوية وأنظمة الطاقة.

البناء على المزايا النسبية للمنطقة

إجراء عملية لرسم خريطة القدرات، بهدف تحديد الأصول المتكاملة، وبناء استراتيجية الممر بالاستناد إلى نقاط القوة الإقليمية المعروفة وغير المستغلة بالقدر الكافي.

وتشمل هذه المزايا، على سبيل المثال، الموقع الجغرافي، والقدرات الصناعية الأساسية مثل الصناعات الزراعية والغذائية، وإمكانات الطاقة المتجددة، والعلاقات الثقافية والتجارية.

ومن شأن ذلك أن يتيح للدول التخصص في المجالات التي تتمتع فيها بأعلى مستويات التنافسية، مع ربط نقاط القوة هذه ضمن استراتيجية مشتركة لتعزيز الممر ككل.

الاستثمار في المواهب والابتكار على المستوى الإقليمي

تعزيز القدرة التنافسية للمنطقة على المدى الطويل، من خلال تطوير المهارات، ودعم منظومات الابتكار، وتعميق الشراكات التي تسرّع اعتماد التكنولوجيا وتحافظ على المواهب الإقليمية، مع استقطاب الخبرات والاستثمارات العالمية.

ويمكن أن يدعم ذلك الفرص المتاحة في المجالات ذات الأولوية، مثل الأسواق الخضراء، ومجتمعات الطاقة، والتتبع الرقمي، والممارسات الموثوقة في سلاسل التوريد، مع تعزيز القدرات التكنولوجية والابتكارية للممر.

وقد صُممت مجموعة الإجراءات المقترحة باعتبارها استراتيجية متماسكة وقابلة للتكيف، وليس مجرد قائمة من التوصيات التي ينبغي تنفيذها بصورة منفصلة.

وهي تعطي الأولوية للاستثمارات المجدية في جميع الأحوال، التي تعزز قدرة البحر الأبيض المتوسط على الصمود في مختلف السيناريوهات المستقبلية، مع الإقرار بأن هذه السيناريوهات قد تتطلب استجابات استراتيجية مختلفة بمرور الوقت.

وسيختلف التنفيذ بالضرورة من منطقة إلى أخرى، تبعاً للاختلافات في الأنظمة التنظيمية والقدرات المؤسسية ومستويات التكامل مع الاتحاد الأوروبي.

وينبغي أن يستند التنفيذ إلى أطر التعاون الإقليمي القائمة وأطر التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول البحر الأبيض المتوسط، مثل سياسة الجوار الأوروبية وميثاق البحر الأبيض المتوسط، حيثما كان ذلك مناسباً.

ومع تطور الظروف الجيوسياسية والتكنولوجية والاقتصادية، سيساعد التقييم المنتظم للمؤشرات الناشئة، والحفاظ على المرونة اللازمة لتعديل الأولويات، الحكومات والشركات والمؤسسات الإقليمية على الاستجابة بفاعلية لبيئة تتسم بتزايد عدم اليقين.

وفي نهاية المطاف، فإن الإجراءات التي تعزز الثقة والتنسيق والقدرات المشتركة لا تسهم فقط في تحسين القدرة على الصمود، بل تعزز أيضاً قدرة منطقة البحر الأبيض المتوسط على تشكيل مستقبل أكثر تكاملاً وتنافسية وازدهاراً.

الخاتمة

أوجدت القوى التي تعيد تشكيل سلاسل القيمة العالمية فرصة مهمة، لكنها محدودة زمنياً.

فالأجندة الصناعية الأوروبية المتطورة، وتسارع اتجاهات إضفاء الطابع الإقليمي على الإنتاج، والحاجة إلى المرونة الهيكلية في ظل التقلبات، وإمكانات الطاقة النظيفة، والتقدم في الخدمات اللوجستية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كلها عوامل تخلق ظروفاً جديدة للدور الذي يمكن أن تؤديه منطقة البحر الأبيض المتوسط في سلاسل القيمة المؤهلة للمستقبل.

وتوضح السيناريوهات الأربعة التي طُورت من خلال هذه العملية الاستشرافية اتساع نطاق التصورات المستقبلية المحتملة، والعواقب المترتبة على التأخر في اتخاذ الإجراءات.

فالفجوة بين سيناريو الممرات الذكية فائقة السرعة وسيناريو لعبة الحصون كبيرة، سواء من حيث النتائج الاقتصادية، أو مستوى التطور الصناعي، أو القدرة على الصمود أمام التغير المناخي، أو الحوكمة الأخلاقية، أو الرفاه المجتمعي. ومع ذلك، فإن هذه النتائج ليست محددة سلفاً.

وقبل كل شيء، تُظهر عملية الاستشراف أن مستقبل البحر الأبيض المتوسط بوصفه ممراً استراتيجياً لن تحدده الجغرافيا وحدها، بل سيتوقف على القرارات التي تُتخذ اليوم بشأن الحوكمة والاستثمار والتكنولوجيا والمواهب والتعاون، استناداً إلى المصالح المشتركة طويلة الأجل.

وتوفر الإجراءات الاستراتيجية المشتركة التي حددتها ورشة العمل الاستشرافية أجندة عملية لدفع المنطقة نحو نتائج تتسم بمزيد من التكامل، وقدرات تكنولوجية أقوى، وقدرة أكبر على الصمود.

وبالنظر إلى ملاءمة هذه الإجراءات للسيناريوهات الأربعة جميعها، يمكن أن تسترشد بها الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص في اتخاذ قراراتها على المدى القريب.

ورغم أن هذه السيناريوهات تستند إلى خصوصيات منطقة البحر الأبيض المتوسط، فإنها توفر منظوراً أوسع بشأن مستقبل الممرات الاستراتيجية.

فالضغوط الهيكلية نفسها، بما في ذلك إضفاء الطابع الإقليمي على الإنتاج، والتجزؤ، وتسارع التطور التكنولوجي، وتحول الطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة، تؤثر في مناطق أخرى تتجاوز البحر الأبيض المتوسط.

ولذلك، يمكن أن تساعد الرؤى المستخلصة من هذه الدراسة الممرات الأخرى على تقييم مدى جاهزيتها، وتنسيق جهودها عبر الحدود والقطاعات، وبناء القدرات اللازمة لتحقيق نمو أكثر قدرة على الصمود واستدامة وشمولاً.

وسيكون استمرار الحوار بين القطاعين العام والخاص، والتحليل القائم على الأدلة، والتعاون بين مختلف الأطراف المعنية، أمراً أساسياً لتحويل هذه الفرصة إلى عمل منسق.

المساهمون في إعداد التقرير

المؤلفون الرئيسيون

ماريوس دافنوميليس: مستشار الاستشراف في الأمانة الخاصة للاستشراف، وزميل مشروع في مركز التصنيع المتقدم وسلاسل التوريد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي.

ميميا فندري: مديرة سلاسل القيمة المرنة والمستدامة في مركز التصنيع المتقدم وسلاسل التوريد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي.

شكر وتقدير

يتقدم المنتدى الاقتصادي العالمي والأمانة الخاصة للاستشراف التابعة لرئاسة الحكومة اليونانية بالشكر إلى مؤسسة إنديفور اليونان، على تسهيل التواصل مع منظومة الأعمال اليونانية لدعم تطوير هذه الدراسة الاستشرافية، والاستفادة من الخبرات ذات الصلة بسلاسل التوريد.

كما يتوجهان بالشكر إلى الأفراد الآتية أسماؤهم، تقديراً لآرائهم ومساهماتهم في تطوير السيناريوهات والرؤى الواردة في هذه الورقة.

أوليفييه ديسبيي: رئيس قسم الاستشراف على مستوى مجموعة أكسا، فرنسا.

ألكسندر باباك حجازي: محاضر أول في معهد العلوم البيئية بجامعة جنيف، سويسرا.

ياسمينا هولست: أستاذة مساعدة في قسم إدارة العمليات بكلية كوبنهاغن للأعمال، الدنمارك.

كاتيا جورجولاكي: الرئيسة التنفيذية لسلاسل التوريد والاستدامة في شركة كوتسوفولوس.

ستيليوس كاكوليديس: الرئيس التنفيذي للابتكار والاستدامة في مجموعة ثريس.

ديميتريوس كيريتسيس: أستاذ فخري لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجال التصنيع المستدام، بالمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان، سويسرا.

ديمتري مارياسين: نائب الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، سويسرا.

نيكوس موستاكيديس: رئيس قسم البحث والتوثيق في الأمانة الخاصة للاستشراف، اليونان.

باكيس باباديميتريو: مدير الشؤون البيئية والاجتماعية والحوكمة في شركة فارماثين.

جورج باباديميتراكوبولوس: خبير متخصص في الحوكمة الاجتماعية ومخاطر الاتجار بالبشر، وباحث زميل في المؤسسة اليونانية للسياسة الأوروبية والخارجية، اليونان.

إيلينا سالي: مديرة الخدمات اللوجستية على مستوى مجموعة فايس.

يانيس سكوفالوس: المسؤول العالمي عن سلاسل التوريد في شركة بروكتر آند غامبل الدولية خلال الفترة من 2011 إلى 2019.

أستريد وانغ: متخصصة في الاستشراف والتحول المؤسسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي، سويسرا.

الإنتاج

سايمون سميث: التحرير، أسترا كونتنت.

جان فيليب ستانواي: التصميم.

المصدر

مقالات ذات صلة