- استقرت آفاق الاقتصاد العالمي منذ مايو، وفقاً للخبراء المشاركين في أحدث إصدار من تقرير «آفاق كبار الاقتصاديين»، إذ يتوقع أكثر من نصفهم الآن أن تبقى الأوضاع دون تغيير أو أن تتحسن خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.
- إلا أن الدعم المالي الحكومي الذي ساعد الاقتصادات على امتصاص الصدمات المتكررة من غير المرجح أن يتوافر بالحجم نفسه مستقبلاً.
- لا يزال الذكاء الاصطناعي أبرز مصادر التفاؤل، رغم التوقعات بأن تؤدي الاستثمارات في مراكز البيانات إلى خلق عدد محدود من الوظائف، ورفع تكاليف المرافق، وإثارة معارضة من المجتمعات المحلية.
يشير إصدار سبتمبر 2026 من تقرير «آفاق كبار الاقتصاديين» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الاقتصاد العالمي بدأ يشهد حالة من الاستقرار.
ويتوقع 56% من كبار الاقتصاديين الستة والثلاثين الذين شملهم الاستطلاع أن تبقى الأوضاع الاقتصادية دون تغيير أو أن تتحسن خلال العام المقبل. وفي المقابل، يتوقع 45% فقط تدهور الأوضاع، في انخفاض حاد مقارنة بنسبة 89% المسجلة في مايو. كما تراجعت توقعات التضخم بشكل ملحوظ، إذ يتوقع نصف كبار الاقتصاديين ارتفاع التضخم العالمي، مقارنة بنسبة 94% قبل أربعة أشهر.
ومع ذلك، لا تزال الثقة في استدامة هذا التحسن محدودة، إذ يتوقع 25% فقط أن يصبح الاقتصاد العالمي أكثر قدرة على الصمود خلال العام المقبل.
ولا تزال الصراعات الجيوسياسية تمثل المصدر الأكبر لعدم اليقين. فقد أدرج 97% من المشاركين الصراعات الجيوسياسية ضمن أهم مصادر عدم اليقين الاقتصادي خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، بينما أشار 58% إلى مخاطر حدوث تصحيح في أسعار الأصول. كما ذكر 44% التغير التكنولوجي السريع وعدم استقرار السياسات، فيما أشار 42% إلى القيود المفروضة على التجارة والاستثمار.
ومع ذلك، فإن الصورة العامة التي تتشكل هي صورة اقتصاد أظهر قدراً من الصمود في مواجهة الصدمات المتكررة.
صمود اقتصادي من دون شبكة الدعم السابقة
منذ عام 2020، اعتمد الاقتصاد العالمي بدرجة كبيرة على الدعم الحكومي.
ويرى 69% من كبار الاقتصاديين أن هذا الدعم كان أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في قدرة الاقتصادات على الصمود حتى الآن. إلا أن 28% فقط يتوقعون أن يؤدي الدعم المالي الدور نفسه خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. فقد أدت سنوات من التدخلات الحكومية لمواجهة الأزمات إلى تضييق الحيز المتاح في المالية العامة، ما يجعل من الصعب على الحكومات حماية الأسر والشركات من تداعيات الاضطرابات المستقبلية بالحجم نفسه الذي كان متاحاً سابقاً.
لذلك، سيتعين أن تتغير مصادر الصمود الاقتصادي. ويرى 78% من كبار الاقتصاديين أن التنويع الاقتصادي ومرونة شبكات سلاسل التوريد سيكونان من أبرز مصادر القدرة على الصمود خلال العام المقبل، يليهما تسارع التطور التكنولوجي والابتكار بنسبة 67%.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الولايات المتحدة والصين على أنهما الأكثر استعداداً لمواجهة الصدمات المستقبلية، إذ صنف 74% قدرة كل منهما على الصمود بأنها مرتفعة أو مرتفعة جداً.
ضغوط تكاليف المعيشة مستمرة
لا تزال ميزانيات الأسر تحت الضغط، حتى مع تحسن التوقعات العامة للتضخم.
ويتوقع 88% من كبار الاقتصاديين ارتفاع تكاليف الغذاء خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، بينما يتوقع 83% ارتفاع تكاليف الكهرباء، و77% زيادة تكاليف النقل، و71% ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبطة بالوقود والتدفئة.
وتأتي هذه الضغوط على تكاليف المعيشة بعد أن أدت الارتفاعات التراكمية في الأسعار خلال السنوات الأخيرة إلى تآكل القوة الشرائية للأسر بالفعل. ولذلك، فإن تباطؤ معدل التضخم لا يعني بالضرورة تراجع العبء الذي تتحمله العديد من الأسر. ومن المتوقع أن تؤدي زيادة التكاليف إلى ركود القوة الشرائية أو انخفاضها في مناطق واسعة من العالم.
وتبرز جنوب شرق آسيا والهند بوصفهما استثناءين، إذ تتوقع أغلبية كبار الاقتصاديين ارتفاع دخول الأسر المعدلة حسب التضخم فيهما. في المقابل، يتوقع 37% انخفاض الدخول الحقيقية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و33% في أوروبا، و31% في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
ويساعد ذلك في تفسير سبب بقاء معنويات الأسر ضعيفة، حتى في الوقت الذي ترسم فيه مؤشرات اقتصادية أخرى صورة أكثر إيجابية نسبياً. كما يوضح لماذا لا تزال تكاليف المعيشة قضية اقتصادية وسياسية محورية.
وقد تواجه الحكومات ضغوطاً متزايدة لحماية الأسر من ارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت تتراجع فيه الأدوات المتاحة لها للقيام بذلك.
التفاؤل بالذكاء الاصطناعي يصطدم بتحديات البنية التحتية
لا يزال الذكاء الاصطناعي أقوى مصادر التفاؤل في التقرير، مع انتقال التوقعات من مرحلة التجارب إلى مرحلة التبني ذي التأثير الاقتصادي الملموس.
ويتوقع جميع كبار الاقتصاديين تقريباً زيادة اعتماد الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، بينما يرى 69% أن هذه التكنولوجيا ستحقق مكاسب «ملموسة» في الإنتاجية. ومن المتوقع أن تظهر هذه المكاسب بأسرع وتيرة في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية، تليها الخدمات المالية والمهنية وقطاع الدفاع. إلا أن الاقتصاديين يتوقعون أن تمتد هذه المكاسب إلى جميع القطاعات خلال نحو ثلاث سنوات.
ومن المتوقع أيضاً أن تضيق الفجوة في سباق التكنولوجيا، إذ يرى 69% من المشاركين أن نماذج اللغة الكبيرة الصينية قد تلحق بالكامل بنظيراتها الأمريكية خلال العام المقبل.
لكن الاستثمارات اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت في الوقت نفسه مصدراً للتوتر. فرغم أن 78% من كبار الاقتصاديين يتوقعون أن تسهم الاستثمارات في مراكز البيانات بحصة كبيرة من النمو العالمي، فإن 61% لا يتوقعون أن تؤدي هذه الاستثمارات إلى حصة مماثلة من خلق الوظائف عالمياً. كما يتوقع 79% أن تواجه عمليات التوسع في مراكز البيانات «معارضة كبيرة» من المجتمعات المحلية.
ويلعب الارتفاع المتوقع في أسعار الكهرباء والمياه بالنسبة إلى السكان المحليين دوراً رئيسياً في هذه المعارضة.
وبالتالي، تبدو الحصيلة الاقتصادية الناشئة للذكاء الاصطناعي معقدة، إذ تجمع من جهة بين استثمارات ضخمة ومكاسب محتملة في الإنتاجية، ومن جهة أخرى بين مكاسب محدودة في التوظيف وتراجع في التأييد الشعبي نتيجة الاستهلاك الكبير للموارد.
ويؤدي هذا الاستهلاك الكبير للموارد إلى زيادة الاهتمام بمصادر جديدة للطاقة. ويتوقع 83% من كبار الاقتصاديين ارتفاع الاستثمار العالمي في الطاقة النووية خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، بينما يتوقع 80% زيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، مقارنة بنسبة 70% للوقود الأحفوري.
وبذلك لم تعد مراكز البيانات مجرد مصادر محتملة لنمو الإنتاجية، بل أصبحت أيضاً محركاً مهماً للمنافسة على البنية التحتية والكهرباء ورأس المال.
ومع ذلك، يتزايد عدم اليقين بشأن الحجم الفعلي للبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي يحتاج إليها الاقتصاد العالمي. ويتوقع 42% من كبار الاقتصاديين حدوث استثمارات مفرطة في هذا المجال.
التجزؤ الاقتصادي يتعمق لكن التجارة تواصل التكيف
يتوقع 77% من المشاركين في التقرير زيادة التجزؤ الاقتصادي العالمي خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.
كما يتوقع أكثر من نصفهم ارتفاع الرسوم الجمركية في الولايات المتحدة، بينما يتوقع 43% زيادتها في أوروبا. ومع ذلك، يرى 67% أن أحجام التجارة العالمية سترتفع، فيما يتوقع 83% زيادة الصادرات الصينية إلى الأسواق خارج الولايات المتحدة.
ويشير هذا المزيج من التوقعات إلى استمرار إعادة تشكيل أنماط التجارة العالمية بدلاً من حدوث تراجع مباشر وشامل فيها.
كما تتغير جغرافية الاستثمارات التي تقوم بها الشركات متعددة الجنسيات. ويتوقع أكثر من نصف المشاركين ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً خلال العام المقبل، ولا يزال معظم كبار الاقتصاديين يرون أن الولايات المتحدة توفر بيئة الأعمال الأكثر جاذبية للشركات متعددة الجنسيات.
وجاءت جنوب شرق آسيا في المرتبة الثانية، تلتها أوروبا في المرتبة الثالثة، بينما تراجعت الهند إلى المرتبة الرابعة، وظلت الصين في المرتبة الخامسة.
ولا يزال حجم السوق عاملاً مهماً، إلا أن الشركات باتت تمنح وزناً متزايداً لعوامل مثل موقع سلاسل التوريد، وجودة البنية التحتية، والقدرة على تنفيذ السياسات، والمرونة الاستراتيجية عند اتخاذ قرارات الاستثمار.
التوقعات الإقليمية لا تزال متفاوتة
يخفي التحسن العام اقتصاداً عالمياً لا تزال فيه مصادر النمو وجودته تختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى.
وتبرز الهند وجنوب شرق آسيا بوصفهما أقوى قصص النمو المتوقعة في أحدث استطلاع. إذ يتوقع 74% من كبار الاقتصاديين نمواً قوياً أو قوياً جداً في الهند خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، تليها جنوب شرق آسيا بنسبة 73%.
كما تشير التوقعات المتعلقة بالولايات المتحدة إلى استمرار قدرتها على الصمود، إذ يتوقع ثلث المشاركين نمواً قوياً هناك. إلا أن قوة النمو الإجمالية لا تلغي التعرض لمخاطر ارتفاع أسعار الطاقة أو التوترات التجارية أو الصدمات الجيوسياسية.
وتظل الصين وأوروبا أبرز نقطتي ضعف في التوقعات الإقليمية، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.
ففي الصين، يتوقع 31% من المشاركين نمواً ضعيفاً، في ظل استمرار قوة الصادرات والصناعات التكنولوجية المتقدمة مقابل ضعف الاستهلاك والاستثمار. ومع ذلك، لا يزال 69% يتوقعون نمواً متوسطاً أو قوياً.
أما أوروبا، فقد شهدت توقعاتها تحسناً طفيفاً منذ مايو، لكنها لا تزال مرة أخرى صاحبة أضعف آفاق النمو.
وفي الوقت نفسه، تحسنت التوقعات الخاصة باليابان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بينما تعززت توقعات النمو في أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
كما تتباين اتجاهات السياسة النقدية بالتوازي مع اختلاف الظروف الإقليمية.
ويتوقع 70% من المشاركين تشديد السياسة النقدية في اليابان، و53% في منطقة اليورو، و42% في الولايات المتحدة.
في المقابل، يتوقع 49% تخفيف السياسة النقدية في الصين، بينما تتوقع الأغلبية بقاء الإعدادات النقدية في الهند دون تغيير يُذكر.
ويعكس هذا التباين اختلافاً كبيراً بين المناطق في مزيج النمو والتضخم والطلب المحلي، كما يزيد من تعقيد البيئة المحيطة بتدفقات رؤوس الأموال وأسعار الصرف.
وبالتالي، فإن الصورة الناشئة لا تقتصر ببساطة على اقتصاد عالمي أقوى أو أضعف، بل تعكس دورات متباينة بشكل متزايد للسياسات الإقليمية، تتعامل كل منها مع ضغوط اقتصادية مختلفة للغاية.
وتتمثل الرسالة الأوسع التي يقدمها كبار الاقتصاديين في أن الاقتصاد العالمي ابتعد عن مسار التدهور المقلق الذي شهده في مطلع عام 2026، لكنه لم يدخل بعد مرحلة توسع آمن وواسع النطاق.
وسيتعين الآن أن يعتمد السعي إلى تحقيق قدر أكبر من القدرة على الصمود بدرجة أقل على سخاء الحكومات، وبدرجة أكبر على قدرة الاقتصادات على التكيف والاستعداد قبل وقوع الاضطراب الكبير المقبل.
