تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي – سبتمبر 2026
الملخص التنفيذي
يُقصد بمهارات الصُنّاع مجموعة القدرات العملية والتطبيقية التي تُشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد المادي. وهي المهارات التي تمكّن الأفراد من تشييد البنية التحتية وتركيبها، وتشغيل المعدات والآلات، ومناولة الموارد المادية ومعالجتها في قطاعات رئيسية، تشمل التصنيع والطاقة والخدمات اللوجستية وإنتاج الغذاء والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
الطلب على المهارات العملية يتسارع
تؤدي هذه المهارات دوراً أساسياً في قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي. ويشكّل العاملون الذين تعتمد وظائفهم بدرجة كبيرة على هذه المهارات، والذين يُشار إليهم في هذا التقرير باسم «الصُنّاع»، أكثر من 60% من إجمالي العمالة في المتوسط في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وفي الولايات المتحدة، تتضمن وظيفة واحدة تقريباً من كل أربع وظائف معلن عنها متطلبات تتعلق بمهارات الصُنّاع. وترتفع هذه النسبة إلى 72% في قطاع سلاسل الإمداد والنقل، و67% في التصنيع، و64% في البنية التحتية، و60% في قطاعي السيارات والطيران والفضاء.
ومن المتوقع أن يتزايد الطلب على هذه المهارات بدرجة أكبر خلال السنوات المقبلة. فالاستثمارات التي تُقدّر بتريليونات الدولارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتوسع الصناعي ستزيد الحاجة إلى العمال القادرين على بناء الاقتصاد المادي وتشغيله وصيانته.
ومن بين المهارات الثماني والعشرين التي تناولها التقرير بالتحليل، تندرج مهارات الصُنّاع الثلاث ضمن المهارات الأكثر ارتباطاً بالمهن المتوقع نموها بحلول عام 2030. وتحتل مهارة البناء والتركيب المرتبة الأولى، وتشغيل المعدات والآلات المرتبة الرابعة، ومناولة الموارد المادية ومعالجتها المرتبة الثامنة.
وبذلك، أصبح تعزيز المهارات العملية أولوية استراتيجية لتحقيق النمو الاقتصادي ورفع القدرة التنافسية وتعزيز المرونة الاقتصادية.
المهارات العملية تتكامل بصورة متزايدة مع المهارات الرقمية
قد تؤدي الأتمتة إلى زيادة القيمة الاقتصادية للمهارات العملية المتقدمة، نظراً إلى اعتمادها على قدرتين أساسيتين: الأولى هي البراعة اليدوية والقدرة على التحمل والدقة، والثانية هي القدرات الحسية والإدراكية. وترتبط هاتان القدرتان بمستويات أجور أعلى.
وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع مستوى إتقان هذه القدرات بمقدار 10 نقاط مئوية يرتبط بزيادة سنوية في الأجور تبلغ نحو 2500 دولار.
وفي المقابل، تبلغ مخاطر الأتمتة المتوقعة 38% بالنسبة إلى المهن التي تتطلب أدنى مستويات إتقان هذه القدرات، مقارنة بنسبة 19% فقط بالنسبة إلى المهن التي تتطلب أعلى مستويات إتقانها.
وفي الوقت نفسه، تُعيد الرقمنة تشكيل طبيعة الأعمال العملية. فقد أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأنظمة الذكية جزءاً متزايد الأهمية من بيئات العمل المادية، مما يرفع الطلب على العمال الذين يجمعون بين المهارات العملية والمهارات الرقمية.
وفي البلدان التي شملها تحليل التقرير، أفاد 57% من العاملين في المهن العملية بأنهم بحاجة إلى تعزيز مهاراتهم في الذكاء الاصطناعي للحفاظ على قدرتهم التنافسية في سوق العمل.
كذلك، يرتبط ارتفاع مستوى إتقان المهارات الرقمية بمقدار 10 نقاط مئوية بزيادة تقديرية في الأجور تبلغ نحو 3500 دولار في المهن العملية.
المعروض من المواهب لا يواكب الطلب المتزايد
لا تزال منظومة إعداد وتأهيل أصحاب المهارات العملية عاجزة عن مواكبة الطلب المتنامي عليها.
فالقوى العاملة في المهن العملية تتقدم في العمر بوتيرة أسرع من القوى العاملة عموماً. وفي آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، تتراوح نسبة العاملين الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً فأكثر بين 20% و35% من إجمالي العاملين في هذه المهن.
وفي الوقت نفسه، لا يستعد عدد كافٍ من الشباب لتعويض العمال الذين سيغادرون سوق العمل. إذ يتوقع 13% فقط من الفتيان و4% من الفتيات العمل مستقبلاً في المهن العملية، رغم أن هذه الوظائف تمثل 45.6% من إجمالي العمالة العالمية.
وتزداد محدودية قاعدة المواهب بسبب التفاوت في مشاركة الفئات المختلفة في هذه المهن. فالنساء يمثلن 30% فقط من العاملين في المهن العملية في المتوسط عبر المناطق الجغرافية، مقارنة بنسبة 49% من العاملين في المهن الأخرى.
واعتمدت اقتصادات عديدة أيضاً على الهجرة لاستقطاب العمال الذين يمتلكون المهارات العملية المطلوبة. لكن تشديد سياسات الهجرة في بعض البلدان يجعل هذا المصدر من العمالة أقل توافراً.
وتواجه منظومة إعداد أصحاب المهارات العملية تحديات تبدأ في المراحل الأولى من التعليم.
ففي المتوسط، لا يمثل التعليم العملي والمهني سوى 4.5% من إجمالي ساعات التدريس الإلزامية في التعليم الابتدائي والإعدادي في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، رغم تزايد الأدلة على أن القدرات الحركية والحسية التي تقوم عليها المهارات العملية تتطور خلال مرحلة الطفولة.
كما تواجه مسارات التعليم المهني صعوبة في تلبية احتياجات أصحاب العمل. ففي 15% فقط من البلدان، يمنح قادة الأعمال التعليم المهني تقييماً أعلى من التعليم العالي.
بناء منظومة مستقبلية لتنمية المهارات العملية
تتطلب تلبية الطلب المستقبلي إعادة بناء منظومة تنمية المهارات العملية على امتداد جميع مراحل إعداد المواهب، بدءاً من الطفولة، مروراً بالتعليم المهني والتدريب المهني العملي، وصولاً إلى التعلم مدى الحياة.
ويحدد التقرير خمس أولويات للعمل:
تطوير مسارات التعليم المهني لتلبية احتياجات صناعات المستقبل.
دمج الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية في المناهج التعليمية والتدريبية الخاصة بالمهن العملية.
البدء في تنمية المهارات العملية في مراحل عمرية مبكرة.
توسيع فرص التدريب المهني عالي الجودة والتعلم القائم على الممارسة داخل بيئات العمل.
ضمان إمكانية إثبات المهارات العملية والاعتراف بها ونقلها بين أصحاب العمل والقطاعات والمناطق.
لقد أصبح السباق نحو بناء الاقتصاد المادي المستقبلي، بصورة متزايدة، سباقاً نحو امتلاك المهارات العملية اللازمة لتحقيقه.
المقدمة
المهارات العملية هي القوة المحركة للاقتصاد المادي. فهي القدرات التطبيقية اللازمة لإنتاج البنية التحتية والمعدات والمنتجات وتشغيلها وصيانتها وإصلاحها. وتُسهم هذه المهارات في بناء المنازل التي نعيش فيها، وصيانة الطرق وأنظمة الطاقة التي نستخدمها، وإنتاج السلع التي نشتريها، وزراعة الأغذية التي نتناولها ومعالجتها.
وفي مختلف الاقتصادات، أصبحت الحاجة إلى تعزيز المهارات العملية أكثر إلحاحاً. فطموح الصين إلى الحفاظ على تفوقها التصنيعي، والتوسع السريع للولايات المتحدة في بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وجهود أوروبا لتعزيز أنظمتها الدفاعية وأنظمة الطاقة، جميعها تعتمد على أشخاص يمتلكون المهارات اللازمة للبناء والتشغيل والصيانة والإصلاح.
وفي الوقت نفسه، من المتوقع استحداث نحو 400 مليون وظيفة في الاقتصادات الناشئة خلال العقد المقبل. ويحدد البنك الدولي البنية التحتية والطاقة والزراعة والسياحة والرعاية الصحية والتصنيع بوصفها قطاعات رئيسية لخلق فرص العمل، وهي قطاعات تعتمد بدرجة كبيرة على المهارات العملية.
ويظهر هذا الطلب بالفعل في أنماط التوظيف، إذ يتجاوز الطلب على العاملين الذين يمتلكون المهارات العملية الطلب على العاملين في الوظائف المكتبية التقليدية في العديد من الاقتصادات.
غير أن الأنظمة المسؤولة عن تطوير المهارات العملية ليست مستعدة بعد للتعامل مع حجم هذا الطلب أو سرعته أو تعقيداته. فالمسارات المؤدية إلى المهن العملية تواجه مشكلات هيكلية في مختلف مراحلها.
وخلال مرحلتي الطفولة والمراهقة، غالباً ما تفشل الأنظمة التعليمية في تطوير القدرات الحركية والحسية الأساسية التي تدعم المهارات التطبيقية تطويراً كاملاً، بسبب الاهتمام المحدود بالتعليم العملي والتدريب المهني.
وعندما يحين وقت اتخاذ القرارات المهنية، تقل احتمالات اختيار الشباب للوظائف التي تعتمد على المهارات العملية. ففي المتوسط، تمثل هذه الوظائف 45.6% من إجمالي العمالة، لكنها لا تستحوذ إلا على 8.5% من الخيارات المهنية التي يتوقع الطلاب الالتحاق بها مستقبلاً.
وحتى بالنسبة إلى الذين يلتحقون بهذا النوع من التدريب، تظل المسارات التعليمية متفاوتة من حيث الجودة والاعتراف بالمؤهلات. وفي الوقت نفسه، تؤدي الرقمنة إلى تغيير متطلبات المهارات بوتيرة أسرع من قدرة العديد من البرامج التعليمية والتدريبية على التكيف معها. كما يواجه العاملون صعوبة في إثبات مهاراتهم العملية لأصحاب العمل.
وتستدعي هذه التحديات إحداث تحول في أساليب تطوير المهارات وتقييمها واعتمادها، بما يمكّن الاقتصادات من إعداد القوى العاملة اللازمة لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتحقيق التحول في قطاع الطاقة، وتجديد البنية التحتية، مع تعزيز فرص العمل والقدرة التنافسية.
ويمثل هذا التقرير الإصدار الثالث ضمن سلسلة «مهارات الاقتصاد الجديد» الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي. وتتناول هذه السلسلة القدرات التي تمكّن الأفراد والمؤسسات والاقتصادات من التكيف مع التغيرات ودعم النمو المستدام والابتكار والقدرة التنافسية.
ويبحث التقرير أسباب الأهمية المتزايدة للمهارات العملية، وكيفية تطور متطلباتها، والسبل الكفيلة بتعزيز تنميتها.
1. المهارات العملية تتحول إلى ميزة استراتيجية
يتزايد الطلب على المهارات العملية بوتيرة أسرع من نمو المعروض منها.
ما المقصود بالمهارات العملية؟
المهارات العملية هي القدرات التطبيقية المستخدمة في بناء الاقتصاد المادي وتشغيله وصيانته. وتنقسم إلى ثلاثة مجالات رئيسية: البناء والتركيب، وتشغيل المعدات والآلات، ومناولة الموارد المادية ومعالجتها.
وترتكز هذه المهارات الثلاث على مجموعتين من القدرات الأساسية: البراعة اليدوية والقدرة على التحمل والدقة من جهة، والقدرات الحسية والإدراكية من جهة أخرى.
وتدعم هذه القدرات الحركية والحسية مجتمعة المهام التطبيقية التي تشكل جوهر العمل في المهن العملية.
فالمجموعة الأولى تمكّن العمال من التعامل مع الأدوات والمواد والآلات بدقة، بينما تساعدهم المجموعة الثانية على فهم البيئة المادية المحيطة من خلال البصر والسمع والإدراك المكاني.
وتتفاوت مستويات المهارات العملية الثلاث المطلوبة من مهنة إلى أخرى. ويستخدم هذا التقرير مصطلح «الصُنّاع» للإشارة إلى الأشخاص الذين تعتمد وظائفهم بدرجة كبيرة على هذه المهارات.
وينتمي هؤلاء العاملون أساساً إلى أربع مجموعات مهنية واسعة:
العمال المهرة في الزراعة والغابات وصيد الأسماك، بمن فيهم المزارعون والصيادون والعاملون في مصائد الأسماك والبستانيون وحراس الغابات.
الحرفيون والعاملون في المهن المتخصصة، بمن فيهم الكهربائيون والجزارون والخياطون واللحامون وصانعو الساعات وفنيو أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء وصانعو الأدوات والعاملون في الصناعات المعدنية.
مشغلو المصانع والآلات وعمال التجميع، بمن فيهم مشغلو المعدات الثقيلة والآلات الصناعية والرافعات وعمال تجميع المنتجات الصناعية.
العاملون في المهن الأولية، بمن فيهم عمال النظافة والعمال في قطاع الغابات ومساعدو إعداد الطعام وعمال جمع النفايات.
جميع القطاعات الصناعية تعتمد على المهارات العملية
تؤدي المجموعات المهنية الأربع دوراً محورياً في أسواق العمل. ففي مناطق عديدة من العالم، تمثل هذه المجموعات أكثر من نصف إجمالي العمالة ودخل العمل.
وفي جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يشكّل العاملون في المهن العملية أكثر من 60% من إجمالي العمالة في البلد المتوسط داخل كل منطقة.
وحتى في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تسجل حصتهم أدنى مستوياتها، فإنهم يمثلون نحو 35% و25% من القوى العاملة على التوالي.
وتنعكس أهميتهم الاقتصادية أيضاً في الدخل الناتج عن العمل، إذ يسهمون في توليد نحو نصف إجمالي الأجور والدخول المهنية في العديد من المناطق.
وتتضح أهمية المهارات العملية كذلك في إعلانات الوظائف.
فقد أظهر تحليل أجرته منصة إنديد أن ما يقرب من ربع إعلانات الوظائف في الولايات المتحدة يتضمن متطلبات تتعلق بالمهارات العملية.
وتسجل هذه المتطلبات أعلى مستوياتها في القطاعات التي تعتمد على نقل السلع وتصنيع المنتجات وصيانة البنية التحتية. إذ تظهر المهارات العملية في 72% من إعلانات وظائف سلاسل الإمداد والنقل، و67% من إعلانات التصنيع، و64% من إعلانات البنية التحتية، و60% من إعلانات قطاعي السيارات والطيران والفضاء.
لكن الطلب لا يقتصر على هذه القطاعات، إذ تظهر المهارات العملية في 10% على الأقل من إعلانات الوظائف في 13 قطاعاً من أصل 17 قطاعاً شملها التحليل.
اقتصاد المستقبل يعزز الطلب المتزايد على المهارات العملية
تعتمد أكبر الاستثمارات الاقتصادية الحالية على العاملين الذين يمتلكون المهارات العملية.
ويظهر ذلك في خمسة تحولات رئيسية.
التحول نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي: يؤدي التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي إلى استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة. وقد تصل الاستثمارات العالمية المطلوبة في مراكز البيانات إلى نحو 7 تريليونات دولار حتى عام 2030.
وهذا يجعل الخبرات المتعلقة بالتركيبات الكهربائية وأنظمة الجهد العالي وتقنيات التبريد المتقدمة أكثر أهمية.
وفي الولايات المتحدة، التي يُتوقع أن تستحوذ على أكثر من 40% من هذه الاستثمارات، تشير حتى السيناريوهات المتحفظة إلى صدمات محتملة في الطلب على العمالة، تتجاوز قدرة القوى العاملة الحالية في المهن العملية على الاستجابة لها.
تحول الأنظمة الغذائية: يؤدي النمو السكاني والتوسع الحضري والضغوط المناخية إلى زيادة الحاجة لإنتاج المزيد من الغذاء بطرق أكثر استدامة.
وينتج عن ذلك طلب متزايد على المهارات المتعلقة بإنتاج الغذاء. ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي ارتفاع عدد وظائف العمال الزراعيين بنحو 35 مليون وظيفة عالمياً بحلول عام 2030، وهي أكبر زيادة مطلقة متوقعة بين جميع الفئات الوظيفية.
التحول الأخضر: تخلق الطاقة النظيفة موجة جديدة من الأعمال التقنية.
فالاستثمارات في الطاقة المتجددة وتحديث شبكات الكهرباء وتجديد المباني تزيد الحاجة إلى مهارات تركيب أنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحديث الأنظمة الكهربائية، وتركيب المضخات الحرارية والعزل الحراري، وتحديث المنشآت الصناعية.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تصل الاستثمارات العالمية في الطاقة إلى 3.4 تريليونات دولار في عام 2026، منها 2.2 تريليون دولار في الطاقة النظيفة.
إعادة توطين الإنتاج: مع تبني العديد من الحكومات سياسات لتعزيز التصنيع المحلي والصناعات الاستراتيجية، يتزايد بحث أصحاب العمل عن الخبرات المتعلقة بالإنتاج.
ويتجلى هذا التوجه الصناعي في الإنفاق العام، إذ بلغت الإعانات الصناعية 108 مليارات دولار في عام 2024، مسجلة أعلى مستوى لها منذ الأزمة المالية العالمية.
توسيع البنية التحتية وتجديدها: تحتاج الاقتصادات المتقدمة إلى استبدال بنيتها التحتية وتحديثها، بينما يؤدي التوسع الحضري والنمو السكاني في الاقتصادات الناشئة إلى زيادة الحاجة إلى بنية تحتية جديدة.
وتشير التقديرات إلى أن الاستثمارات العالمية التراكمية المطلوبة في البنية التحتية قد تصل إلى 106 تريليونات دولار حتى عام 2040.
ويخلق ذلك طلباً قوياً على مهارات البناء والتركيب.
وتضع هذه الاتجاهات المهارات العملية في مقدمة المهارات المرتبطة بنمو الوظائف.
فعند مقارنة مستويات إتقان 28 مهارة مطلوبة في الوظائف المتوقع نموها مع نظيرتها في الوظائف المتوقع تراجعها، يتبين أن مهارة البناء والتركيب تسجل أكبر فارق، إذ تتطلب الوظائف المتنامية مستوى إتقان لهذه المهارة يزيد بنسبة 140% عن الوظائف المتراجعة.
وتحتل مهارة تشغيل المعدات والآلات المرتبة الرابعة بفارق يبلغ 67%، بينما تأتي مهارة مناولة الموارد المادية ومعالجتها في المرتبة الثامنة بفارق يبلغ 40%.
تسريع تطوير المهارات العملية لدعم التوسع في الذكاء الاصطناعي
يؤدي التوسع السريع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى زيادة ملحّة في الطلب على المهارات العملية. ومع ذلك، تواجه الشركات المشغلة لمراكز البيانات صعوبات في استقطاب العمال المؤهلين.
وقد دفع هذا الوضع إلى إطلاق جهود واسعة لتطوير مسارات تدريبية أسرع وأكثر جاذبية تؤدي إلى وظائف مثل الكهربائيين وفنيي التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والسباكين والعاملين في الهياكل الحديدية، ولا سيما في الولايات المتحدة.
ومن أبرز المبادرات في هذا المجال أكاديمية ميتا للقوى العاملة الأمريكية، التي تستند إلى استثمار أولي قدره 115 مليون دولار، وتهدف إلى تدريب آلاف العاملين في المهن العملية.
وتغطي شركة ميتا الرسوم الدراسية وتكاليف دعم المشاركين، بما يشمل السفر والإقامة ومخصصات مالية يومية. كما تربط الخريجين بفرص عمل مضمونة، ويحصل المشاركون على مؤهلات موثقة ومعترف بها وفق معايير القطاع.
وتشمل الجهود أيضاً مبادرة المهن المتخصصة التابعة لمؤسسة غوغل، التي خصصت 50 مليون دولار بهدف تدريب أكثر من 300 ألف عامل في أكثر من 20 ولاية أمريكية.
وتعتمد المبادرة على تمويل النقابات والجمعيات المهنية والجهات الوسيطة في مجال التدريب، بما يعزز البرامج القائمة ويتيح للعاملين الوصول إلى مسارات تدريبية معتمدة تساعدهم على ممارسة المهن المتخصصة لدى أصحاب عمل مختلفين وفي مناطق وقطاعات متعددة.
أما مبادرة «بناة المستقبل» التابعة لبلاك روك، فتبلغ قيمتها 100 مليون دولار، وتهدف إلى الوصول إلى 50 ألف عامل خلال خمس سنوات.
وتدعم المبادرة المنظمات غير الربحية والشركاء المتخصصين في تنمية القوى العاملة، وتموّل فرص الوصول إلى التدريب التمهيدي، والتدريب على المهن المتخصصة، واستكمال البرامج والحصول على التراخيص المهنية، بما يدعم العاملين منذ بداية تدريبهم وحتى اكتساب المؤهلات والالتحاق بالعمل.
أصحاب العمل يواجهون صعوبة في العثور على عمال يمتلكون المهارات العملية
يكشف الطلب المتزايد على المهارات العملية عن أوجه ضعف في منظومة إعداد المواهب.
ويواجه أصحاب العمل في مختلف القطاعات صعوبات متزايدة في توظيف العمال الذين يمتلكون هذه المهارات، مما يثير مخاوف من أن يؤدي نقص العمالة إلى تأخير الاستثمارات وإبطاء نمو الإنتاجية والحد من القدرة التنافسية.
وقد حظيت مشكلة نقص المهارات العملية باعتراف واسع منذ سنوات طويلة، إذ تصدرت المهن المتخصصة مراتب متقدمة في استطلاعات أصحاب العمل المتعلقة بنقص العمالة.
وفي المقابل، حظي نقص العمالة في المهن العملية الأخرى باهتمام أقل، ولا سيما في الاقتصادات المتقدمة التي ركزت نقاشاتها على الأتمتة ونقل الأنشطة الإنتاجية إلى الخارج.
لكن هذا الوضع بدأ يتغير.
ففي الولايات المتحدة، تشير الشركات الصناعية إلى صعوبات في شغل الوظائف الشاغرة. كما تُظهر البيانات الأوروبية الحديثة أن المهن الصناعية تستحوذ حالياً على أكبر حصة من حالات النقص الحاد في المهارات.
ويمثل نقص العمالة والمهارات أيضاً مصدر قلق رئيسياً في قطاع الأغذية الزراعية وقطاع الضيافة، حيث لا يزال نقص العاملين في إعداد الطعام وغيرهم من الموظفين الأساسيين يبطئ التعافي بعد الجائحة.
وتُعد المستويات المرتفعة للعمل الإضافي مؤشراً آخر على الضغوط التي تواجه منظومة توفير العمالة الماهرة.
فقد كشفت بيانات مؤسسة ADP Research في الولايات المتحدة أن العاملين في المهن العملية يسجلون مستويات عمل إضافي أعلى بكثير من العاملين في المهن الأخرى.
ورغم أن ساعات العمل الإضافية قد ترتفع خلال فترات زيادة أعباء العمل، فإنها تشير أيضاً إلى اعتماد أصحاب العمل على زيادة الطاقة التشغيلية للقوى العاملة الحالية لتلبية الطلب على المهارات العملية.
وقد يصبح استمرار هذا النمط غير قابل للاستدامة.
الاعتماد المستمر على ساعات العمل الإضافية
توفر أنماط العمل الإضافي مؤشرات مهمة على ظروف سوق العمل.
وتُظهر بيانات ADP، التي تقارن متوسط ساعات العمل الإضافية الأسبوعية للعاملين بالأجر بالساعة في المهن العملية في الولايات المتحدة بنظيراتها في المهن الأخرى، أن العاملين في المهن العملية يسجلون باستمرار مستويات أعلى من ساعات العمل الإضافية.
ورغم تقلب هذه المستويات بمرور الوقت، فإنها بدأت ترتفع بوضوح قبل جائحة كوفيد-19، وظلت مرتفعة بصورة مستمرة منذ ذلك الحين.
وقد بلغت في ذروتها أكثر من 6.5 أضعاف مستويات العمل الإضافي المسجلة لدى العاملين في المهن الأخرى، بينما وصلت إلى خمسة أضعافها خلال أحدث فترة شملها التحليل.
2. كيف تُبنى المهارات العملية المؤهلة للمستقبل؟
يبدأ تطوير المهارات العملية القوية بتنمية القدرات البشرية الأساسية، لكنه يتطلب بصورة متزايدة اكتساب المهارات الرقمية.
المهارات العملية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرات أخرى
لا توجد المهارات العملية بمعزل عن غيرها من القدرات. فهي ترتكز أساساً على البراعة اليدوية والقدرة على التحمل والدقة، إلى جانب القدرات الحسية والإدراكية.
وتدعم هذه القدرات الأساسية اكتساب المهارات العملية وتطبيقها. ولذلك، يحتاج العمال أولاً إلى امتلاك قدرات حركية وحسية قوية حتى يتمكنوا من تطوير خبراتهم العملية.
ولهذا السبب، غالباً ما ترتبط المهن التي تتطلب مستويات مرتفعة من المهارات العملية بمتطلبات مرتفعة أيضاً في هذه القدرات الأساسية.
وترتبط المهارات العملية كذلك بمجموعة من المهارات الأخرى. ورغم أن عشر مهارات فقط من أصل 25 مهارة شملها التحليل تُظهر ارتباطاً إيجابياً بالمهارات العملية، فإن أحد أبرز الاتجاهات يتمثل في العلاقة القوية بينها وبين المهارات الرقمية.
فمع إعادة الرقمنة تشكيل عالم الإنتاج، أصبحت الأعمال التي تتطلب مهارات عملية تشمل بصورة متزايدة اختيار الأدوات الرقمية وتشغيلها وتأمينها، والعمل باستخدام الأنظمة المدعومة بالتقنيات الرقمية، والاستفادة من أساليب التصميم الرقمي لتحسين الوظائف وسهولة الاستخدام والأداء.
ويعكس الارتباط بين المهارات العملية والأمن السيبراني والشبكات والتصميم وتجربة المستخدم والإلمام بالتكنولوجيا هذا التحول الرقمي المتزايد في بيئات الإنتاج والتصنيع.
أصحاب العمل لا يولون القدرات العملية الأساسية الاهتمام الكافي
تشكل القدرات الحركية والحسية الأساس الذي تقوم عليه المهارات العملية، ومع ذلك، نادراً ما يعترف بها أصحاب العمل بوصفها كفاءات أساسية للقوى العاملة.
ورغم أن نسبة كبيرة من إعلانات الوظائف تتضمن متطلبات تتعلق بالمهارات العملية، فإن نسبة أصحاب العمل الذين يعتبرون القدرات الحركية والحسية ذات أهمية استراتيجية لا تزال منخفضة في مختلف القطاعات.
ويظهر هذا التباين بوضوح في بعض المجالات. ففي قطاع البنية التحتية، على سبيل المثال، تتضمن 64% من إعلانات الوظائف متطلبات تتعلق بالمهارات العملية، لكن أقل من 10% من أصحاب العمل يعتبرون القدرات الحركية والحسية كفاءات أساسية.
بل إن هذه الفجوة تتسع عند النظر إلى احتياجات القوى العاملة المستقبلية.
فأربعة قطاعات فقط تتوقع زيادة أهمية هذه القدرات بحلول عام 2030، وهي التصنيع المتقدم، والتعدين والمعادن، والسيارات والطيران والفضاء، والعقارات.
ويتناقض ذلك مع الأدلة التي تشير إلى أن المهارات العملية تُعد من أبرز العوامل التي تميز الوظائف المتوقع نموها عن الوظائف المتوقع تراجعها.
ويظهر نمط مشابه في مختلف المناطق الجغرافية.
ففي جميع المناطق، لا تعتبر سوى نسبة صغيرة من أصحاب العمل القدرات الحركية والحسية كفاءات أساسية، رغم أن العاملين في المهن العملية يمثلون أكثر من نصف إجمالي العمالة في مناطق عديدة.
وتشير التوقعات إلى الاتجاه نفسه، إذ يتوقع أصحاب العمل في معظم المناطق انخفاض أهمية هذه القدرات بدلاً من ارتفاعها.
ويُعد أصحاب العمل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الاستثناء الوحيد الذي يسجل زيادة صافية تتجاوز عشر نقاط مئوية، إذ تبلغ الزيادة المتوقعة 17%.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة لأن أولويات أصحاب العمل تؤثر في برامج التدريب داخل المؤسسات وفي الأنظمة التعليمية.
فالقدرات التي لا تحظى بالاعتراف بوصفها ذات أهمية استراتيجية تقل احتمالات تطويرها وقياسها ومنحها الأولوية، رغم قيمتها المتزايدة في سوق العمل.
مبادرة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتعزيز تقييم الكفاءات المهنية التطبيقية
تعمل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من خلال مبادرة PISA-VET، على تطوير نموذج دولي للتقييم يجعل الكفاءات المهنية أكثر وضوحاً وقابلية للمقارنة والاستفادة العملية.
واستلهاماً من البرنامج الدولي لتقييم الطلبة، تقيس المبادرة قدرة طلاب التعليم والتدريب المهني على تطبيق المهارات المرتبطة بمهن محددة لمواجهة التحديات الفعلية في بيئات العمل.
وتجمع عملية التقييم بين الأسئلة المعرفية والمحاكاة الرقمية التفاعلية والمهام التطبيقية التي يجري تقييمها بمساعدة الخبراء.
ومن خلال الربط بين الأداء والسياقات المتعلقة بالمتعلمين والمؤسسات وسوق العمل، تهدف المبادرة، اعتباراً من عام 2030، إلى توفير أدلة يستطيع صناع السياسات والمعلمون وأصحاب العمل استخدامها لتحسين جودة أنظمة التعليم والتدريب المهني وملاءمتها وموثوقيتها.
وفي المقابل، يمنح سوق العمل قيمة اقتصادية واضحة للقدرات العملية الأساسية.
إذ تشير بيانات المهن العملية في الولايات المتحدة إلى أن الوظائف التي تتطلب قدرات حركية وحسية أقوى ترتبط عادة بأجور أعلى.
ويرتبط ارتفاع درجات القدرات الحركية والحسية بمقدار عشر نقاط مئوية بزيادة تقديرية في الأجور تبلغ نحو 2500 دولار، حتى دون حدوث تحسن في مجالات المهارات الأخرى.
وتشير هذه العلاقة إلى استمرار الدور المهم الذي تؤديه القدرات الحركية والحسية في تحديد النتائج الاقتصادية للعاملين في سوق العمل.
وتعزز هذه القدرات أيضاً الميزة البشرية في المهن العملية.
فأدوات الذكاء الاصطناعي الحالية التي يمكن توسيع استخدامها بسرعة تعمل أساساً على النصوص والصور والرموز البرمجية وغيرها من المعلومات الرقمية، بدلاً من الاستشعار المادي والتعامل المباشر مع العالم المادي والتكيف معه.
ولذلك، يُرجح أن تكتسب الوظائف التي تعتمد على القدرات الحركية والحسية ميزة نسبية أقوى في سوق العمل مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وإلى جانب الذكاء الاصطناعي التوليدي، تميل المهن التي تتطلب مستويات أعلى من القدرات العملية الأساسية إلى مواجهة مخاطر أقل نتيجة الأتمتة.
فالقدرات الحركية والحسية المتقدمة تساعد العمال على التعامل مع التغيرات المستمرة في العالم المادي، حيث تختلف الأشياء والمواد والأدوات والمساحات والظروف من موقف إلى آخر.
ويصعب أتمتة هذه المتطلبات مقارنة بالمهام الروتينية التي تُنفذ في بيئات موحدة ويمكن التنبؤ بها، حتى مع التطور المتواصل للروبوتات والأنظمة المستقلة.
وتتوافق نتائج التحليل مع هذا التفسير، إذ تواجه المهن التي تتطلب أعلى مستويات القدرات الحركية والحسية نصف مخاطر الأتمتة التي تواجهها المهن ذات المستويات الأدنى، حتى بعد مراعاة الاختلافات في مجالات المهارات الأخرى.
وبعبارة أخرى، من المرجح أن تقلل الروبوتات والأنظمة المستقلة الحاجة إلى العمالة البشرية في بعض المهن والمهام، لكن المهن التي تعتمد بدرجة أكبر على البراعة اليدوية والتقدير الحسي ستظل أقل تعرضاً لهذه المخاطر.
التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي يعززان العمل في المهن العملية
تُعيد التقنيات الرقمية تشكيل طرق أداء الأعمال.
ففي بعض الحالات، تحل هذه التقنيات محل مهام كان البشر يؤدونها سابقاً. لكنها في حالات عديدة أخرى تدعم العمل البشري من خلال استكمال قدرات الأفراد وتعزيزها، بدلاً من استبدالهم بالكامل.
ويؤدي هذا التحول إلى تغيير طبيعة العمل في المهن العملية.
ففي مواقع البناء، يعمل اللحامون باستخدام أذرع روبوتية قابلة للبرمجة. وفي المصانع، يراقب الفنيون بيانات الآلات ويتعاملون معها في الوقت الفعلي.
وفي الزراعة، يستخدم العمال الطائرات المسيّرة بصورة متزايدة، ويديرون أنظمة افتراضية للحقول لمراقبة صحة التربة واستخدام المياه وظروف المحاصيل بصورة فورية.
وحتى في المطابخ التجارية، أصبح العمال يشرفون على أنظمة إعداد الطعام الآلية ويضبطونها، بدلاً من تنفيذ جميع المهام يدوياً.
ونتيجة لذلك، أصبحت التكنولوجيا تعزز العمل في المهن العملية بصورة متزايدة، من خلال الجمع بين الخبرة اليدوية والقدرات الرقمية.
شراكة إتش بي وهومبوي لإعادة تدوير الإلكترونيات: تطوير المهارات الرقمية ومهارات الاقتصاد الدائري
توضح شراكة شركة إتش بي مع مؤسسة هومبوي لإعادة تدوير الإلكترونيات كيف يمكن للتقنيات الرقمية والاقتصاد الدائري توفير مسارات جديدة للالتحاق بالمهن العملية.
وتقدم هومبوي تدريباً عملياً مدفوع الأجر للأشخاص الذين واجهوا عوائق أمام التوظيف، بمن فيهم أشخاص سبق سجنهم أو انخراطهم في عصابات.
ويركز التدريب على تطوير المهارات العملية في تجديد الأجهزة وإعادة تدوير الإلكترونيات، بما يحسن إمكانية استعادة المواد وإعادة استخدامها.
وتضيف شراكة إتش بي أدوات ومعدات وأساليب عمل مرتبطة باحتياجات أصحاب العمل، تُستخدم في تجديد أجهزة الكمبيوتر، مما يساعد المشاركين على تطوير مهاراتهم الرقمية إلى جانب معارفهم التقنية.
ويوضح هذا النموذج كيف يمكن للرقمنة توسيع فرص الوصول إلى المهن العملية، من خلال تحويل استعادة النفايات الإلكترونية إلى فرص تدريبية في مجالات الإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التصنيع، مع الحد من التخلص من المواد في مكبات النفايات وإعادتها إلى الاستخدام المنتج.
ومن المؤشرات الأخرى على تعزيز التكنولوجيا للعمل البشري التوسع المتزايد في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل المادية.
فرغم تركيز الاهتمام العام على تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف المعرفية، فإنه أصبح مدمجاً بصورة متزايدة في المستودعات ومواقع البناء والمصانع والمزارع، حيث يدعم إدارة سير العمل وتحسين العمليات والصيانة التنبؤية ومراقبة الجودة.
ويجعل ذلك الإلمام بالذكاء الاصطناعي أكثر أهمية للعاملين في المهن العملية.
ويظهر هذا التحول بالفعل في توقعات العمال أنفسهم، إذ يشير العاملون في المهن العملية في جميع المناطق إلى حاجتهم الكبيرة لاكتساب المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي للحفاظ على ملاءمة مهاراتهم لسوق العمل، بمستويات تقترب من تلك التي يسجلها العاملون في الوظائف المكتبية.
ولذلك، ينبغي ألا يقتصر تطوير المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على العاملين الذين يعالجون النصوص والأرقام والرموز البرمجية، بل يجب أن يشمل أيضاً الأشخاص الذين يتولون البناء والتشغيل والصيانة والإصلاح.
العاملون في المهن العملية يؤكدون حاجتهم إلى تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي
شمل استطلاع «مراقبة العمل» الذي أجرته شركة راندستاد أكثر من 27 ألف عامل و1225 صاحب عمل في 35 دولة، وتناول ممارسات العمل والمواقف والطموحات والتوقعات المهنية.
وأفاد معظم العاملين في المهن العملية في مختلف المناطق بأنهم بحاجة إلى تعزيز مهاراتهم في الذكاء الاصطناعي للحفاظ على قدرتهم على مواكبة متطلبات سوق العمل.
وفي المتوسط عبر البلدان، بلغت نسبة هؤلاء العاملين 57%، وسُجلت أعلى النسب في البلدان الآسيوية، التي يتصدر العديد منها مجالات التصنيع المتقدم وأتمتة الخدمات اللوجستية والإنتاج المدعوم رقمياً.
ومن ناحية، كانت الحاجة المتصورة إلى تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي أقل عموماً بين العاملين في المهن العملية مقارنة بالعاملين في الوظائف المكتبية. ومن ناحية أخرى، كانت الفروق بين المجموعتين محدودة نسبياً.
ولم تتمكن القوى العاملة حتى الآن من مواكبة التقارب المتزايد بين المهارات الرقمية والمهارات العملية.
فقد بدأت تظهر فجوات في المهارات مع بحث أصحاب العمل عن أشخاص قادرين على الجمع بين المجالين.
وفي المملكة المتحدة، يصعب شغل نصف الوظائف الشاغرة في المهن المتخصصة بسبب افتقار المتقدمين إلى المهارات أو المؤهلات أو الخبرات المطلوبة. ويسهم نقص المهارات الرقمية في أكثر من ربع حالات النقص هذه.
وبالمثل، أفاد 7% فقط من أصحاب العمل في قطاع البناء في الولايات المتحدة بأن جميع الموظفين الجدد تقريباً مستعدون للعمل باستخدام التقنيات الرقمية.
ويبرز قطاع التصنيع بوجه خاص، إذ يحد نقص المهارات الرقمية من قدرة الشركات على تبني التقنيات الجديدة وتحسين الإنتاجية.
وكما هي الحال بالنسبة إلى القدرات الحركية والحسية، تميل المهن العملية التي تتطلب مهارات رقمية أقوى إلى تقديم أجور أعلى.
وتُظهر النتائج وجود علاقة إيجابية بين مستوى إتقان المهارات الرقمية والأجور في مختلف المهن العملية، حتى بعد مراعاة الاختلافات في مجالات المهارات الأخرى.
ويرتبط ارتفاع مستوى إتقان المهارات الرقمية بمقدار عشر نقاط مئوية بزيادة تقديرية في الأجور تبلغ نحو 3500 دولار، مقارنة بأقل من 2000 دولار لدى العاملين في المهن الأخرى.
ويتوقع النموذج أن تحقق المهن العملية التي تتطلب أعلى مستويات المهارات الرقمية أجوراً تعادل تقريباً ضعف الأجور في المهن التي تتطلب أدنى مستويات هذه المهارات.
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن الرقمنة تمتلك القدرة على تعزيز الآفاق طويلة الأجل للمهن العملية.
ومع تزايد التكامل بين الخبرة التطبيقية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، تظل المهارات العملية ذات أسس بشرية عميقة، لكن التقنيات الجديدة تعيد تشكيل أساليب تطبيقها.
وسيتطلب بناء المهارات العملية المستقبلية تطوير هذه الأسس البشرية، إلى جانب القدرات الرقمية التي أصبحت تكملها بصورة متزايدة.
3. تعزيز منظومة إعداد أصحاب المهارات العملية
يتطلب تطوير المهارات العملية إنشاء مسارات أقوى للتأهيل، وتحسين جودة التدريب، وزيادة جاذبية المسارات المهنية المرتبطة بها.
تبدأ أسس المهارات العملية في التطور قبل التعليم المهني بوقت طويل
تتطور القدرات الحركية والحسية التي تقوم عليها المهارات العملية من خلال تجارب الطفولة المبكرة، التي تشمل الحركة واللعب والرسم وصنع الأشياء وغيرها من أشكال التعلم التطبيقي.
لكن الأدلة تشير إلى تراجع هذه القدرات لدى الأطفال، ويشير الخبراء إلى أن انخفاض فرص اللعب العملي وزيادة التعرض للشاشات من العوامل التي تسهم في ذلك.
ومع تقدم الأطفال في مراحل التعليم، يمكن للمواد التطبيقية، مثل النجارة والأعمال المعدنية والخياطة، أن تساعد الطلاب على تطوير قدرات حركية وحسية أكثر تقدماً، إلى جانب مهارات حل المشكلات العملية.
ومع ذلك، غالباً ما تحظى هذه المواد باهتمام محدود في العديد من الأنظمة التعليمية.
ففي المتوسط، لا تمثل المواد العملية والمهنية سوى أقل من 5% من إجمالي ساعات التدريس الإلزامية في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويعكس ذلك وجود تسلسل هرمي واضح يمنح المواد الأكاديمية النظرية قيمة أعلى من التعلم العملي والمهني.
ولا تقتصر أهمية هذه المسألة على إعداد الطلاب لسوق العمل.
فالأنشطة التطبيقية تنمي التناسق الحركي والدقة والتفكير المكاني، وتدعم في الوقت نفسه التطور المعرفي والبدني والاجتماعي بصورة أوسع.
ومع سعي الأنظمة التعليمية إلى إعداد المتعلمين لاقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا، تزداد أهمية الحفاظ على فرص التعلم العملي والتجريبي منذ سن مبكرة.
التعليم المهني بحاجة إلى التحديث
عندما يتجاوز المتعلمون المراحل التأسيسية المبكرة، يصبح التعليم والتدريب المهني أحد المسارات الرئيسية لتطوير المهارات العملية المرتبطة بوظائف محددة.
ففي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يحمل نصف العاملين في المهن العملية مؤهلاً مهنياً بوصفه أعلى مستوى تعليمي حصلوا عليه.
ورغم أهمية التعليم المهني، غالباً ما يعتبره أصحاب العمل أقل فعالية من التعليم العالي في تلبية احتياجات الاقتصاد التنافسي.
ففي 15% فقط من البلدان، يمنح قادة الأعمال التدريب المهني تقييماً أعلى من التعليم العالي.
وتعكس هذه التصورات تحديات موثقة جيداً تواجه أنظمة التدريب المهني.
وتتمثل إحدى المشكلات الرئيسية في محدودية مشاركة أصحاب العمل في تصميم المناهج والبرامج التدريبية.
ونتيجة لذلك، قد تصبح المناهج وأساليب تقديم التدريب قديمة، بينما يستمر نقص فرص التدريب المهني العملي عالية الجودة، التي تُعد ضرورية لتطوير المهارات العملية.
ويمثل توسيع نطاق تنمية هذه المهارات تحدياً خاصاً أيضاً.
فعلى خلاف التعلم داخل الفصول الدراسية أو التعلم الرقمي، يتطلب التدريب العملي توفير المعدات وأماكن العمل والمدربين ذوي الخبرة.
وهذا يجعل التمويل المستدام عاملاً بالغ الأهمية.
فمن دونه، تواجه برامج التعليم المهني صعوبات في الاستثمار في المعدات الحديثة، واستقطاب المدربين الذين يمتلكون خبرات صناعية مواكبة للتطورات، ومجاراة التقنيات المتغيرة في بيئات العمل.
كما تواجه أنظمة التدريب المهني صعوبات في تقييم المهارات العملية ومنح المؤهلات التي تثبت امتلاكها.
ونظراً إلى أن هذه المهارات غالباً ما تُكتسب وتُظهر من خلال الممارسة، فقد يكون تقييمها بصورة موثوقة وموحدة أمراً صعباً ومكلفاً.
ولذلك، حتى عندما تتوافر الشهادات المهنية، فإنها قد لا تمثل دائماً دليلاً قوياً على امتلاك الكفاءات اللازمة للالتحاق بالعمل.
وبدلاً من ذلك، يعتمد العديد من أصحاب العمل على الاختبارات التطبيقية والخبرة المهنية وشبكات العلاقات غير الرسمية والتقييمات الداخلية عند توظيف العاملين في المهن العملية وترقيتهم.
وتصبح هذه التحديات أكثر حدة في البلدان التي تكون فيها أنظمة التدريب المهني الرسمي محدودة، وتُكتسب المهارات العملية فيها أساساً من خلال التعلم غير الرسمي.
ففي العديد من الاقتصادات الناشئة، قد يتعلم العمال من خلال الشركات العائلية والتدريب المهني غير الرسمي والخبرة المكتسبة أثناء العمل.
وفي ليسوتو ونيجيريا وتنزانيا، على سبيل المثال، تراوحت نسبة المتدربين الذين شملتهم الاستطلاعات وكانوا يتلقون تدريباً مهنياً غير رسمي بين النصف وما يقرب من ثلاثة أرباع المتدربين.
ورغم أن هذه المسارات غالباً ما تسهم في تطوير مهارات قيّمة، فإنها نادراً ما توفر للمتعلمين مؤهلات معترفاً بها.
شراكة رونيسانس واليونيسف ووزارة التعليم الوطني: توسيع التدريب المهني داخل بيئات العمل
في تركيا، تعمل شراكة تجمع شركة رونيسانس القابضة وبرنامج اليونيسف «من التعلم إلى الكسب للشباب» ووزارة التعليم الوطني على تحويل مستشفى مدينة غازي عنتاب إلى مختبر للتعلم المهني داخل بيئة العمل.
وفي كل عام، يتناوب 120 طالباً من المدارس الثانوية المهنية على التدريب في مهن تقنية يرتفع الطلب عليها، لمدة أربعة أيام أسبوعياً.
وتشمل هذه المهن تقنيات الأتمتة الصناعية والسباكة والصيانة والإصلاح الصناعي.
ومن خلال تدريب موظفي رونيسانس ليصبحوا مدربين رئيسيين معتمدين، والجمع بين المهام الفعلية داخل بيئة العمل ومعايير السلامة والشمول والمناهج التعليمية، يوضح هذا النموذج كيف يمكن أن يتحول التدريب المهني إلى شراكات تحقق قيمة مضافة.
فالطلاب يكتسبون الكفاءات اللازمة للاستعداد للعمل، بينما يتمكن أصحاب العمل من بناء منظومة أقوى لاستقطاب المواهب وتطوير قدراتهم التدريبية الداخلية.
مصادر المواهب غير المستغلة في المهن العملية
لا تواجه منظومة إعداد أصحاب المهارات العملية تحديات تتعلق بكيفية تطوير المهارات والاعتراف بها فحسب، بل تعاني أيضاً من محدودية قاعدة المواهب المتاحة.
وتتمثل إحدى المشكلات في ضعف تمثيل النساء.
ففي جميع المناطق، تمثل النساء حصة أصغر من الرجال بين العاملين في المهن العملية.
وتتراوح نسبة النساء بين 15% في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و42% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بمتوسط إقليمي يبلغ 30%.
وفي المقابل، تمثل النساء 49% من العاملين في المهن الأخرى في المتوسط عبر المناطق.
وتعني هذه الفجوة بين الجنسين أن جزءاً كبيراً من المواهب المحتملة في المهن العملية لا يزال غير مستغل.
كما أن العاملين في المهن العملية أكبر سناً نسبياً.
ويظهر ذلك بصورة خاصة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تتراوح نسبة العاملين الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً فأكثر بين 20% و35%.
وتُعد أفريقيا الاستثناء الرئيسي، إذ تقل نسبة العاملين في المهن العملية الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً فأكثر عن 15%.
وفي جميع المناطق، ترتفع احتمالات بلوغ العاملين في المهن العملية سن 55 عاماً فأكثر مقارنة بالعاملين في المهن الأخرى، كما تتقدم أعمارهم بوتيرة أسرع من القوى العاملة عموماً.
وتكون الفجوة كبيرة بصورة خاصة في آسيا، حيث تزيد نسبة العمال الأكبر سناً بين العاملين في المهن العملية بما يتراوح بين 1.4 و1.7 مرة مقارنة بالعاملين في المهن الأخرى.
ويعني ذلك أن مخاطر خروج العاملين من سوق العمل أعلى في المهن العملية مقارنة بالقوى العاملة الأوسع.
ويكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة لأن منظومة استقطاب المواهب الجديدة إلى المهن العملية تواجه بالفعل قيوداً كبيرة.
ويُعد التوظيف عبر الحدود مصدراً مهماً للعاملين الذين يمتلكون المهارات العملية.
لكن قدرته على التخفيف من نقص العمالة أصبحت محدودة بصورة متزايدة، مع ارتفاع الطلب على المهارات العملية في مختلف البلدان، ووجود قيود على التأشيرات وعوائق إدارية وصعوبات في الاعتراف بالمؤهلات، مما يعرقل حركة العمالة.
ويجعل ذلك تعزيز المعروض المحلي من المهارات العملية أكثر أهمية.
لكن تحقيق هذا الهدف سيكون صعباً في العديد من البلدان، حيث يتزامن انخفاض عدد السكان في سن العمل مع ضعف اهتمام الشباب بالمهن العملية.
ففي مختلف المناطق، يتوقع 13% فقط من الفتيان و4% من الفتيات العمل مستقبلاً في المهن العملية.
وتقل هذه النسب كثيراً عن الحصة الفعلية لهذه المهن من إجمالي العمالة، التي تتراوح بين 25% في أمريكا الشمالية و68% في جنوب آسيا.
ويشير ذلك إلى تحدٍ كبير في مجال التوظيف، في وقت يرتفع فيه الطلب على المهارات العملية بالفعل، ومن المتوقع أن يواصل النمو.
ومع تقاعد العاملين ذوي الخبرة واستمرار ضعف اهتمام الشباب بالمهن العملية، قد يؤدي نقص العمالة إلى تقييد الإنتاجية وإبطاء اعتماد تقنيات التصنيع المتقدم وإضعاف مرونة سلاسل الإمداد وتقويض القدرة التنافسية الصناعية.
أنغلو أمريكان: بناء منظومة محلية للمهارات العملية من أجل النمو الإقليمي
توضح تجربة شركة كومبا لخام الحديد، التابعة لأنغلو أمريكان، كيف يمكن لأصحاب العمل أداء دور مباشر في توسيع منظومة إعداد أصحاب المهارات العملية.
فمن خلال مراكز تدريب معتمدة تقع داخل المجتمعات المحلية وفي مواقع العمليات التشغيلية، تزود الشركة الأفراد بمهارات عملية في الحرف المهنية والتعدين، يمكن الاستفادة منها ونقلها داخل قطاع التعدين وخارجه.
وقد ساعد هذا التدريب على معالجة البطالة الإقليمية، مع إنشاء قاعدة محلية أقوى من العمال المهرة لدعم النمو الصناعي المستقبلي.
وتبرز محدودية جاذبية المهن العملية رغم المزايا التي توفرها هذه الوظائف.
فهي تتيح عادة تجنب أعباء الديون الدراسية الكبيرة، لأن مسارات التعليم المهني أقصر وأقل تكلفة، وغالباً ما تتضمن برامج تدريب مهني مدفوعة الأجر، تتيح للمتعلمين تحقيق دخل أثناء التعلم.
فعلى سبيل المثال، يبلغ متوسط الرسوم الدراسية والتكاليف المرتبطة بالحصول على شهادة جامعية مدتها أربع سنوات في الولايات المتحدة 79,200 دولار، مقارنة بمتوسط يبلغ 15,200 دولار للحصول على شهادة من مدرسة مهنية، وهي شهادة قد يستغرق الحصول عليها أقل من عام إلى عامين.
كما أن خريجي التعليم المهني أكثر احتمالاً للحصول على وظائف مقارنة بخريجي الجامعات، وهي ميزة قد تتعزز مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ورغم هذه المزايا، تعاني المهن العملية من أوجه قصور في عوامل رئيسية تؤثر في جاذبيتها.
ويتمثل أحد هذه العوامل في المتطلبات البدنية.
فغالباً ما تتضمن أعمال المهن العملية حركات متكررة ورفع أحمال ثقيلة والتعرض لظروف عمل شاقة.
وقد تجعل هذه المتطلبات الاستمرار في العمل طوال المسيرة المهنية أمراً صعباً، مما يزيد احتمالات التقاعد المبكر بين العاملين في هذه المهن.
ويتمثل عامل آخر في تطور الأجور.
فحتى في البلدان التي تمتلك أنظمة تدريب مهني قوية، مثل ألمانيا، تتراجع ميزة الأجور المبكرة بمرور الوقت.
ويمكن أن يساعد الترابط المتزايد بين المهارات العملية والمهارات الرقمية على معالجة هذه المشكلات.
أولاً، قد تتيح القدرة على العمل باستخدام الأدوات والتقنيات الجديدة تقليل تعرض العمال للمهام الأكثر مشقة وخطورة، مثل رفع الأحمال الثقيلة والأعمال المتكررة والأنشطة الخطرة.
ثانياً، تميل المهن العملية التي تتطلب مهارات رقمية أقوى إلى تقديم أجور أعلى.
ثالثاً، يستفيد التحول الرقمي من اهتمام الشباب بالتكنولوجيا، ويمكن أن يشكل مدخلاً لجذبهم إلى هذه المهن.
وانسجاماً مع ذلك، تشير النتائج إلى أن المهن التي تجمع بين متطلبات مرتفعة في المهارات العملية والمهارات الرقمية ترتبط بمستويات أعلى من الاهتمام المهني المتوقع بين الشباب، حتى بعد مراعاة الأجور وغيرها من الخصائص المهنية إحصائياً.
4. دعوات إلى العمل: خمس أولويات لتعزيز المهارات العملية
يعتمد التحول الاقتصادي على المهارات العملية. ومع ذلك، لا تواكب منظومة إعداد المواهب الطلب المتزايد على هذه المهارات.
وكما أوضح التقرير، تبرز ثلاثة تحديات رئيسية: عدم قدرة أنظمة التدريب على التكيف بالسرعة الكافية مع تغير متطلبات المهارات، ومحدودية تدفق المواهب الجديدة، وضعف أنظمة الاعتراف بالمهارات العملية واعتمادها.
وتتطلب معالجة هذه التحديات اتخاذ إجراءات منسقة بين أصحاب العمل ومؤسسات التعليم والتدريب والحكومات.
وتوفر الأولويات التالية خريطة طريق لتوسيع منظومة إعداد أصحاب المهارات العملية بما يدعم النمو طويل الأجل.
الأولوية الأولى: تطوير مسارات التعليم المهني لتلبية احتياجات صناعات المستقبل
ينبغي أن يوفر التعليم المهني عالي الجودة المكانة الاجتماعية نفسها وفرص التطور والتقدم المهني طويلة الأجل التي يوفرها التعليم الأكاديمي.
ولا يزال التعليم المهني يحظى بتقدير أقل مما يستحقه في العديد من البلدان.
فرغم الطلب المتزايد على المهارات العملية وارتفاع تكاليف المسارات الجامعية التقليدية وعدم اليقين المرتبط بها، تواصل العديد من الأسر توجيه الشباب نحو التعليم الأكاديمي.
ومع استثمار البلدان في التصنيع المتقدم والطاقة النظيفة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي وغيرها من الصناعات الاستراتيجية، ينبغي أن يصبح التعليم المهني ركيزة أساسية للقدرة التنافسية الاقتصادية، بدلاً من اعتباره مجرد بديل عن التعليم الجامعي.
ويتطلب تغيير التصورات السائدة تغيير الواقع نفسه.
فيجب أن يوفر التعليم المهني باستمرار مهارات تحظى بتقدير أصحاب العمل، وهو ما يستدعي اضطلاعهم بدور محوري في تصميم المناهج والمؤهلات.
ويتطلب ذلك تعاوناً مستداماً بين أصحاب العمل ومؤسسات التعليم والحكومات، غالباً على المستويين المحلي أو الإقليمي، لضمان تطور البرامج بالتوازي مع تغير التقنيات واحتياجات أسواق العمل المحلية.
ويمكن لأصحاب العمل الكبار المشاركة بصورة مباشرة، بينما تستطيع الهيئات القطاعية والغرف المهنية والجهات الوسيطة المحلية تمثيل احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك قدرات أكثر محدودية.
وقد نجحت الأنظمة التي تحقق أداءً جيداً في إضفاء طابع مؤسسي على هذه المشاركة.
ففي ألمانيا والنمسا وسويسرا، حيث يمنح أصحاب العمل التدريب المهني تقييماً أعلى من التعليم العالي، تحدد الجمعيات الصناعية معايير التدريب، بينما تضمن السلطات العامة والشركاء الاجتماعيون الجودة وإمكانية الوصول إليه.
وتحتاج برامج التعليم المهني أيضاً إلى معدات حديثة ومدربين يمتلكون خبرات صناعية مواكبة للتطورات ومسارات واضحة للتقدم نحو التعليم العالي.
ويتيح ذلك للمتعلمين الحصول على تدريب عالي الجودة والانتقال بسلاسة بين المسارات المهنية والأكاديمية طوال حياتهم العملية.
وبذلك، يمكن أن يصبح التعليم المهني مساراً مرناً للتعلم مدى الحياة، بدلاً من أن يكون مساراً منفصلاً.
ومن خلال دعم التطوير المستمر للمهارات، يستطيع التعليم المهني أيضاً فتح المزيد من المسارات المؤدية إلى وظائف ذات أجور أعلى ومناصب إشرافية وفرص ريادة الأعمال.
ويمكن أن يساعد ذلك على معالجة محدودية فرص التقدم المهني ونمو الأجور المرتبطة غالباً بالمهن العملية.
وينبغي أن يتطور الإرشاد المهني أيضاً.
فالشباب وأسرهم بحاجة إلى فهم أفضل لكيفية تغير المهن العملية، بما في ذلك الدور المتنامي للتقنيات الرقمية، وفرص التقدم الوظيفي، والأهمية الحاسمة لهذه المهن في بناء اقتصاد المستقبل.
ويتطلب تغيير هذه التصورات من أصحاب العمل والمعلمين والحكومات العمل بنشاط على التعريف بالمهن العملية داخل المدارس والمجتمعات المحلية.
شراكة هوم ديبوت وجورجيا تك: إعداد الجيل المقبل من قادة الأعمال في المهن المتخصصة
يتسع نقص العمالة في المهن المتخصصة في الولايات المتحدة.
ولا يقتصر التحدي على استقطاب المزيد من العمال إلى هذه المجالات، بل يشمل أيضاً مساعدتهم على التقدم نحو وظائف ذات أجور أعلى ومناصب إشرافية وامتلاك مشاريع تجارية.
ويتلقى العديد من العاملين في المهن المتخصصة تدريباً تقنياً قوياً، لكن فرصهم في تطوير المهارات التجارية والمالية والتشغيلية اللازمة لقيادة الفرق وإدارة المشاريع وإطلاق مؤسسات ناجحة تظل محدودة.
وتربط هذه الشراكة برنامج «المسار إلى الاحتراف» التابع لهوم ديبوت بالمحتوى التعليمي الخاص بالتعلم مدى الحياة في معهد جورجيا للتكنولوجيا.
وتجمع بين التدريب التقني الأساسي والمهارات التجارية والمهنية والثقافة المالية والاستعداد لريادة الأعمال والتمكين التكنولوجي، بما في ذلك أساليب العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتهدف الشراكة، عند تطبيقها على نطاق واسع، إلى تزويد العاملين المبتدئين وذوي الخبرة بالقدرات اللازمة للالتحاق بالمهن التي يرتفع الطلب عليها، وتحسين العمليات داخل مواقع العمل والمؤسسات، والاستعداد لامتلاك الشركات الصغيرة، وتعزيز فرص الحراك الاقتصادي على المدى الطويل.
الإجراءات المطلوبة لتنفيذ الأولوية الأولى
مؤسسات التعليم والتدريب: تطوير برامج مهنية ترتبط بمؤهلات أعلى، وتعزيز الشراكات مع أصحاب العمل، وتوفير مسارات واضحة للتقدم طوال المسيرة المهنية للمتعلمين.
أصحاب العمل: المشاركة في تصميم المناهج بصورة مباشرة أو من خلال الجمعيات القطاعية وشبكات أصحاب العمل المحلية، وتبادل المعلومات المتعلقة بسوق العمل، وتوفير مسارات واضحة للانتقال من التعليم إلى التوظيف، بما يضمن مواكبة البرامج المهنية لاحتياجات القطاعات المتغيرة.
الحكومات: تعزيز إمكانات الانتقال بين المسارات المهنية والأكاديمية، والتعريف بالفرص طويلة الأجل التي توفرها المهن العملية، ودعم الحملات الموجهة إلى الطلاب وأولياء الأمور والمجتمعات المحلية لتغيير التصورات العامة حول تطور هذه المهن.
الأولوية الثانية: دمج الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية في مناهج التعليم المهني
مع إعادة التكنولوجيا تشكيل المهن العملية، ينبغي أن تدمج المناهج الحديثة المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي، وأن توفر برامج تدريبية أقصر وأكثر استهدافاً للوظائف التي يرتفع الطلب عليها.
ولضمان استمرار توافق التدريب مع متطلبات المهارات المتغيرة، ينبغي أن تتبنى مؤسسات التعليم وأصحاب العمل والحكومات الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية بوصفها عناصر أساسية مكملة للمهارات العملية.
ولا يقتصر أثر زيادة التركيز على المهارات الرقمية على تعزيز الاهتمام باكتساب المهارات العملية، بل يمكن أن يسهم أيضاً في رفع الإنتاجية والاستعداد لبيئات الإنتاج والتصنيع التي تعتمد بصورة متزايدة على الأتمتة.
وسيكتسب ذلك أهمية أكبر مع انخفاض أعداد السكان في سن العمل وتزايد صعوبات التوظيف.
ويمكن أن تساعد المشاركة المباشرة لأصحاب العمل على تصميم مناهج تعكس بصورة أدق الطبيعة المستقبلية للمهن العملية، التي ستعتمد بدرجة أكبر على التكامل بين القدرات البشرية والتكنولوجيا.
وتوضح مبادرة «سمارت ستارت» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي كيفية تطبيق هذا النهج.
إذ تهدف المبادرة إلى إعداد مليون شاب للعمل في قطاعي التصنيع وسلاسل الإمداد بحلول عام 2035.
ويتمثل هدفها الأساسي في تحسين الربط بين التدريب ومتطلبات المهارات الرقمية في هذه الوظائف، وزيادة جاذبية المسارات المهنية المرتبطة بها.
ويعني تحديث مناهج المهارات العملية أيضاً الاعتراف بسرعة ظهور الاحتياجات الجديدة للمهارات.
فهناك حاجة إلى برامج أقصر وأكثر استهدافاً لإنشاء مسارات أسرع للالتحاق بالمهن العملية التي يرتفع الطلب عليها.
وعندما تُصمم هذه البرامج بصورة جيدة، فإنها توفر طرقاً أسرع للوصول إلى فرص العمل، مع فتح المهن العملية أمام قاعدة أوسع من المواهب.
الإجراءات المطلوبة لتنفيذ الأولوية الثانية
مؤسسات التعليم والتدريب: التعاون مع أصحاب العمل لتحديد فجوات المهارات الرقمية لدى العاملين في المهن العملية، وفهم المزيج المطلوب من المهارات الرقمية والعملية للحصول على الوظائف، وإنشاء برامج تدريبية قصيرة الأجل تستجيب مباشرة لهذه الاحتياجات.
أصحاب العمل: تبادل المعلومات والبيانات حول كيفية تغيير التكنولوجيا للمهارات العملية، والمزيج المطلوب من المهارات العملية والرقمية داخل القوى العاملة.
الحكومات: الاستثمار في مرافق التدريب الحديثة والمعدات، واستقطاب المدربين وتطوير قدراتهم بصورة مستمرة.
الأولوية الثالثة: البدء في تنمية المهارات العملية في مراحل عمرية مبكرة
تتشكل أسس المهارات العملية خلال الطفولة، قبل وقت طويل من اختيار الشباب لمساراتهم المهنية.
ويساعد التعلم العملي المبكر على تطوير القدرات الحركية والحسية ومهارات حل المشكلات التي تعتمد عليها المهارات العملية.
ويسهم التعليم في مرحلتي الطفولة المبكرة والتعليم الابتدائي في تطوير هذه القدرات، بينما يعزز التعلم التطبيقي أيضاً الثقة بالنفس والإبداع والقدرة على حل المشكلات.
ومع ذلك، لا يزال التعلم العملي يحظى باهتمام محدود، مما يقلل فرص الأطفال في تطوير هذه القدرات أو اكتشاف اهتمامهم بصنع الأشياء والبناء.
وأصبح عكس هذا الاتجاه أكثر أهمية مع تقاعد العاملين ذوي الخبرة وارتفاع الطلب على المهارات العملية في التصنيع المتقدم والبنية التحتية والطاقة وغيرها من القطاعات.
وكما يتعلم كل طفل القراءة والكتابة والحساب، ينبغي أن تتاح لكل طفل أيضاً فرص التصميم والبناء والإصلاح والابتكار.
ويتطلب توسيع قاعدة المواهب المستقبلية الاستثمار في مراحل عمرية أبكر بكثير، وتنمية هذه القدرات داخل الفصول الدراسية.
الإجراءات المطلوبة لتنفيذ الأولوية الثالثة
مؤسسات التعليم والتدريب: دمج التعلم التطبيقي في جميع مراحل التعليم المبكر، والحفاظ على الأنشطة التي تنمي المهارات الحركية الدقيقة والتفكير المكاني وحل المشكلات العملية، بما يشمل الرسم وصنع الأشياء والبناء والأعمال اليدوية.
أصحاب العمل: إقامة شراكات مع المدارس للتعريف بالمهن العملية منذ سن مبكرة، من خلال المشاريع الصفية والزيارات إلى أماكن العمل والتحديات التطبيقية والإرشاد والعروض العملية التي تربط التعلم بالصناعات الحقيقية.
الحكومات: التعامل مع التعلم العملي بوصفه عنصراً تأسيسياً وليس اختيارياً، من خلال تعزيز مكانته في المناهج الوطنية، والاستثمار في قدرات المعلمين والمعدات الحديثة، وضمان حصول جميع الأطفال على فرص مستمرة لتطوير المهارات العملية منذ سن مبكرة.
الأولوية الرابعة: توسيع فرص التدريب المهني عالي الجودة والتعلم داخل بيئات العمل
تُكتسب المهارات العملية من خلال الممارسة. ويساعد التدريب المهني عالي الجودة والتعلم داخل أماكن العمل على بناء القدرات اللازمة للالتحاق بالوظائف الحالية والمستقبلية.
وتُعد الخبرة العملية داخل بيئة العمل ضرورية لتطوير المهارات العملية.
ويتطلب توفير هذه الفرص للمتعلمين تعاون أصحاب العمل ومؤسسات التعليم والحكومات.
وتستند مبادرة «فيرست مايل ساندبوكس» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى هذا المبدأ، من خلال جمع هؤلاء الشركاء لتطوير نماذج التعلم المقترن بالكسب واختبارها وتوسيع نطاقها، بما يشمل برامج التدريب المهني التي تعزز الانتقال من التعليم إلى التوظيف.
ويُعد هذا التعاون الوثيق سمة مشتركة لأنظمة التدريب المهني التي تحقق أداءً مرتفعاً.
ففي ألمانيا، على سبيل المثال، التي يُعترف بنظام تدريبها المهني على نطاق واسع بوصفه أحد الأنظمة الرائدة عالمياً، تُدار برامج التدريب المهني بصورة مشتركة بين القطاع الصناعي والنقابات العمالية والحكومة.
وتتولى هيئات ثلاثية الأطراف تطوير معايير التدريب وتحديثها بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل.
وتكتسب مشاركة الشركات الصغيرة والمتوسطة أهمية خاصة، لأنها توظف نسبة كبيرة من القوى العاملة، لكنها غالباً ما تفتقر إلى الوقت والموظفين والموارد اللازمة لتقديم برامج التدريب المهني بصورة مستقلة.
ويمكن للحكومات تقديم المساعدة من خلال تقليل الأعباء الإدارية وتوفير التمويل المشترك ودعم الجهات الوسيطة المحلية.
وفي الوقت نفسه، تستطيع الهيئات القطاعية ومؤسسات التدريب مساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة على تقاسم برامج التدريب المهني فيما بينها.
كما يمكن للشركات الكبيرة، عندما تسمح قدراتها بذلك، دعم هذه الجهود من خلال إتاحة مرافقها التدريبية وبرامج التدريب المهني وخبراتها التقنية للشركات الصغيرة والمتوسطة.
ويساعد ذلك على توسيع نطاق التعلم عالي الجودة داخل بيئات العمل، بحيث لا يقتصر على القوى العاملة التابعة للشركات الكبيرة نفسها.
وينبغي أيضاً الاعتراف بالتدريب المهني بوصفه مصدراً للقيمة الفورية للشركات، وليس مجرد استثمار طويل الأجل.
فيمكن للمتدربين تقديم أحدث المهارات الرقمية، بينما ينقل العاملون ذوو الخبرة معارفهم العملية وقدرتهم على التقدير المهني وحل المشكلات.
ويعزز هذا التبادل المتبادل قدرات القوى العاملة عبر الأجيال، مع بناء منظومة مستدامة للمواهب المستقبلية.
وينبغي أن يكون تبادل المعرفة بين المتدربين والعاملين ذوي الخبرة جزءاً من ثقافة أوسع للتعلم المستمر داخل بيئات العمل.
فمع تطور التكنولوجيا ومتطلبات المهارات، لا يمكن أن يتوقف التعلم بمجرد اكتساب العمال الخبرة.
ومع ذلك، فإن ضيق الوقت ومحدودية فرص التعلم والمتطلبات التشغيلية لبيئات العمل الميدانية تجعل التطوير المستمر للمهارات أكثر صعوبة مقارنة بالعاملين في الوظائف المكتبية.
ولذلك، ينبغي أن يكون التعلم داخل بيئة العمل عملياً ومتاحاً ومدمجاً في الأنشطة اليومية.
الإجراءات المطلوبة لتنفيذ الأولوية الرابعة
مؤسسات التعليم والتدريب: دمج التعلم عالي الجودة داخل بيئات العمل في البرامج المهنية، والتعاون مع أصحاب العمل لتحديد مخرجات تعليمية تعكس احتياجات القطاعات الصناعية.
أصحاب العمل: توسيع فرص التدريب المهني بصورة مباشرة أو من خلال اتحادات مشتركة، وتخصيص وقت للتعلم للعاملين في الخطوط الأمامية، والتعامل مع التدريب المهني والتعلم داخل بيئة العمل بوصفهما نموذجين للتبادل المعرفي.
ففي هذين النموذجين، ينقل العاملون ذوو الخبرة معارفهم التطبيقية، بينما يقدم المتدربون مهاراتهم الرقمية ووجهات نظر جديدة إلى بيئة العمل.
وعندما تتوافر الإمكانات، يمكن للشركات الكبيرة دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال مشاركة مرافق التدريب وبرامج التعلم داخل بيئات العمل والخبرات التقنية.
الحكومات: تسهيل تقديم برامج التدريب المهني والتعلم داخل بيئات العمل لأصحاب العمل، من خلال تقليل العوائق الإدارية وتوفير تمويل مشترك يمكن التنبؤ به أو دعم الأجور، وتبسيط الوصول إلى البرامج العامة، ودعم الجهات الوسيطة المحلية ومرافق التدريب المشتركة.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات التي لا تزال منظومة التعليم والتدريب المهني فيها قيد التطوير.
الأولوية الخامسة: ضمان وضوح المهارات العملية وإمكانية الاعتراف بها ونقلها
يحتاج العمال إلى وسائل موثوقة لإثبات قدراتهم، بغض النظر عن المكان أو الطريقة التي اكتسبوا بها مهاراتهم.
وتُكتسب المهارات العملية ويُثبت امتلاكها من خلال الممارسة، مما يجعل تقييمها باستخدام الأساليب الأكاديمية التقليدية أمراً صعباً.
ويمكن للتقنيات الجديدة أن تساعد على توسيع نطاق التقييم وجعله أكثر ارتباطاً بظروف العمل الفعلية، بما في ذلك استخدام المحاكاة الرقمية والبيئات التفاعلية.
ففي مجال إصلاح السيارات، على سبيل المثال، يمكن استخدام ورشة افتراضية لتقييم قدرة المتعلمين على فحص المكونات الصحيحة واختيار الأدوات المناسبة واتباع الإجراءات السليمة قبل العمل على مركبة حقيقية.
وينبغي أن يؤدي أصحاب العمل دوراً محورياً في تحديد المعايير، لضمان أن تقيس التقييمات القدرات التي تكتسب أهمية فعلية داخل الوظائف.
لكن التقييم وحده لا يكفي.
فالمهارات العملية تستمر في التطور طوال المسيرة المهنية، غير أن جزءاً كبيراً من هذا التعلم يظل غير ظاهر، لأنه يحدث من خلال الخبرة العملية بدلاً من التعليم الرسمي.
ويمكن للمؤهلات المعيارية والشهادات المصغرة وأنظمة الاعتراف بالتعلم السابق أن تجعل هذه القدرات أكثر وضوحاً، من خلال الاعتراف بالمهارات المكتسبة أثناء العمل والدورات التدريبية القصيرة والتعلم غير الرسمي.
ومن خلال تقسيم المهارات إلى وحدات أصغر قابلة للتحقق، تتيح هذه الأنظمة للمتعلمين تطوير مهاراتهم تدريجياً وتجميعها بمرور الوقت.
كما يسمح تصميمها المرن بالتكيف بسرعة أكبر مع احتياجات القطاعات المتغيرة، ويدعم التطوير المستمر للمهارات.
ولكي تصبح هذه المؤهلات مؤشرات موثوقة على الكفاءة، يجب الاعتراف بها لدى أصحاب العمل ومؤسسات التعليم وأنظمة المؤهلات المختلفة.
وحتى عندما تصبح المهارات واضحة وقابلة للإثبات، قد يظل العمال يواجهون صعوبات في الحصول على الاعتراف بها في أماكن أخرى.
ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، غالباً ما يواجه مقاولو أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء متطلبات ترخيص مختلفة من ولاية إلى أخرى، مما قد يمنعهم من قبول وظائف عبر حدود الولايات.
ومن شأن توسيع الاعتراف بالتراخيص والمؤهلات المتكافئة تسهيل انتقال العمال المؤهلين إلى المناطق التي تشهد أعلى مستويات الطلب على مهاراتهم.
الإجراءات المطلوبة لتنفيذ الأولوية الخامسة
مؤسسات التعليم والتدريب: تطوير أساليب تقييم بالتعاون مع أصحاب العمل، تعكس المهام الفعلية داخل بيئات العمل، وتوسيع استخدام المؤهلات المعيارية التي تعترف بالمهارات المكتسبة طوال المسيرة المهنية للمتعلمين.
أصحاب العمل: المشاركة في تصميم معايير التقييم، والاعتراف بالمؤهلات المعيارية والتعلم السابق عند اتخاذ قرارات التوظيف والترقية وتحديد الأجور.
الحكومات: بناء أنظمة للاعتراف بالمهارات تتيح نقل المهارات العملية بين أصحاب العمل والقطاعات والمناطق، من خلال وضع معايير تقييم مشتركة وأطر للمؤهلات وأنظمة للاعتراف بالتعلم السابق.
المساهمون والشكر والتقدير
يهدف مركز الاقتصاد الجديد والمجتمع إلى تمكين قادة الأعمال وصناع السياسات من اتخاذ القرارات، من خلال تقديم رؤى حديثة قابلة للتطبيق، بالتعاون مع الخبراء البارزين والشركات التي تمتلك البيانات.
ونعرب عن خالص تقديرنا للمؤسسات والأفراد الذين ساهموا في توفير البيانات التي استند إليها التحليل الوارد في هذا التقرير.
ومن بين هؤلاء:
سفينيا غوديل، كبيرة الاقتصاديين في إنديد.
بن هانويل، مدير أبحاث تحليل بيانات الأفراد في ADP.
يوست هاينز، الرئيس العالمي للاستخبارات والمعلومات في راندستاد.
أنينا هيرينغ، كبيرة الاقتصاديين في مختبر إنديد للتوظيف.
نيلا ريتشاردسون، كبيرة الاقتصاديين والمسؤولة عن الشؤون البيئية والاجتماعية والحوكمة في ADP.
واستفاد التقرير أيضاً من مشاورات فردية مع مجموعة من الخبراء الذين شاركوا معارفهم ووجهات نظرهم. وكانت مساهماتهم استشارية بحتة، ولا تعني ارتباطهم بالتحليلات والاستنتاجات الواردة في التقرير أو تأييدهم لها.
وشملت هذه المشاورات:
إيمي أريانو، نائبة الرئيس الأولى والرئيسة التنفيذية لشؤون الموارد البشرية في شركة غلف ستريم لصناعات الطيران.
كريغ أوستن غرينوود، رئيس التعلم التشغيلي في شركة مينزيس للطيران.
زين عطار، الرئيس التنفيذي للموارد البشرية في شركة التنمية الغذائية.
سيليا بيرينغير، الرئيسة العالمية للتعلم والتطوير في شانيل.
شانون كاستارد، نائبة الرئيس لشؤون التعلم واستقطاب المواهب في كارلسبرغ.
جاك دوان، نائب الرئيس الأول لاستراتيجية القوى العاملة في أوتوميشن أنيوير.
نانسي هوغ، الرئيسة التنفيذية لتجربة الموظفين في أوتوميشن أنيوير.
دون لويس، رئيس تطوير المهارات والتعليم في مجموعة ماهيندرا.
كريستيان نويربورغ، المدير العالمي المتخصص في حلول المواهب التشغيلية لدى راندستاد.
العزة محمدو، رئيسة مركز المهارات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
سانكيت باتيل، نائب الرئيس الأول ورئيس الموارد البشرية في ماهيندرا آند ماهيندرا.
كما يتقدم مؤلفو التقرير بالشكر إلى المجتمعات المهنية العديدة التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي التي ساهمت في إعداده، بما في ذلك مجتمع كبار مسؤولي التعلم، وتحالف مهارات المستقبل، والمجلس العالمي لمستقبل تنمية رأس المال البشري.
ويعرب المؤلفون أيضاً عن تقديرهم لدعم زملائهم في مركز الاقتصاد الجديد والمجتمع، ولا سيما سعدية زاهدي، وسريرام غوتا، وتانيا ميلبرغ، وخيمينا جاتيفا، وأليسون إيغلشام، وأوستاب لوتسيشين، ونيل أليسون، ومارتا غولين، وأديل جاكار، وريكي لي، وإيوين أو كاثاساي.
وأخيراً، يتوجه المؤلفون بالشكر إلى جميع المشاركين في تحرير التقرير وإنتاجه، بمن فيهم مايك فيشر الذي تولى التحرير.
فريق إعداد التقرير في المنتدى الاقتصادي العالمي
ماريو دي غريغوريو، أخصائي مبادرات المهارات في مركز الاقتصاد الجديد والمجتمع.
جينيسيس الحسين، مديرة ثورة إعادة التأهيل المهني ومبادرات المهارات في مركز الاقتصاد الجديد والمجتمع.
نيلز سيلينغ، مسؤول الرؤى المتعلقة بالتعليم والمهارات والتعلم في مركز الاقتصاد الجديد والمجتمع.
