القائمة الرئيسية

تقرير : من المرونة إلى النمو: دليل الاقتصاد الدائري لتعزيز تنافسية القطاع الصناعي والتصنيع

تقرير : من المرونة إلى النمو: دليل الاقتصاد الدائري لتعزيز تنافسية القطاع الصناعي والتصنيع
ملخص المقال

يناقش هذا التقرير دور الاقتصاد الدائري في تعزيز تنافسية القطاع الصناعي وقدرته على مواجهة اضطرابات سلاسل التوريد وتقلبات أسعار المواد الخام، مسلطاً الضوء على الفرص الاقتصادية التي يتيحها من خلال خفض التكاليف، وإطالة العمر التشغيلي للمنتجات، وابتكار مصادر جديدة للإيرادات. كما يستعرض أبرز التحديات التي تعيق التحول نحو نماذج الإنتاج الدائرية، ويقدم خارطة طريق عملية مدعومة بتجارب شركات عالمية رائدة، موضحاً كيف يمكن للتكنولوجيا والابتكار والشراكات الاستراتيجية أن تحول الاقتصاد الدائري إلى محرك للنمو والمرونة والاستدامة.

تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع شركة باين آند كومباني، سبتمبر 2026.

تمهيد

شكّلت السنوات القليلة الماضية اختباراً حقيقياً لقدرة سلاسل التوريد الصناعية على الصمود. فقد كشفت القيود المفروضة على الصادرات، والارتفاعات الحادة في أسعار السلع الأساسية، والاضطرابات الجيوسياسية، والتنافس على المواد الحيوية، مدى السرعة التي يمكن أن تؤدي بها القيود المفروضة على المدخلات الأساسية إلى إبطاء النمو. وأظهرت هذه التطورات خللاً هيكلياً في نماذج الإنتاج الخطية القائمة على افتراض توافر تدفقات وفيرة ومستقرة من الموارد.

وقد اختير قطاع الحلول الصناعية والتصنيع مجالاً استراتيجياً للتركيز ضمن مبادرة التحول نحو الاقتصاد الدائري. فاعتماد هذا القطاع الكثيف على المواد يجعله عرضة لسلاسل توريد متقلبة ومتركزة جغرافياً، الأمر الذي يزيد هشاشة النموذج الخطي ويعزز الحاجة إلى الانتقال نحو الاقتصاد الدائري على نطاق واسع.

بالنسبة إلى القادة الصناعيين، يتجاوز الاقتصاد الدائري كونه مجرد استراتيجية لتحقيق الاستدامة، إذ يمثل مصدراً للتنافسية والمرونة والنمو. وتكمن الفرصة في الأعداد الهائلة من الآلات والمعدات المستخدمة بالفعل. فمن خلال الإصلاح والتجديد والتحديث، تستطيع الشركات تعميق علاقاتها بعملائها وإيجاد مصادر إيرادات متكررة. ويمكنها أيضاً خفض التكاليف عبر استعادة المواد وتحسين كفاءة استخدام الموارد، والاستفادة من قيمة المخزونات الفائضة والسلع المرتجعة لتحسين رأس المال العامل. كما تساعد استعادة المواد وإعادة استخدامها على تقليل التعرض لتقلبات أسواق المواد الأولية التي تتركز إمداداتها لدى عدد محدود من الموردين.

وتؤكد نتائج الاستطلاع التنفيذي لعام 2026 بشأن الاقتصاد الدائري من أجل التنافسية والمرونة، الذي أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة باين آند كومباني، هذا الاتجاه. فمن بين المديرين التنفيذيين في قطاع الحلول الصناعية والتصنيع، يتوقع 70% أن تمثل النماذج الدائرية ما لا يقل عن 20% من إيرادات شركاتهم عند بلوغ كامل إمكاناتها، بينما يتوقع 65% انخفاض التكاليف التشغيلية. ومع ذلك، لا يزال هناك تفاوت بين الطموحات والإجراءات الفعلية، إذ لا تمتلك سوى 26% من الشركات رؤية واضحة لمدى تعرضها للمخاطر المرتبطة بالمواد الخام الحيوية والعناصر الأرضية النادرة.

وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة لأن النماذج الدائرية تتطلب قدرات جديدة واستثمارات أولية وإعادة تصميم العمليات التشغيلية وإقامة الشراكات. كما أن جدواها الاقتصادية ليست مضمونة تلقائياً، بل تنطوي على مفاضلات حقيقية.

وقد أُعد هذا الدليل خصيصاً لمعالجة هذا التحدي. واستناداً إلى رؤى المديرين التنفيذيين وتجارب الشركات التي نجحت بالفعل في توسيع نطاق تطبيق الاقتصاد الدائري، يقدم الدليل نهجاً عملياً من ثلاث خطوات: تحديد حجم المخاطر والقيمة الاقتصادية المعرضة للخطر، ووضع منهجية واضحة لاختيار إجراءات الاقتصاد الدائري الأكثر أهمية، ثم توسيع نطاق تطبيقها من خلال القيادة والتكنولوجيا والشراكات والتمويل.

ونتوجه بالشكر إلى فريق العمل القطاعي المعني بالحلول الصناعية والتصنيع التابع لمبادرة التحول نحو الاقتصاد الدائري، والمشاركين في الاستطلاع، والشركات التي شاركت تجاربها بشفافية. ونأمل أن يساعد هذا الدليل القادة الصناعيين على تحويل الاقتصاد الدائري من مجرد طموح إلى وسيلة لتحقيق ميزة تنافسية مستدامة.

الملخص التنفيذي

يُعد قطاع الحلول الصناعية والتصنيع أحد القطاعات الاقتصادية الرئيسية، غير أن اعتماده الكثيف على المواد يجعله عرضة لسلاسل توريد متقلبة ومتركزة جغرافياً وخاضعة للتجاذبات السياسية، مما يزيد عدم استقرار نماذج الإنتاج الخطية.

ووفقاً لنتائج استطلاع أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة باين آند كومباني عام 2026، وشمل 430 مديراً تنفيذياً رفيع المستوى في عشر صناعات وسبع مناطق جغرافية، من بينهم 94 مسؤولاً يقودون مؤسسات في قطاع الحلول الصناعية والتصنيع، فقد أدى هذا الواقع إلى انتقال الاقتصاد الدائري من كونه أولوية مرتبطة بالاستدامة إلى أولوية استراتيجية.

ويرى 80% من هؤلاء المسؤولين أن الاقتصاد الدائري مهم أو بالغ الأهمية لمؤسساتهم، ويرجع ذلك أساساً إلى تأثيره الإيجابي في أمن الموارد وخلق القيمة الاقتصادية. وترتفع هذه النسبة إلى 94% عندما يُسألون عن أهمية الاقتصاد الدائري خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وتُعد المكاسب المحتملة للاقتصاد الدائري كبيرة ومتعددة الأبعاد. فالشركات الدائرية تحقق بالفعل إيرادات متكررة وملحوظة. وعند بلوغ كامل الإمكانات الدائرية، تتوقع 70% من الشركات أن تساهم هذه الأنشطة بما لا يقل عن 20% من إجمالي إيراداتها.

ويساهم الاقتصاد الدائري كذلك في خفض التكاليف وزيادة الأرباح، إذ يتوقع 65% من المديرين التنفيذيين أن يؤدي إلى تقليل التكاليف التشغيلية عند بلوغ كامل إمكاناته، بينما يرى 77% من المشاركين أن تطبيقه على نطاق واسع يمكن أن يعالج بدرجة كبيرة التحديات المرتبطة بأمن الموارد. ويظل خفض الانبعاثات فائدة إضافية مهمة، وليس الدافع الأساسي وراء هذا التحول.

ومع ذلك، لم تتحول الطموحات بعد إلى تطبيق واسع النطاق. فلا تزال شركات عديدة عالقة بين الالتزام والتنفيذ بسبب مجموعة من العقبات، تشمل التحديات الاقتصادية، والتعقيد التشغيلي الناتج عن صعوبة دمج التدفقات الدائرية في الأنظمة المصممة للنماذج الخطية، وضعف الرؤية المتعلقة بمخاطر المواد، وعدم نضج الأسواق الثانوية، وتشتت منظومات الشراكات. وإضافة إلى ذلك، لا تزال هياكل الحوكمة والثقافة المؤسسية موجهة إلى حد كبير نحو النمو الخطي.

وتتبع الشركات التي نجحت في توسيع نطاق الاقتصاد الدائري نهجاً متسقاً وقابلاً للتكرار، يعرضه هذا الدليل في ثلاث خطوات.

تبدأ هذه الشركات بقياس مدى تعرضها لمخاطر المدخلات والقيمة الاقتصادية المعرضة للخطر، لتحويل المخاطر غير الواضحة إلى أولويات محددة تستند إلى أسس مالية. ثم تضع منهجية واضحة لتحديد المبادرات الدائرية الأعلى قيمة عبر دورة حياة المنتج. وأخيراً، تعمل على توسيع نطاق الإجراءات من خلال الاستثمار في العوامل الأساسية اللازمة للنمو.

وتشمل هذه العوامل دعم الإدارة العليا والحوكمة، والبيانات والتكنولوجيا، والشراكات ضمن المنظومة الاقتصادية، وتمويل رأس المال العامل والنفقات الرأسمالية، مع التعامل المبكر مع الأطر التنظيمية بوصفها عاملاً محفزاً.

وبالنسبة إلى الشركات السباقة، يمكن أن تتحول الإجراءات المتخذة اليوم إلى ميزة تنافسية في المستقبل.

لقد وصل قطاع الحلول الصناعية والتصنيع إلى لحظة تحول حاسمة، إذ بات الاقتصاد الدائري قادراً على تعزيز المرونة وإتاحة مصادر جديدة للقيمة الاقتصادية، بالتوازي مع تحقيق أهداف الاستدامة.

1. لحظة التحول الحاسمة

إن فرص النمو، إلى جانب تزايد اضطرابات الإمدادات والضغوط المرتبطة بالتكاليف، تعزز الجدوى الاقتصادية للتحول نحو الاقتصاد الدائري.

أبرز النتائج

يدخل نموذج الإنتاج الخطي مرحلة جديدة من الضغوط الهيكلية. فحجم قطاع الحلول الصناعية والتصنيع واعتماده الكثيف على المواد يجعلان منه قطاعاً معرضاً بصورة متزايدة لاضطرابات الإمدادات، وتقلب تكاليف المدخلات، وتركز توريد المواد الحيوية في عدد محدود من المصادر، والضغوط المستمرة على هوامش الربح. ولم تعد هذه الاضطرابات مؤقتة، بل أصبحت سمات دائمة لبيئة الأعمال. وستتمكن الشركات التي تتقن إدارة المواد والموارد بمرونة من التعامل بصورة أفضل مع هذه الظروف.

وتوجد مبررات اقتصادية قوية لتبني الاقتصاد الدائري. فالعمر التشغيلي الطويل للمنتجات والمعدات المستخدمة بالفعل في القطاع يمكن تحويله إلى محرك رئيسي للنمو، من خلال إطالة عمر المنتجات بواسطة الإصلاح والتجديد وإعادة التصنيع والتحديث، وتحسين الاستفادة منها عبر نماذج الأعمال القائمة على الخدمات، مثل التأجير وتقديم المنتجات بوصفها خدمات، واستعادة المنتجات والمكونات والمواد القيّمة عند انتهاء عمرها التشغيلي.

ويدرك المديرون التنفيذيون في القطاع هذه الفرص بالفعل، إذ يتوقع 70% منهم أن تمثل الأنشطة الدائرية ما لا يقل عن 20% من الإيرادات عند بلوغ كامل إمكاناتها، بينما يتوقع 65% انخفاض التكاليف التشغيلية. ويمكن للنماذج الدائرية أيضاً تحسين كفاءة رأس المال العامل، وحماية هوامش الربح، وتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر المتعلقة بالموارد.

يُعد قطاع الحلول الصناعية والتصنيع ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، إذ ينتج الآلات والمعدات وأنظمة التدفئة والتبريد والأجهزة الرقمية وتقنيات الاتصال التي تعتمد عليها الصناعة الحديثة. وقد حقق القطاع مبيعات بلغت نحو 10.6 تريليونات دولار في عام 2025، وساهم بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القيمة المضافة.

ويمتلك القطاع فرصة هائلة لقيادة الابتكار في الاقتصاد الدائري، إذ يمكن للممارسات الرائدة التي تُرسى في القطاعات الصناعية الأساسية أن تمتد آثارها إلى جميع القطاعات التي تخدمها.

وتُظهر نتائج استطلاع عام 2026 بشأن الاقتصاد الدائري من أجل التنافسية والمرونة أن الاقتصاد الدائري أصبح أولوية استراتيجية للقطاع. فقد أفاد ثلثا المشاركين بأن شركاتهم دمجت استراتيجيات دائرية في قسم واحد أو أكثر، أو أدرجت الاقتصاد الدائري بالكامل ضمن استراتيجياتها الأساسية.

ويصف 80% من المديرين التنفيذيين الاقتصاد الدائري بأنه مهم أو بالغ الأهمية لمؤسساتهم حالياً، مقارنة بنسبة 33% قبل ثلاث سنوات. ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 94% خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع زيادة نسبة الذين يعتبرونه بالغ الأهمية من 31% إلى 69%.

وتتمثل الأسباب الرئيسية التي تدفع الشركات إلى تبني المبادرات الدائرية في اعتبارات اقتصادية، مما يتيح فرصاً إضافية لتحويل الاقتصاد الدائري إلى أداة استراتيجية حقيقية للابتكار والتحول وخلق القيمة في قطاع الحلول الصناعية والتصنيع.

ومع تزايد المخاطر المرتبطة بالإنتاج الخطي، يمكن للقادة الذين يتبنون التفكير الدائري ويوسعون نطاق الحلول الدائرية أن يؤسسوا لميزة تنافسية مؤثرة.

ويقدم هذا الدليل مبررات قوية للتغيير تتجاوز تحسين التكاليف والاستدامة، ويحدد المجالات التي تنطوي على أكبر فرص خلق القيمة، ويرسم استراتيجية للتغلب على بعض العقبات التي تعترض تطبيق الاقتصاد الدائري على نطاق واسع. كما يستعرض تجارب شركات تتبنى الحلول الدائرية على نطاق واسع وتحقق تحسينات ملموسة في المرونة والأرباح والنمو.

1.1 تضافر العوامل يعزز الجدوى الاقتصادية للاقتصاد الدائري

على مدى عقود، عمل مصنعو السلع الصناعية باستمرار على تحسين كفاءة الإنتاج الخطي، وحقق هذا النموذج نتائج إيجابية. غير أن الإنتاج الخطي يواجه اليوم ضغوطاً متزايدة، وهي الضغوط نفسها التي تفتح المجال للاستفادة من الاقتصاد الدائري.

أولاً، يسعى عدد متزايد من شرائح العملاء إلى تأجيل النفقات الرأسمالية وإطالة العمر التشغيلي لمعداتهم، مع تحسين كفاءة استخدام الموارد. ويجعل ذلك العديد من عروض القيمة الدائرية مفيدة للعملاء والموردين على حد سواء، لأنها تعمق العلاقات بينهم وتحقق منافع مشتركة.

ثانياً، تعتمد معدات مثل التوربينات والضواغط والآلات الثقيلة وأنظمة الأتمتة على الفولاذ والألومنيوم والنحاس والنيكل والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة بكميات تجعل القطاع شديد الحساسية لنقص الإمدادات وارتفاع الأسعار. ونتيجة لذلك، أصبحت استعادة المواد وتجديد المعدات وتحسين كفاءة استخدام الموارد بدائل جذابة للاستمرار في الاعتماد على المواد الخام الأولية.

وأصبحت تقلبات الأسعار ظاهرة هيكلية. فعلى سبيل المثال، باتت صدمات الطاقة تؤثر في مجموعة واسعة من المدخلات الصناعية تتجاوز النفط والغاز.

وقد أدى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز في عام 2026 إلى اضطراب التجارة العالمية في النيتروجين والغاز الطبيعي المسال والنفط الخام، مما أثر في المدخلات الصناعية، بدءاً من الألومنيوم وصولاً إلى المواد الأولية المستخدمة في تصنيع الأقطاب السالبة للبطاريات.

وتزداد هذه التقلبات حدة بسبب تركز الإمدادات، إذ تتولى الصين وحدها تكرير الغالبية العظمى من عشرين معدناً استراتيجياً.

وقد تحول خطر تركز الإمدادات من احتمال نظري إلى واقع تشغيلي. ففي عام 2025، فُرضت 228 من القيود على استيراد المعادن الحيوية وتصديرها حول العالم. كما أجبرت ضوابط تصدير العناصر الأرضية النادرة شركة كبرى لتصنيع المركبات على إيقاف أحد مصانعها لمدة ثلاثة أسابيع بسبب عدم قدرتها على تأمين المغناطيسات عالية القدرة.

وتشير التوقعات إلى استمرار الضغوط الهيكلية على الإمدادات، إذ لن تتمكن الإمدادات العالمية المتبقية من العناصر الأرضية النادرة والغرافيت من تغطية سوى 35% إلى 40% من الطلب بحلول عام 2035، إذا تعطلت الإمدادات القادمة من المنطقة الجغرافية المهيمنة على الإنتاج.

وتؤدي هذه العوامل السلبية المتزامنة، إلى جانب اشتداد المنافسة وتحول المنتجات إلى سلع متشابهة يصعب تمييزها في مختلف قطاعات الحلول الصناعية والتصنيع، إلى تآكل الربحية. فقد انخفض متوسط هوامش الربح الإجمالية من 32% إلى 27% خلال السنوات الخمس عشرة المنتهية في عام 2024.

وتنعكس هذه العوامل المزعزعة للاستقرار في نتائج الاستطلاع، حيث أفاد 81% من المديرين التنفيذيين بأنهم يرجحون أو يرجحون بشدة التوجه نحو الاقتصاد الدائري بسبب ارتفاع تكاليف المواد الخام الأولية أو انخفاض توافرها.

1.2 قاعدة المعدات المستخدمة بالفعل تمثل فرصة التحول الكبرى

تُصمم الآلات الصناعية لتعمل لعقود. ويمكن تحديث هذا المخزون الهائل من الآلات والمعدات وتجديده ومشاركته وربطه بالخدمات السحابية أو تحويله بطرق تتيح فرص أعمال جديدة للمصنعين وشركائهم التجاريين في المراحل اللاحقة من سلسلة القيمة.

كما تخلق هذه الإجراءات فرصاً جديدة لخدمة العملاء وكسب ولائهم على امتداد العمر التشغيلي للمعدات.

وتمثل قاعدة المعدات المستخدمة بالفعل مخزوناً ضخماً من المنتجات والمكونات وقطع الغيار والمواد القابلة للاستعادة، في حين لا تستفيد الأنظمة الحالية إلا من جزء محدود من هذه القيمة.

وتبرز دورات الحياة الطويلة للمعدات أيضاً الأهمية الحاسمة للتصميم القائم على مبادئ الاقتصاد الدائري. فالمنتج الذي يُصمم دون مراعاة هذه المبادئ قد يكرس أوجه عدم الكفاءة لمدة تتراوح بين 20 و40 عاماً، ويحد من إمكانية إصلاحه أو تحديثه أو إعادة تصنيعه أو تفكيكه.

وبالتالي، فإن قرارات التصميم المتخذة اليوم ستحدد تدفقات المواد والقدرة التنافسية لجيل كامل أو أكثر.

وتساعد التشريعات التي تشجع استعادة المواد وإمكانية تتبعها والتصميم الدائري على تغيير العقليات، من خلال إتاحة الاستفادة من القيمة الدائرية للمعدات المستخدمة بالفعل. ويعتبر 63% من المديرين التنفيذيين في القطاع أن التنظيم والسياسات الحكومية من العوامل الرئيسية الداعمة لرحلتهم نحو الاقتصاد الدائري.

وفي أوروبا، تعمل لائحة التصميم البيئي للمنتجات المستدامة، وتوجيه الحق في الإصلاح، ولائحة التغليف ونفايات التغليف، على تشديد المتطلبات المتعلقة بتصميم المنتجات ومتانتها وقابليتها للإصلاح ومحتواها من المواد المعاد تدويرها.

وتدمج الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين مبادئ الاقتصاد الدائري من خلال تتبع البصمة الكربونية للمنتجات، وإنشاء مجمعات صناعية خالية من الانبعاثات الكربونية، والتوسع في استخدام المواد المعاد تدويرها.

وتعمل الهند على توسيع نطاق قواعدها المتعلقة بالمركبات التي انتهى عمرها التشغيلي، بينما أنشأت كوريا الجنوبية إطاراً للاقتصاد الدائري يشمل الإنتاج والتوزيع والاستخدام. أما اليابان، فتعمل من خلال استراتيجيتها لدورة المواد على تطوير أسواق للمواد المعاد تدويرها.

وتترتب على هذه التطورات آثار عميقة في قطاع الحلول الصناعية والتصنيع، إذ أصبحت القدرة التنافسية تعتمد بصورة متزايدة على التصميم الدائري، والقدرة على الإصلاح وإعادة التصنيع، ونماذج الأعمال القائمة على الخدمات، وإمكانية تتبع المنتجات، وتأمين الوصول إلى المواد الثانوية.

ويشير المديرون التنفيذيون إلى أن السياسات الحكومية يمكن أن تقدم دعماً إضافياً من خلال تسهيل حركة المواد والمنتجات عبر الحدود، وتعزيز توحيد المعايير لتقليل العقبات في سلاسل التوريد الصناعية العالمية.

1.3 إتاحة مصادر جديدة للإيرادات المتكررة

تتزايد الأدلة الداعمة للجدوى الاقتصادية للاقتصاد الدائري يوماً بعد يوم. وتبدأ هذه الجدوى بفصل نمو الأعمال عن استهلاك المواد، ثم تتعزز من خلال الابتكار، وإيجاد أنشطة ومصادر إيرادات جديدة، وتحسين استخدام رأس المال العامل، وتقوية هوامش الربح.

وتتمثل النتيجة في شركات أكثر قدرة على مواجهة صدمات الأسعار والسلع الأساسية، وأكثر استدامة، وتحظى بتقدير أكبر من عملائها.

وتحقق جميع شركات قطاع الحلول الصناعية والتصنيع تقريباً بعض الإيرادات من الأنشطة الدائرية حالياً، وتتراوح هذه الإيرادات في أغلب الحالات بين 5% و20% من إجمالي الإيرادات.

وتساعد النماذج الدائرية على تعزيز العلاقات الوثيقة مع العملاء والاحتفاظ بهم على المدى الطويل، من خلال التحديثات والتحسينات والصيانة والعروض القائمة على الخدمات، مما يفتح مسارات إضافية للنمو.

وتشترك هذه النماذج في منطق اقتصادي واحد، يتمثل في فصل نمو الأعمال عن استهلاك الموارد، وتحقيق دخل متكرر، وتعميق العلاقات مع العملاء، وتحويل قاعدة المعدات المستخدمة بالفعل إلى مصدر مستدام للقيمة.

كما توفر قيمة ملموسة للعملاء، سواء من خلال تحسين كفاءة استخدام الموارد وخفض النفقات التشغيلية، أو من خلال تأجيل النفقات الرأسمالية أو تقليلها نتيجة إطالة العمر التشغيلي للأصول.

1.4 مكاسب الكفاءة ملموسة وتنطوي على إمكانات كبيرة

يمثل الاقتصاد الدائري أيضاً أداة هيكلية لخفض التكاليف.

وتتحقق الوفورات أساساً من خلال تقليل الاعتماد على المواد الخام الأولية، وتحسين استخدام المواد، والقدرة على استخلاص القيمة من تدفقات النفايات والأصول غير المستغلة بالكامل.

ويُعد حجم هذه الفرصة كبيراً، إذ يتوقع 65% من المديرين التنفيذيين المشاركين في الاستطلاع أن يؤدي الاقتصاد الدائري إلى خفض التكاليف التشغيلية عند بلوغ كامل إمكاناته، بينما يتوقع 56% منهم تحقيق تخفيضات تبلغ 5% أو أكثر.

وعلى مستوى المنتجات، يمكن إعادة تصنيع الآلات المستعملة لاستعادة مواصفات المعدات الأصلية، بحيث تقدم أداءً يماثل أداء المعدات الجديدة، بتكلفة تعادل نحو 40% إلى 60% من تكلفة المعدات الجديدة.

ويمكن أن تتطلب عملية إعادة التصنيع مواد خام أقل بنسبة تصل إلى 85%، وطاقة أقل بنسبة تصل إلى 80%.

ويعيد ذلك تشكيل الجدوى الاقتصادية المتعلقة بقطع الغيار والمكونات.

ويمكن للتصميم الدائري أن يضاعف هذه المكاسب من خلال تقليل كثافة استخدام الموارد من المصدر، وزيادة المحتوى المعاد تدويره إلى أقصى حد، وتسهيل المراحل اللاحقة من الاقتصاد الدائري، بما في ذلك إصلاح مكونات السلع الرأسمالية وتحديثها وإعادة تصنيعها وتفكيكها.

1.5 فرص إضافية لتحسين رأس المال العامل

يمكن للاقتصاد الدائري تحسين الميزانيات العمومية للشركات، وهي ميزة لم تستغلها معظم المؤسسات بكامل إمكاناتها حتى الآن.

فإن تحويل المخزونات المرتجعة والراكدة إلى إيرادات بوتيرة أسرع، وتقليل تخزين المواد الخام، وتحسين استخدام الأصول، يجعل الاقتصاد الدائري أداة مهمة لتعزيز كفاءة السيولة النقدية على نطاق واسع.

ومن المتوقع أن تزداد أهمية تقليل تخزين المواد الخام خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع توقع تحقيق مكاسب كبيرة.

وعند بلوغ كامل إمكانات الاقتصاد الدائري، يتوقع 66% من المديرين التنفيذيين تحسناً في رأس المال العامل. ويتوقع 60% تحقيق مكاسب تبلغ 5% أو أكثر، بينما يتوقع 15% تحقيق مكاسب تحولية تصل إلى 20% أو أكثر.

وتحدد الشركات الناجحة في هذا المجال مسؤوليات واضحة، وتضع أهدافاً لتتبع جميع تدفقات النفايات، وسرعة تحويلها إلى قيمة اقتصادية، وحجم القيمة المستخلصة منها.

كما أن العديد من شركات قطاع الحلول الصناعية والتصنيع ملزمة بالاحتفاظ بقطع الغيار لمدة تتراوح بين 10 و15 عاماً للوفاء بالتزامات الضمان تجاه عملائها من مصنعي المعدات الأصلية وغيرهم.

ومن خلال اعتماد نهج استباقي لإعادة التصنيع، تستطيع الشركات الرائدة إنشاء منظومة اقتصادية إيجابية يستفيد فيها جميع الأطراف من القيمة المتحققة، بالتوازي مع تقليل مخزونات المنتجات والمكونات الجديدة.

1.6 الاقتصاد الدائري يعزز القدرة على الصمود

في قطاع يتعرض بشدة لتقلبات الإمدادات وتركزها، يبرز الاقتصاد الدائري وسيلة لتعزيز المرونة من خلال حماية الأرباح، وليس فقط زيادتها.

ومن هذا المنظور، يساهم الاقتصاد الدائري في تحقيق أهداف متعددة في الوقت نفسه. فهو يفتح مصادر إيرادات جديدة، ويتيح تحسين الكفاءة، ويوفر حماية من المخاطر المتعلقة بالمواد التي تؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتهدد الأنشطة الأساسية للشركات.

وقد تتجاوز تكلفة عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة بكثير تكلفة الاستعداد المسبق.

ويظل خفض الانبعاثات فائدة إضافية مهمة، لكنه لم يعد بالنسبة إلى العديد من الشركات السبب الرئيسي وراء تكثيف استثماراتها في الاقتصاد الدائري. فقد أصبحت الجدوى الاقتصادية لهذا التحول قائمة بصورة متزايدة على أسس مستقلة.

2. العقبات التي تعترض التنفيذ

يتطلب إطلاق الإمكانات الكاملة للاقتصاد الدائري تحولاً كبيراً في طريقة التفكير.

أبرز النتائج

لا تزال العوامل الاقتصادية والتشغيلية تحد من إمكانية التوسع. فغالباً ما تتطلب النماذج الدائرية استثمارات أولية وتكاليف تشغيلية، بينما قد تجد عوائد الاستثمار صعوبة في منافسة البدائل الخطية منخفضة التكلفة وواسعة النطاق.

وفي الوقت نفسه، يصعب دمج التدفقات الدائرية في النماذج التشغيلية المصممة لتدفقات خطية أحادية الاتجاه يمكن التنبؤ بها، لا سيما عندما تظل التحديات المرتبطة بالخدمات اللوجستية العكسية، وتفاوت جودة المواد المرتجعة، وتعقيد المعالجة، ونقص البيانات دون حل.

كما أن الظروف اللازمة لنضج المنظومة الاقتصادية لم تكتمل بعد. فمحدودية الرؤية المتعلقة بالمعدات المستخدمة بالفعل والمواد، وضعف تطور الأسواق الثانوية، وعدم اتساق الجودة والكميات، وتشتت الأطر التنظيمية، والقيود المفروضة على الصادرات، والتفاوت في تطور منظومات الشراكات، كلها عوامل تجعل تأمين المدخلات الدائرية الموثوقة ونقل المنتجات والمكونات والمواد عبر الحدود على نطاق واسع أمراً صعباً.

ولا تزال الحوكمة والثقافة المؤسسية ترتكزان على النمو الخطي. فغياب الوضوح بشأن المسؤولية عن دورة حياة المنتجات والمواد بأكملها، واستمرار ربط الحوافز بمبيعات الوحدات الجديدة وحجم الإنتاج، ومحدودية القدرات الداخلية، ومقاومة نماذج الأعمال الجديدة، كلها عوامل قد تُبقي التحول نحو الاقتصاد الدائري محصوراً في المشروعات التجريبية، حتى عندما تكون مبرراته الاستراتيجية واضحة.

تتمتع فكرة الاقتصاد الدائري بمبررات اقتصادية قوية، لكن مجموعة متشابكة من العقبات الداخلية والخارجية لا تزال تبطئ اعتمادها. وفيما يلي أبرز التحديات التشغيلية والثقافية التي تواجهها الشركات.

التحديات الاقتصادية التي تواجه الشركات الدائرية

لا تزال الشركات الدائرية تعمل على تحسين الجدوى الاقتصادية لنماذجها. وتُعد التكلفة أكبر عقبة أمام توسيع نطاق الاقتصاد الدائري.

فقد أشار 45% من المديرين التنفيذيين إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية للنقل والمعالجة، بينما أشار 35% إلى ارتفاع الاستثمارات الأولية. كما اعتبر 74% أن ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية أو العمالة يمثل عقبة محتملة أو محتملة للغاية.

وإضافة إلى ذلك، تُعد العوائد الضعيفة السبب الأكثر شيوعاً الذي يدفع الشركات إلى تعليق المشروعات التجريبية الدائرية.

وقد تكون الجدوى الاقتصادية في المراحل الأولى صعبة. فعلى سبيل المثال، تكبد البرنامج الوطني لإعادة تدوير نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية التابع لشركة أرتشيليك التركية متعددة الجنسيات، المتخصصة في تصنيع الأجهزة المنزلية، خسائر خلال سنواته الأولى، قبل أن يصل إلى نقطة التعادل مع تنامي وعي المستهلكين وتحسن معدلات جمع الأجهزة المستعملة.

غير أن تجربة الشركات الرائدة تُظهر أن الصبر يمكن أن يؤتي ثماره، إذ تساهم استثمارات الشركات السباقة اليوم في بناء مزايا تتعلق بالتكلفة في المستقبل.

صعوبة دمج التدفقات الدائرية في الأنظمة الخطية

لا تتناسب تدفقات الإنتاج الدائرية وسلاسل التوريد المرتبطة بها بسهولة مع الأنظمة الخطية الحالية، إذ يُعد إنشاؤها أكثر تعقيداً من البدائل التقليدية.

وتشير الشركات إلى مجموعة مشتركة من التحديات، تشمل إدارة التدفقات المعقدة للمنتجات المرتجعة، ومحدودية البنية التحتية للعمليات الدائرية، وعدم اتساق جودة المنتجات أو المواد المستعادة، وتنوع عمليات المعالجة، وصعوبة دمج العمليات الدائرية في سلاسل التوريد الخطية القائمة، وغياب أنظمة البيانات وإمكانية التتبع اللازمة لربط هذه العمليات واتخاذ قرارات سريعة وقابلة للتكرار على نطاق واسع.

فالأنظمة المصممة لتدفقات المواد والمنتجات في اتجاه واحد لا تتكيف بسهولة مع التدفقات العكسية.

وقد تمثل تكنولوجيا المعالجة نفسها عائقاً، إذ يظل تحسين نقاء المواد بالتوازي مع خفض تكاليف المعالجة تحدياً مشتركاً، وهو ما واجهته شركة كيوسيلز، التابعة لمجموعة هانوا والمتخصصة في الطاقة الشمسية، خلال تطوير عملياتها في الولايات المتحدة.

ضعف الرؤية يزيد المخاطر

لا تمتلك سوى 26% من الشركات رؤية شاملة لاعتمادها على المواد الحيوية.

وحتى عندما تكون الشركات على دراية جيدة بمدى تعرضها لهذه المخاطر، فإن الحصول على المواد الخام الثانوية وقطع الغيار المجددة غالباً ما يكون معقداً بسبب تفاوت الجودة والكميات المتاحة.

ولا تزال أسواق المواد الثانوية تمتلك مجالاً واسعاً للنمو. فنحو ثلث الإنتاج العالمي من الفولاذ والألومنيوم فقط يأتي حالياً من مصادر معاد تدويرها.

ويزداد الوضع صعوبة بالنسبة إلى المواد الحيوية، إذ تكاد بعض هذه المواد لا تُعاد تدويرها إطلاقاً، بينما تتراوح معدلات إعادة تدوير مواد أخرى بين 1% و5% فقط. أما العناصر الأرضية النادرة، فتقل نسبة ما يُستعاد منها حالياً عن 1%.

وغالباً ما تكون المواد الأكثر جدوى من حيث الاستعادة هي نفسها التي تمتلك أقل الأسواق الثانوية تطوراً، وهو ما يمثل فرصة للشركات السباقة.

ويحدد المديرون التنفيذيون المشاركون في الاستطلاع العوامل التي يمكن أن تساعد على تطوير هذه الأسواق، وفي مقدمتها اعتماد معايير جودة وشهادات معترف بها عالمياً، وفرض متطلبات بشأن المحتوى المعاد تدويره، وتوحيد قواعد شحن المواد عبر الحدود.

كما أشاروا إلى أهمية الحوافز الاقتصادية، مثل الإعفاءات الضريبية أو فرض رسوم على استخدام المواد الخام الأولية.

وقد تظل المواد الثانوية حالياً أعلى سعراً من بدائلها الأولية، بسبب محدودية وفورات الحجم والتكاليف المرتبطة بمراحل الجمع والمعالجة. غير أنه من المتوقع أن تتقلص هذه الفجوة مع نضج الأسواق.

تشتت منظومة الشراكات يبطئ التقدم

لا يزال بناء سلاسل القيمة الدائرية أمراً صعباً.

فقد أشار 22% من الشركات المشاركة في الاستطلاع إلى صعوبة العثور على الشركاء المناسبين، بينما أشار 13% إلى تحديات الاتفاق على ترتيبات تقاسم الأرباح.

ويرى نحو نصف المديرين التنفيذيين، بنسبة 46%، أن الشراكات والمنظومات الاقتصادية مهمة للأداء، لكن 6% فقط من الشركات تمتلك حالياً منظومة دائرية متكاملة تعمل بكامل طاقتها.

وتُعد القيود المفروضة على الصادرات، وغياب المعايير واللوائح التنظيمية المشتركة، من أكثر العقبات شيوعاً.

وبالنسبة إلى شركة شنايدر إلكتريك الفرنسية متعددة الجنسيات، المتخصصة في تكنولوجيا الطاقة والرقمنة والأتمتة، كان العثور على شركاء لإعادة التدوير يمتلكون القدرات التقنية المناسبة أكبر تحدٍّ واجهته أثناء توسيع مبادرتها لاستعادة الفضة ضمن نظام دائري مغلق.

وتؤكد هذه التجربة أن الشراكة المناسبة قد تتيح تحقيق تقدم لا تستطيع أي شركة إنجازه بمفردها.

الحوكمة والثقافة المؤسسية لا تزالان تميلان إلى الأنظمة الخطية

ترتبط بعض العقبات الأكثر تجذراً بالثقافة المؤسسية، وليس بالتكنولوجيا، خصوصاً في قطاع يقوم على السلع الرأسمالية المصممة للعمل لعشر سنوات أو أكثر.

فلا تزال مؤشرات الأداء الرئيسية والحوافز في شركات الحلول الصناعية والتصنيع تميل إلى مكافأة مبيعات المنتجات الجديدة. ولذلك، قد يواجه التحول نحو زيادة التحديث وإعادة التصنيع وعقود الخدمات المتكررة مقاومة داخلية، خصوصاً عندما يُنظر إلى نماذج الأعمال الجديدة باعتبارها منافسة للنموذج التقليدي المهيمن.

ومن ثم، فإن سد الفجوة بين الطموح والتوسع يعتمد على الحوكمة وطريقة التفكير بقدر اعتماده على التكنولوجيا ورأس المال.

وقد نفذت شركتا GEA، إحدى أكبر الشركات العالمية الموردة لأنظمة التصنيع لقطاعات الأغذية والمشروبات والأدوية، وترين تكنولوجيز، المتخصصة في تصنيع أنظمة التدفئة والتبريد، برامج مدروسة للتغيير الثقافي والتوعية الداخلية لإشراك فرق وحدات الأعمال في هذا التحول.

وكانت الشركتان تاريخياً ترتكزان على الهندسة ومبيعات المعدات.

وتؤكد تجربتاهما أن أحد أهم مفاتيح التحول يكمن غالباً في الثقافة المؤسسية، والتوجه الذي تحدده الإدارة العليا، والتصورات الداخلية لمعنى النجاح، وليس فقط في التغيير التكنولوجي أو المادي.

وهذه العقبات حقيقية، لكنها ليست مستحيلة التجاوز. فالشركات التي يستعرضها القسم التالي تعمل بالفعل على معالجتها، وتقدم تجاربها مساراً واضحاً ومنظماً لتوسيع نطاق الاقتصاد الدائري.

3. خارطة الطريق الناجحة للتحول نحو الاقتصاد الدائري

تتبع الشركات الرائدة التي نجحت في توسيع نطاق الحلول الدائرية استراتيجية واضحة تضمن تعزيز المرونة وتحقيق النمو.

أبرز النتائج

الاقتصاد الدائري طريقة تفكير وليس مجرد التزام مفروض. فالشركات التي تحرز تقدماً تتعامل بصورة مدروسة مع خلق القيمة عبر دورة حياة المنتج، وتركز جهودها على المجالات الأكثر تأثيراً، بما في ذلك مجموعات المنتجات والمناطق الجغرافية وشرائح العملاء التي يتيح فيها الاقتصاد الدائري مصادر جديدة للقيمة، أو يعزز المرونة، أو يحسن هوامش الربح.

ويبدأ التوسع بالقياس الكمي. فمن الضروري تكوين صورة واضحة عن أفضل الفرص الدائرية المتاحة، وتحديد المجالات التي تهدد فيها مخاطر المواد الأرباح.

ثم تأتي مرحلة تحديد المبادرات الأكثر أهمية. إذ تختار الشركات الرائدة المبادرات الدائرية التي تحدث تأثيراً حقيقياً، وتعمل على توحيد أساليب تنفيذها لضمان إمكانية تكرارها.

وأخيراً، يجري توسيع نطاق المبادرات من خلال مجموعة من العوامل الداعمة، تشمل التغييرات في الحوكمة، والبيانات والتكنولوجيا الجديدة، والشراكات ضمن المنظومة الاقتصادية، إلى جانب حوافز ومؤشرات أداء رئيسية جديدة ترتبط بالقيمة المتحققة على امتداد دورة حياة المنتج.

يحظى الاقتصاد الدائري بأهمية كبيرة في قطاع الحلول الصناعية والتصنيع، وتنطوي الفرص المرتبطة به على مكاسب اقتصادية ضخمة. غير أن الطموحات وحدها نادراً ما تكفي لتمكين الشركات من التوسع.

وما يميز الشركات الرائدة هو الانضباط، والتركيز الدقيق على المجالات التي يخلق فيها الاقتصاد الدائري أكبر قيمة، واعتماد نهج منهجي لتوسيع نطاق تطبيقه.

وتستخدم هذه الشركات الاقتصاد الدائري بوصفه استراتيجية متعددة الأغراض. فمن جهة، تبتكر مصادر إيرادات جديدة لتعظيم قيمة المعدات المستخدمة بالفعل وتعزيز العلاقات الوثيقة مع العملاء. ومن جهة أخرى، تحمي أعمالها من مخاطر المواد والإمدادات التي تهدد الأرباح.

ويحدد هذا القسم مساراً منظماً يتكون من ثلاث خطوات: قياس القيمة الاقتصادية المعرضة للخطر ومدى التعرض للمخاطر، وتحديد المبادرات الدائرية التي تتيح تحقيق تلك القيمة وتقليل المخاطر، ثم تعزيز العوامل اللازمة لتوسيع نطاق التنفيذ.

وتساعد هذه الخطوات مجتمعة الشركات على توجيه رأس المال ووقت الإدارة نحو المبادرات الأكثر أهمية، بدلاً من توزيع الجهود على قائمة طويلة من المشروعات التجريبية.

وقد طُور هذا الإطار بالتعاون مع مجتمع التحول نحو الاقتصاد الدائري التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، واستند إلى مشاورات مع المديرين التنفيذيين، ونتائج استطلاع عام 2026 بشأن الاقتصاد الدائري من أجل التنافسية والمرونة، ودراسات حالات لشركات صناعية رائدة، والدروس المستفادة من المؤسسات التي توسع بالفعل نطاق تطبيق الاقتصاد الدائري.

3.1 القياس الكمي: تحديد المخاطر وتقييم الفرص

يصعب الحفاظ على ترتيب واضح للأولويات دون أدلة موثوقة.

فحالياً، لا يمتلك سوى 26% من المديرين التنفيذيين في قطاع الحلول الصناعية والتصنيع رؤية كاملة لاعتماد مؤسساتهم على المواد الخام الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. كما لا تستخدم سوى 1% من الشركات مقاييس خارجية موحدة لتتبع الإيرادات الدائرية.

وتهدف مرحلة القياس الكمي إلى معالجة هاتين الفجوتين، من خلال تحديد مدى التعرض لمخاطر المدخلات، والتعرف على مصادر القيمة الدائرية التي تستحق الاستثمار.

تحديد مدى التعرض لمخاطر المواد

تتمثل إحدى المهام الأساسية في حصر المواد والمكونات الحيوية التي تعتمد عليها الشركة، بما في ذلك المواد الخام الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، وتتبع هذا الاعتماد بحسب وحدات الأعمال وخطوط المنتجات والموردين والمناطق الجغرافية.

ثم يجري تقييم كل عنصر من عناصر الاعتماد وفق بُعدين رئيسيين.

يتمثل البعد الأول في احتمال حدوث اضطراب، استناداً إلى أهمية المادة، وتقلب أسعارها، وتركز الموردين، والمخاطر المرتبطة بالدول، وخيارات الاستبدال، والأثر البيئي، وغيرها من العوامل.

أما البعد الثاني، فيتمثل في حجم التأثير المحتمل في الأرباح قبل الفوائد والضرائب، إذا أصبحت إمدادات المادة محدودة.

ويسمح الجمع بين البعدين بإعداد جدول أولويات يتضمن المخاطر الحرجة التي يجب معالجتها أولاً، والخيارات الاستراتيجية التي ينبغي تطوير بدائل لها، والعناصر التي تتطلب مراقبة ذات أولوية، والمخاطر الأقل أهمية التي يكفي تتبعها.

وتكون النتيجة خريطة واضحة للاعتماد على المواد، تحول مخاطر الإمدادات إلى خطة عمل تستند إلى أسس مالية.

ومن التقنيات الفعالة في هذه المرحلة اختبار الافتراضات الأعلى خطورة. فبدلاً من اختبار جميع المتغيرات بالدرجة نفسها، يركز القادة على الافتراضات الأساسية التي تستند إليها الصورة الكاملة للاعتماد على المواد، والتي قد يؤدي ثبوت خطئها إلى أكبر قدر من الضرر.

ثم يطورون سيناريوهات تستند إلى هذه الافتراضات.

ويسمح الكشف المبكر عن الافتراضات الرئيسية، قبل تخصيص رأس المال، بترتيب إجراءات الحد من المخاطر وفقاً للمخاطر الأكثر احتمالاً للتحقق.

وتوضح تجربتا شركتين صناعيتين كيفية تطبيق هذا النهج عملياً.

فتستخدم شركة GEA تقييماً منظماً للمخاطر المرتبطة بالطبيعة لتحديد السلع ذات الأولوية ومناطق التوريد المعرضة للمخاطر ضمن قاعدة مورديها.

أما شركة ترين تكنولوجيز، فقد طورت طريقة موحدة لرصد مخاطر الإمدادات على جميع المستويات، بدءاً من قطع الغيار والسلع الأساسية، وصولاً إلى المصانع والمنتجات والمؤسسة بأكملها.

دراسة الحالة الأولى: شركة GEA وتحديد الاعتماد على المواد عبر سلسلة القيمة

تدير شركة GEA مخاطر المواد من خلال التزامها بالمواد الخام وبرنامج المشتريات المستدامة، الذي يجمع بين التحليل الكمي لبيانات الشراء ومنهجية رسمية لتقييم أوجه الاعتماد على الطبيعة.

وتستخدم الشركة منهجية تحديد المواقع والتقييم والتحليل والاستعداد، المعروفة اختصاراً باسم LEAP، التي وضعتها فرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية المرتبطة بالطبيعة.

ومن خلال هذه المنهجية، تحدد الشركة بصورة منهجية السلع ذات الأولوية ومناطق التوريد الأكثر تعرضاً للمخاطر ضمن قاعدة مورديها.

وقد برزت مجموعات المنتجات المرتبطة بالفولاذ باعتبارها مجالاً رئيسياً للتركيز، نظراً إلى أهميتها في تصنيع معدات الشركة، ومدى تعرضها لكثافة الانبعاثات وتركز الإمدادات والمتطلبات التنظيمية.

وتُستخدم نتائج التقييم لتحديد مجموعة من الإجراءات ذات الأولوية.

وتلزم الشركة مورديها باستيفاء معايير الاستدامة، وتطبق ضوابط التوريد المسؤول للمعادن المرتبطة بمناطق النزاعات بوصفها ممارسة أساسية.

ولتعزيز قدرتها على الرؤية بما يتجاوز العلاقات المباشرة مع الموردين، طورت GEA برنامجاً للتواصل معهم بهدف تتبع منشأ المواد الخام إلى ما بعد الموردين المباشرين من المستوى الأول.

ويوفر ذلك رؤية لأجزاء من سلسلة التوريد تفتقر عادة إلى الشفافية.

كما تساعد المبادرات الصناعية، مثل SteelZero، على تعزيز استخدام الفولاذ منخفض الانبعاثات على مستوى السوق، بما يكمل جهود الشركة الخاصة بالتعاون مع الموردين.

وبذلك، حولت GEA عملية تقييم المخاطر إلى استراتيجية مشتريات استشرافية، تستفيد من المعلومات المتاحة لتعزيز المرونة والاقتصاد الدائري معاً.

دراسة الحالة الثانية: ترين تكنولوجيز ونهج منظم لتقييم تحديات المواد وفرصها

تعتمد ترين تكنولوجيز نهجاً منظماً لتحديد التحديات والفرص ذات الصلة بأعمالها وعملائها وأصحاب المصلحة ومراقبتها.

وفي هذا السياق، تواصل الشركة تطوير نهجها لتعزيز مرونة سلاسل التوريد والإدارة المسؤولة للموارد.

ويشمل ذلك استخدام المعلومات المستخلصة لتحديد أولويات الإجراءات المتعلقة بالمواد والتوريد والعمليات وتعزيزها باستمرار.

ومن خلال اعتماد التحسين المستمر، تعمل الشركة على تقوية مرونتها، ودعم القيمة المقدمة للعملاء، وتعزيز أدائها التجاري على المدى الطويل.

ويشكل الاقتصاد الدائري جزءاً مهماً من هذه الرحلة.

فمع استمرار تطوير استراتيجيتها الدائرية، ترى ترين تكنولوجيز فرصاً لاستخدام النهج الدائري في دعم المرونة، وتحسين الاستفادة من الموارد، والمساهمة في خلق القيمة الاقتصادية.

ومن هذا المنظور، لا يُعد الاقتصاد الدائري نشاطاً منفصلاً عن أداء المؤسسة، بل إحدى الوسائل التي تساعدها على تعزيز قدرتها على التكيف، وتقديم قيمة للعملاء، ودعم النمو طويل الأجل.

قياس قيمة الفرص المتاحة

تتمثل مهمة أخرى في تقييم مدى نضج الاقتصاد الدائري عبر سلسلة القيمة، لتحديد الأنشطة القائمة بالفعل، والمبادرات الجاهزة للتوسع، والمجالات التي يجب فيها إنشاء أنشطة دائرية من الصفر، والإمكانات الإجمالية لكل مبادرة.

فعلى سبيل المثال، تستخدم شركة سيمنز العالمية للتكنولوجيا إطار التصميم البيئي المتين لتقييم النضج وتحديد متطلبات التصميم البيئي الأكثر أهمية.

وتحسب الشركات الرائدة الإمكانات الكاملة لكل مبادرة من حيث الإيرادات، ووفورات التكاليف، وتحسين رأس المال العامل.

ثم تستخدم النتائج لإعداد خريطة لمصادر الأرباح الدائرية، توضح إمكانات هامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب مقارنة بالقيمة المطلقة لهذه الأرباح، مع التمييز بين القيمة المحققة بالفعل والقيمة التي لا تزال متاحة.

ويمكن أن تتراكم القيمة على ثلاثة مستويات في الوقت نفسه.

أولاً، يستفيد العملاء من تحسين كفاءة المنتجات، وخفض تكاليف دورة الحياة، وتعزيز ضمان الإمدادات.

ثانياً، تحقق الشركات إيرادات دائرية جديدة، وتخفض تكاليف الإنتاج، وتحسن رأس المال العامل.

ثالثاً، يستفيد المشاركون على امتداد سلسلة التوريد من تقليل تعرضهم لمخاطر نقص المواد وحماية هوامش أرباحهم.

وتحقق المبادرات الأكثر تأثيراً مكاسب على المستويات الثلاثة في الوقت نفسه، كما توضح تجربة شركة كيوسيلز.

دراسة الحالة الثالثة: هانوا كيوسيلز وقياس فرص إعادة تدوير الألواح الشمسية

تُعد هانوا كيوسيلز من الموردين الرئيسيين في أسواق الطاقة الشمسية السكنية والتجارية في الولايات المتحدة.

وتدير الشركة مشروع EcoRecycle by Qcells المتخصص في إعادة تدوير الألواح الشمسية داخل الولايات المتحدة.

ويمتلك المشروع وظيفة داخلية لتقييم القيمة الاقتصادية، بدعم من كيوسيلز، بهدف متابعة جدواه التجارية والعوامل الرئيسية المؤثرة في خلق القيمة.

وتشير التقديرات الداخلية لصافي القيمة الحالية ومعدل العائد الداخلي إلى أن المشروع مرشح لتحقيق ربحية كبيرة وكفاءة مرتفعة في استخدام رأس المال.

ومن المتوقع أيضاً أن يسترد قيمة استثماراته خلال فترة قصيرة نسبياً، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على معالجة الألواح الشمسية التي انتهى عمرها التشغيلي خلال السنوات المقبلة.

وقد نشأ المشروع داخل كيوسيلز، وأصبح يعمل حالياً بصورة مستقلة، مع استمرار حصوله على الدعم التقني من موقع التصنيع التابع للشركة في كارترزفيل.

ولا يزال المشروع في مراحله الأولى، ضمن سوق أمريكية لإعادة التدوير لم تصل بعد إلى مرحلة النضج.

ومع ذلك، فإن اتجاه الطلب واضح، إذ تشير التوقعات إلى أن حجم الألواح الشمسية المستهلكة سيصل إلى 3.7 غيغاواط بحلول عام 2030، ثم إلى 14.8 غيغاواط بحلول عام 2040.

وسيساهم هذا النمو في حجم الألواح التي تحتاج إلى المعالجة في تعزيز الجدوى المالية للمشروع بمرور الوقت.

3.2 تحديد الإجراءات: اختيار المبادرات التي تقلل المخاطر أو تخلق القيمة

بعد تحديد مجالات المخاطر الرئيسية ورسم خريطة لمصادر القيمة، تأتي الخطوة التالية المتمثلة في اختيار المبادرات الدائرية التي ينبغي اعتمادها.

ويجري ترتيب هذه المبادرات وفق بُعدين أساسيين.

يتمثل الأول في القيمة المحتملة، التي تجمع بين القدرة على تقليل مخاطر المواد وتحسين الأرباح قبل الفوائد والضرائب.

أما الثاني، فيتمثل في القدرة على تحقيق هذه القيمة فعلياً، استناداً إلى مستوى النضج، وحجم الاستثمار المطلوب، والمدة اللازمة لظهور النتائج، ومدى جاهزية المنظومة الاقتصادية.

ويسمح الجمع بين البعدين بتقسيم المبادرات إلى أربع مجموعات: مبادرات ذات أولوية ينبغي إطلاقها فوراً، ومبادرات منخفضة المخاطر يمكن تنفيذها بصورة انتقائية، وخيارات استراتيجية تتطلب تهيئة الظروف اللازمة أولاً، ومبادرات ينبغي خفض أولويتها والاكتفاء بمراقبتها.

وعملياً، تميل بعض الشركات إلى تنفيذ مزيج من المبادرات القصيرة والطويلة الأجل خلال رحلتها نحو تحقيق الاقتصاد الدائري الكامل.

وعندما تواجه مخاطر فورية تتعلق بالإمدادات، تبدأ معظم الشركات بحلول قصيرة الأجل، مثل الاعتماد على مصدرين أو عدة مصادر للتوريد، بنسبة 56%، والتنويع الجغرافي لمصادر الإمدادات، بنسبة 46%.

وتساعد هذه الإجراءات على تخفيف الضغوط، لكنها لا تقلل التعرض للمخاطر بصورة هيكلية.

وقد حققت شركات الحلول الصناعية والتصنيع تقدماً أكبر في النماذج الدائرية المرتبطة بالمنتجات مقارنة بالنماذج القائمة على الخدمات.

فقد نجحت 52% منها في توسيع نطاق خدمات الإصلاح والتحديث بالكامل، مقارنة بمتوسط يبلغ 36% على مستوى جميع الصناعات. كما وسعت 36% منها نطاق أنشطة التجديد وإعادة التصنيع بالكامل، مقارنة بمتوسط يبلغ 24%.

وفي المقابل، لا تزال نماذج الخدمات والملكية، مثل تقديم المنتجات بوصفها خدمات والتأجير، متأخرة، إذ لم تنجح سوى نسبة تتراوح بين 15% و20% من الشركات المشاركة في الاستطلاع في توسيع نطاقها بالكامل.

ويشير ذلك إلى وجود مجال كبير للنمو أمام المصنعين المستعدين للتحرك مبكراً.

وتتبنى أعداد متزايدة من الشركات الرائدة التفكير القائم على دورة الحياة بوصفه أداة استراتيجية للنمو، وليس مجرد إجراء للامتثال.

ويوفر هذا النهج تدفقاً مستمراً من المعلومات التي تدعم ابتكار المنتجات، وإعادة تصميم العمليات التشغيلية، وتطوير سلاسل التوريد، إلى جانب إنشاء مصادر إيرادات ونماذج أعمال جديدة.

وعندما يُدمج هذا التفكير على مستوى الإدارة التنفيذية، فإنه يحول ما يُنظر إليه غالباً باعتباره اختصاصاً هندسياً إلى موضوع استراتيجي يستحق اهتمام مجالس الإدارة.

وتوضح دراسات الحالات التالية كيفية تطبيق هذا النهج عملياً.

فقد دمجت شركتا GEA وترين تكنولوجيز الاقتصاد الدائري في جميع مراحل سلسلة القيمة، بدءاً من اختيار المواد، مروراً بخدمات دورة الحياة، وصولاً إلى استعادة المواد عند انتهاء العمر التشغيلي.

وتوضح سيمنز كيف يمكن لمنهجية إلزامية للتصميم البيئي على مستوى الشركة أن تدمج الاقتصاد الدائري بصورة منهجية في تطوير الأجهزة والبرمجيات والخدمات منذ المراحل الأولى للتصميم، التي يتحدد خلالها معظم الأثر البيئي للمنتج طوال دورة حياته.

وتبين تجربة شنايدر إلكتريك كيف يمكن لمبادرات تمتد لأكثر من عقد، بدءاً من استعادة الفضة ضمن دورة مغلقة وصولاً إلى الشراكات مع الموردين في المراحل الأولية لتأمين العناصر الأرضية النادرة، أن تشكل استراتيجية متكاملة لتعزيز مرونة إمدادات المواد.

أما تجربتا أرتشيليك وكيوسيلز، فتوضحان كيف يمكن لاستعادة المنتجات التي انتهى عمرها التشغيلي من خلال أنظمة خاصة بالشركات أن تحول تدفقات النفايات إلى مصادر آمنة للمواد الثانوية، وتخلق أنشطة تجارية قائمة على المنتجات المجددة.

دراسة الحالة الرابعة: GEA ودمج الاقتصاد الدائري في دورة حياة المعدات بالكامل

تعتبر GEA الاقتصاد الدائري أداة للتحول عبر دورة حياة معداتها طويلة العمر.

وتطمح الشركة إلى أن تكون جميع الحلول الجديدة التي تطلقها اعتباراً من عام 2030 جاهزة للتطبيق الدائري.

وقد اعتمدت الشركة نهجاً رسمياً للاقتصاد الدائري عام 2021، يقوم على خمسة مبادئ: التقليل، وإعادة الاستخدام، والإصلاح، وإعادة التصنيع، وإعادة التدوير.

وركزت في البداية على قطع الغيار ومواد التغليف، وحددت نهاية عام 2026 موعداً لامتثال جميع قطع الغيار المستخدمة في الخدمات ومواد تغليف الآلات لأحد هذه المبادئ الخمسة.

ومنذ عام 2024، وسعت الشركة نطاق البرنامج ليشمل حلول المعدات بالكامل، مع تعميم مبادئ التصميم الدائري على مختلف أقسامها.

وفي مجال تصميم المنتجات الدائرية، تُصمم المعدات بحيث تكون قابلة للصيانة والتحديث وإدخال التحسينات عليها.

وتعتمد الشركة سبعة معايير لتحديد الحلول الجاهزة للتطبيق الدائري، تشمل التصميم الكفء في استخدام الموارد، والاتصال الرقمي، ومفاهيم الخدمات الممتدة طوال العمر التشغيلي، وتعليمات التعامل مع المعدات عند انتهاء عمرها، وخيارات التشغيل دون استهلاك المياه العذبة، والتوافق مع الطاقة المتجددة، واستخدام قطع الغيار ومواد التغليف المتوافقة مع المبادئ الخمسة.

وفي مجال التوريد، تستهدف GEA استخدام أكثر من 50% من الفولاذ منخفض الانبعاثات بحلول عام 2030، بالتوازي مع تعزيز امتثال الموردين وتحسين البيانات المتعلقة بالبصمة الكربونية والمحتوى المعاد تدويره ومنشأ المواد، بهدف تعزيز إمكانية التتبع.

أما في عمليات دورة الحياة، فتتيح قاعدة المعدات المتصلة رقمياً المراقبة عن بُعد، والصيانة التنبؤية، وتحسين الأداء، مما يساعد على الحفاظ على المعدات في أفضل مستويات التشغيل لفترات أطول.

وفيما يتعلق بنماذج الأعمال، تستخدم الشركة اتفاقيات مستوى الخدمة، والتوائم الرقمية، وأدوات إدارة دورة حياة المنتجات، والمعدات المتصلة، لدعم الانتقال نحو شراكات مستمرة ترتكز على الأداء.

كما تعتمد نمو مبيعات الخدمات وحصتها من إجمالي المبيعات مؤشرين رئيسيين للأداء.

وتتيح حلول GEA أيضاً تدفقات مواد دائرية لعملائها، تشمل إعادة تدوير مادة البولي إيثيلين تيرفثالات، واستعادة زيوت الحمضيات، واستخلاص البوليمرات الحيوية من مياه الصرف الصحي.

وعند انتهاء العمر التشغيلي، تُوجه الآلات إلى الإصلاح أو التجديد أو إعادة التدوير، بحسب حالتها وقيمتها وأدائها، مع ضمان إمكانية تتبعها بالكامل.

ويتوسع برنامج الاقتصاد الدائري لدى الشركة لتحقيق أهداف عامي 2026 و2030.

وتشمل هذه الأهداف امتثال جميع قطع الغيار ومواد التغليف للمبادئ الخمسة بحلول عام 2026، وجعل جميع الحلول الجديدة جاهزة للتطبيق الدائري بحلول عام 2030، مع توفير تعليمات التعامل مع المعدات عند انتهاء عمرها وخيارات التشغيل دون استهلاك المياه العذبة.

وتستهدف الشركة أيضاً ربط 80% من قاعدة معداتها القابلة للخدمة رقمياً بحلول عام 2030، ورفع مبيعات الخدمات إلى 40% من إجمالي المبيعات، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 6%، بالتوازي مع نمو إيرادات التجديد والمنتجات التي تدخل دورة حياة ثانية.

دراسة الحالة الخامسة: ترين تكنولوجيز وتطبيق الاقتصاد الدائري عبر دورة حياة المنتج بالكامل

تعمل ترين تكنولوجيز، وهي شركة عالمية متخصصة في الابتكار المناخي، على تطوير استراتيجية للاقتصاد الدائري تشمل سلسلة القيمة بأكملها، من خلال التزامها بتصميم أنظمة دائرية بحلول عام 2030.

ويمتد هذا النهج من اختيار المواد وتصميم المنتجات إلى الخدمات وإعادة التصنيع وإعادة الاستخدام واستعادة المواد عند انتهاء العمر التشغيلي.

وتعتبر الشركة الاقتصاد الدائري أداة لتحويل أعمالها وتعزيز المرونة والنمو وخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الموارد، مع خلق قيمة للعملاء وسلاسل التوريد والشركة نفسها.

واستناداً إلى خبرتها الممتدة لعقود في إعادة التصنيع وخدمات دورة الحياة، تدير الشركة حالياً برنامجاً يخضع للحوكمة ويعتمد على مؤشرات الأداء الرئيسية، ويشمل تطوير المنتجات والتوريد والتصنيع والخدمات.

وتقوم استراتيجيتها على ست ركائز.

تتمثل الركيزة الأولى في اختيار المواد، حيث تعمل الشركة على زيادة المحتوى المعاد تدويره في الفولاذ والألومنيوم والنحاس والبلاستيك ومواد التبريد.

وفي إحدى الحالات، ارتفعت نسبة المحتوى المعاد تدويره في سبيكة ألومنيوم رئيسية من نحو 20% إلى 84% دون أي انخفاض في الأداء.

وتواصل الشركة، بالتعاون مع مورديها وفرق سلاسل التوريد، تطوير فرص التعاون للانتقال إلى بدائل توريد تحتوي على نسب أعلى من المواد المعاد تدويرها.

وتتمثل الركيزة الثانية في التصميم المستدام والدائري.

فقد دمجت الشركة مبادئ الاقتصاد الدائري في تطوير المنتجات عبر إطار مشترك يجمع فرق إدارة المنتجات والهندسة والمواد والكيمياء والعمليات والمشتريات.

ويساعد هذا الإطار على تحسين المتانة وقابلية الإصلاح والمحتوى المعاد تدويره والأداء الكربوني.

فعلى سبيل المثال، بدأت الشركة عام 2025 تطوير نظام دائري مغلق لمخلفات الفولاذ والألومنيوم والنحاس الناتجة عن منشآتها التصنيعية في أمريكا الشمالية.

وستواصل جمع الخردة المعدنية، وهي ممارسة تعتمدها منذ فترة طويلة، بهدف إعادة تدويرها أو استخدامها لتقليل هدر المواد المستخدمة مباشرة في الإنتاج.

وحيثما أمكن، تتعاون مع الموردين لإعادة توجيه مخلفات السلع والسبائك مرتفعة القيمة إليهم، بما يحافظ على قيمة المواد.

أما الركيزة الثالثة، فتشمل إعادة التصنيع والإصلاح.

وتعمل الشركة على استعادة المكونات المستعملة من خلال تفكيكها وتنظيفها وإصلاحها واختبارها وإعادة تجميعها، بما يحافظ على قيمتها ويقلل الحاجة إلى تصنيع مكونات جديدة.

وفي عام 2025، أعادت فرق الشركة حول العالم تصنيع أكثر من 9200 مكون، بما في ذلك الضواغط والمحركات ووحدات التحكم والمكونات الإلكترونية وأجهزة بدء التشغيل.

كما ساعدت إعادة التصنيع على توفير قطع غيار يصعب العثور عليها خلال فترات النقص التي شهدتها الصناعة.

وتتمثل الركيزة الرابعة في الصيانة وإطالة العمر التشغيلي والمشاركة.

وتساهم عمليات الإصلاح الشامل والتحديث التي ينفذها الفنيون، إلى جانب أدوات التشخيص المدعومة بالذكاء الاصطناعي، في الحفاظ على أداء المعدات بمستويات قريبة من المعدات الجديدة، وتأجيل استبدالها، وإطالة عمر الأصول.

أما الركيزة الخامسة، فتتمثل في إعادة الاستخدام وإعادة التوزيع.

وتساعد برامج التأجير وإعادة الشراء والتجديد والمنتجات المستعملة المعتمدة، بما في ذلك وحدات التبريد المستعملة المعتمدة التابعة لشركة ثيرمو كينغ، على إبقاء المعدات قيد الاستخدام وتحقيق تأثير مالي ملموس لمديري أساطيل المركبات.

وتتمثل الركيزة السادسة في إعادة التدوير.

إذ تدمج الشركة استعادة المواد في عمليات التصنيع والخدمات اللوجستية العكسية.

وفي منشأتها بمدينة غالواي الأيرلندية، تُفصل تدفقات النفايات وتُعاد توجيهها، بحيث تتحول الخردة المعدنية إلى مواد خام، والورق المقوى إلى مواد تغليف، والأخشاب إلى مواد عضوية تستخدم في تغطية التربة، مما يقلل تكاليف التخلص من النفايات ويحقق وفورات في المواد.

وتشير النتائج إلى تسارع التقدم، فقد ارتفعت إيرادات المنتجات والخدمات المعاد تصنيعها بنسبة 31% على أساس سنوي، لتصل إلى 282 مليون دولار في عام 2025.

كما استخدم 178 مشروعاً لتطوير المنتجات إطار التصميم الدائري، واحتوت 44% من المواد الأولية على محتوى معاد تدويره.

وساهمت استعادة مواد التبريد في تجنب انبعاثات تعادل 794,750 طناً من ثاني أكسيد الكربون، أي أكثر من ضعف مستويات عام 2024.

وحققت نحو 80% من منشآت التصنيع العالمية التابعة للشركة هدف عدم إرسال أي نفايات إلى مكبات النفايات.

وفي عام 2025، اعتمدت الشركة مقاييس وأهدافاً مخصصة لقياس أثر الاقتصاد الدائري، بما في ذلك استهداف وصول الإيرادات الدائرية إلى 10%، والالتزام بزيادة استخدام المواد الدائرية إلى أكثر من الضعف بحلول عام 2030.

ويمثل ذلك انتقالاً من ممارسات دائرية مدمجة في العمليات إلى برنامج رسمي يخضع للحوكمة ويستند إلى مؤشرات الأداء الرئيسية، مع توسيع نطاقه عبر تطوير المنتجات والتوريد والتصنيع والخدمات.

دراسة الحالة السادسة: سيمنز ودمج التصميم البيئي في الأجهزة والبرمجيات والخدمات

تساعد سيمنز قطاعات الصناعة والبنية التحتية والتنقل على الانتقال من النماذج الخطية إلى النماذج الدائرية من خلال تقنياتها.

ويتمثل أحد العوامل الرئيسية في نهجها للاقتصاد الدائري في تطوير منتجات دائرية.

وتدمج الشركة مبادئ الاقتصاد الدائري منذ المراحل الأولى للتصميم، التي يتحدد خلالها معظم الأثر البيئي للمنتج طوال دورة حياته، وذلك باستخدام إطار التصميم البيئي المتين.

ويستند هذا الإطار إلى مجموعة من معايير التصميم البيئي القائمة على دورة الحياة، التي تهدف إلى تحسين الأداء البيئي وكفاءة استخدام الموارد والخصائص الدائرية للمنتجات والخدمات بصورة منهجية.

وتغطي المعايير ثلاث مراحل رئيسية، هي استخدام المواد المستدامة، وتحسين الاستخدام، واستعادة القيمة.

ويُعد التصميم البيئي المتين منهجية إلزامية تشمل جميع الأجهزة والبرمجيات والخدمات ذات الصلة.

فبالنسبة إلى الأجهزة، يغطي الإطار استخدام المواد الثانوية والمواد الأقل تأثيراً في البيئة، وكفاءة استهلاك الطاقة أثناء التشغيل، والمتانة، وقابلية الإصلاح والتحديث وإعادة التدوير.

أما بالنسبة إلى البرمجيات، فيركز على استخدام الطاقة والموارد أثناء التطوير والتشغيل.

وفي مجال الخدمات، يأخذ في الاعتبار البصمة البيئية لتقديم الخدمة، ودور النماذج القائمة على الخدمات في تحسين أداء الأصول ومعدلات استخدامها وأعمارها التشغيلية.

وقد أصبح هذا الإطار أساساً لمنهجية Siemens EcoTech التي أطلقتها الشركة عام 2024، وتتيح مشاركة بيانات بيئية موحدة مع العملاء من خلال ملفات بيئية خاصة بمنتجات سيمنز.

ويُطبق التصميم البيئي المتين عبر ثلاث مراحل من النضج.

في المرحلة الأولى، تحدد الفرق متطلبات التصميم البيئي الأكثر أهمية وترتب أولوياتها.

وفي المرحلة الثانية، تقيس الآثار البيئية من خلال تقييم دورة الحياة.

أما المرحلة الثالثة، فتشمل تحديد إجراءات التحسين وتقييمها ودمجها في قرارات التصميم وعمليات إدارة دورة حياة المنتجات.

وتتيح الرقمنة توسيع نطاق تطبيق هذا الإطار عبر مجموعة منتجات الشركة.

إذ تستخدم سيمنز نهجاً رقمياً متكاملاً لتقييم دورة الحياة، بهدف توحيد طرق جمع البيانات البيئية وحسابها والإبلاغ عنها.

كما يعمل هذا النهج على أتمتة إدخال البيانات والحسابات، مما يتيح الحصول على نتائج قابلة للمقارنة بين وحدات الأعمال والعروض الخدمية المختلفة.

ويحقق تطبيق التصميم البيئي عبر مجموعة المنتجات تحسينات بيئية قابلة للقياس.

فعلى سبيل المثال، ينتج جهاز بدء التشغيل التدريجي المجدد SIRIUS 3RW5 انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أقل بنسبة 50% مقارنة بجهاز جديد، مع الحفاظ على مستويات الأداء وخصائص السلامة نفسها.

وبحلول السنة المالية 2025، شمل إطار التصميم البيئي المتين 67% من مجموعة منتجات سيمنز ذات الصلة، و69% من الإيرادات المرتبطة بها.

وتستهدف الشركة تطبيق الإطار على 100% من مجموعة منتجاتها ذات الصلة بحلول عام 2030، وتمكين عملائها من تجنب انبعاثات تراكمية تتجاوز مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

ولتسريع الانتقال إلى الاقتصاد الدائري من خلال التصميم البيئي، وضعت الشركة أهدافاً إضافية لعام 2030.

وتشمل هذه الأهداف التخلص التدريجي من مواد مختارة تثير القلق، واستبدال جزء من اللدائن الحرارية التقليدية ببدائل محسنة الاستدامة في 50% من المنتجات ذات الصلة، وتحقيق تغليف مستدام بنسبة 100%، وتوفير بيانات عن قابلية إعادة التدوير لجميع المنتجات ذات الصلة.

دراسة الحالة السابعة: شنايدر إلكتريك وتعزيز مرونة إمدادات المواد من خلال الاقتصاد الدائري

دمجت شنايدر إلكتريك الاقتصاد الدائري في استراتيجيتها لتعزيز المرونة، بهدف تقليل اعتمادها على المواد الأولية الحيوية، بما في ذلك الفضة والعناصر الأرضية النادرة والنحاس والفولاذ.

ويجمع نهجها بين توزيع سلاسل التوريد على مناطق جغرافية مختلفة، واستعادة المواد ضمن دورات مغلقة، والتصميم الدائري للمنتجات، واستبدال المواد، وإطالة العمر التشغيلي، وإقامة الشراكات مع الموردين في المراحل الأولية لسلاسل التوريد.

وتتمثل أولى ركائز هذا النهج في التوزيع الإقليمي للعمليات.

فمنذ إعادة تصميم شبكة سلاسل التوريد عام 2012، وإطلاق استراتيجيتها المخصصة والمستدامة والمترابطة عام 2019، وزعت شنايدر أنشطة التصنيع والهندسة والتوزيع على مناطق جغرافية متعددة، بهدف تقليل مخاطر تركز الإمدادات وإتاحة خدمات إعادة التدوير ودورة الحياة محلياً.

أما الركيزة الثانية، فتتمثل في الحوكمة وعمليات دورة الحياة.

فقد دمجت الشركة الاقتصاد الدائري في استراتيجيتها منذ عام 2015، من خلال شبكة CE100 التابعة لمؤسسة إلين ماك آرثر، وأصبح مرتبطاً حالياً بالإفصاح العام والإشراف التنفيذي وخدمات دورة الحياة.

فعلى سبيل المثال، تساعد خدمات التحديث EcoFit العملاء على تطوير المعدات المستخدمة وإطالة عمرها التشغيلي، بينما تدعم الصيانة التنبؤية المعتمدة على منصة EcoStruxure التدخل المبكر وتحسين الأداء، بما يساهم في إطالة عمر الأصول.

وتتمثل الركيزة الثالثة في استبدال المواد.

تسعى شنايدر إلى تقليل اعتمادها على المواد الخام الأولية. وتستخدم معدات التوزيع الكهربائي AirSeT الهواء النقي للعزل وتقنية الفصل بالفراغ بدلاً من غاز سداسي فلوريد الكبريت، مما يقلل الاعتماد على غاز ذي تأثير بيئي مرتفع ويخضع لقيود تنظيمية متزايدة.

كما يتضمن برنامج البيانات البيئية التابع للشركة نحو 120 ألف نقطة بيانات، تشمل معلومات عن المواد والبصمة الكربونية وخصائص المنتجات عند انتهاء عمرها التشغيلي.

أما الركيزة الرابعة، فتتمثل في استعادة المواد ضمن دورة مغلقة.

ولتقليل تعرضها لمخاطر المواد الحيوية، وسعت الشركة نموذجها لاستعادة الفضة ضمن دورة مغلقة في مصنعها بمدينة لو فودروي الفرنسية.

ويعتمد هذا النموذج على جمع مخلفات الفضة وفرزها، ثم إرسالها إلى شريك إقليمي لتنقيتها وإعادة إدخالها في الإنتاج.

وتحتفظ شنايدر بملكية الفضة طوال العملية، مما يساعد على خفض التكاليف وتقليل التعرض لتقلبات الأسعار.

وتتمثل الركيزة الخامسة في الشراكات مع الموردين في المراحل الأولية.

فقد ساعدت شراكة أبرمتها الشركة مع أرسيلور ميتال عام 2023 على إدخال الفولاذ المعاد تدويره في تصنيع الحاويات الكهربائية في أوروبا. كما تدعم اتفاقية أبرمتها عام 2026 مع شركة تورنغات ميتالز تنويع سلسلة توريد العناصر الأرضية النادرة.

وقد أسفرت هذه الجهود عن استعادة 428,450 طناً من المواد منذ عام 2017، متجاوزة الهدف المحدد.

كما أصبحت 48% من المواد المستخدمة مؤهلة للتصنيف ضمن المواد الخضراء، مقتربة من الهدف البالغ 50%.

وتأتي 90% من إيرادات الشركة من منتجات تفصح عن 14 خاصية بيئية أو أكثر، بينما يحقق مصنع لو فودروي وحده وفورات سنوية تبلغ نحو 1300 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

وتوضح تجربة شنايدر كيف يمكن للاقتصاد الدائري أن يتطور من مجرد نشاط لتقليل النفايات إلى أداة هيكلية لتعزيز أمن الموارد وحماية هوامش الربح.

دراسة الحالة الثامنة: أرتشيليك وإنشاء بنية تحتية وطنية لإعادة تدوير نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية

طورت أرتشيليك نموذجها للاقتصاد الدائري بالاعتماد على بنيتها التحتية الخاصة لإعادة تدوير المنتجات التي انتهى عمرها التشغيلي.

ويتيح لها ذلك الوصول المباشر إلى المواد المستعادة، والتحكم بصورة أفضل في الامتثال للمتطلبات المتعلقة بنفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية والخدمات اللوجستية العكسية.

وما بدأ برنامجاً للامتثال التنظيمي في تركيا أصبح اليوم ميزة اقتصادية حقيقية، مع تشديد أوروبا متطلباتها المتعلقة بالمحتوى المعاد تدويره.

ومنذ عام 2014، جعلت منشآتها المتخصصة في مدينتي إسكي شهير وبولو من أرتشيليك أول شركة في تركيا تعمل بوصفها منتجاً وشركة لإعادة التدوير في الوقت نفسه.

وتستعيد هذه المنشآت البلاستيك والمعادن والزجاج للمساهمة في الاقتصاد الدائري.

وتعتمد عملية جمع الأجهزة المستعملة على حملة تحمل اسم «لنعد إلى الطبيعة»، تقدم خصومات للعملاء مقابل إعادة أجهزتهم القديمة، بغض النظر عن علامتها التجارية.

ويُعاد استخدام البلاستيك المستعاد بصورة متزايدة في المنتجات الجديدة، بدءاً من مكونات غسالات الأطباق وصولاً إلى المواد المصنعة من زجاجات البولي إيثيلين تيرفثالات المعاد تدويرها وشباك الصيد.

كما تساهم مراكز التجديد التابعة للشركة، التي تعمل في مصانعها بتركيا منذ عام 1997، وتوجد حالياً أيضاً في المملكة المتحدة وإيطاليا ورومانيا، في إطالة العمر التشغيلي للمنتجات.

وخلال الفترة الممتدة من عام 2014 إلى عام 2025، عالج مصنعَا الشركة المتخصصان في نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية نحو 1.98 مليون وحدة.

وساهم استبدال المنتجات القديمة بمنتجات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة والمياه في توفير 597 غيغاواط ساعة من الطاقة، وتجنب انبعاثات تقارب 290 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون، وتوفير 9.4 ملايين طن من المياه.

وفي عام 2025 وحده، جددت الشركة 148,862 وحدة على مستوى العالم، مع مواصلة العمل لتحقيق هدفها المتمثل في رفع المحتوى البلاستيكي المعاد تدويره إلى 40% بحلول عام 2030.

دراسة الحالة التاسعة: هانوا كيوسيلز وإنشاء أول شبكة أمريكية مغلقة لإعادة تدوير الألواح الشمسية

أطلقت هانوا كيوسيلز مشروع EcoRecycle by Qcells عام 2025 لمعالجة نفايات الألواح الشمسية التي انتهى عمرها التشغيلي، وإنشاء سلسلة توريد محلية مغلقة لقطاع الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة.

ويُعد المشروع أول مبادرة من نوعها في البلاد، إذ يخدم الألواح الخاصة بشركة كيوسيلز، إلى جانب عملائها في القطاعات السكنية والتجارية والصناعية ومرافق الخدمات العامة.

وبالتكامل مع منشآت كيوسيلز في ولاية جورجيا، يشكل المشروع أول سلسلة توريد أمريكية متكاملة رأسياً للطاقة الشمسية، بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 8.6 غيغاواط.

ويقع المشروع في مدينة كارترزفيل بولاية جورجيا، ويمكنه عند تشغيله بكامل طاقته معالجة نحو 250 ميغاواط من الألواح الشمسية، أي ما يعادل 500 ألف لوح سنوياً.

وتشمل المواد المستعادة الزجاج والألومنيوم والفضة والنحاس.

وتُباع إطارات الألومنيوم التي لا تزال في حالة جيدة إلى منتجي الألومنيوم، ثم يعيد فريق كيوسيلز شراء الألومنيوم المستعاد لاستخدامه في تصنيع الألواح الشمسية في مصنع الشركة بمدينة دالتون.

ويؤدي ذلك إلى إنشاء دورة مغلقة مباشرة بين عمليات إعادة التدوير والتصنيع التابعة للشركة.

كما تُستعاد الفضة وتُعامل باعتبارها مادة مربحة نظراً إلى قيمتها السوقية المرتفعة.

ويمثل النحاس المستخرج من صناديق التوصيل مصدراً إضافياً للاستعادة، تعمل الشركة على تطوير سلسلة مستدامة لإعادة تدويره.

أما الزجاج، الذي يمثل المادة الأكثر وفرة من حيث الحجم، فتستعيده الشركة مع إمكانية إعادة استخدامه.

وقد أتاحت شراكة لجمع الألواح مع شركة Greentech Renewables افتتاح مراكز عامة في مدينتي تامبا وبالميتو بولاية فلوريدا، بوصفها خطوة أولى نحو إنشاء شبكة أوسع.

وفي الوقت نفسه، بدأت الولايات الأمريكية في تطوير أطر تنظيمية جديدة، مما يضع المشروع في موقع مناسب لتلبية الطلب المتزايد على خدمات الاستعادة المتوافقة مع المتطلبات القانونية.

ومن المتوقع أن يساهم البرنامج في تجنب انبعاثات تبلغ 32,595 طناً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، استناداً إلى طاقته المتوقعة لإعادة التدوير.

وسيساهم أيضاً في تقليل النفايات المرسلة إلى مكبات النفايات، وإعادة إدخال المواد المستعادة في سلاسل التوريد المحلية.

ويعزز ذلك بصورة مباشرة مرونة سلاسل التوريد المحلية، من خلال تقليل الاعتماد على الواردات.

وضع ميثاق لتنفيذ المرحلة الأولى

بالنسبة إلى المبادرات التي تستوفي معايير تحديد الأولويات، تضع الشركات الرائدة ميثاقاً لتنفيذ المرحلة الأولى، بهدف اختبار الجدوى الاقتصادية قبل تخصيص المزيد من رأس المال.

وتكتسب البنية التفصيلية لهذا الميثاق أهمية كبيرة، لأن الأسباب الأكثر شيوعاً التي تدفع شركات الحلول الصناعية والتصنيع إلى إيقاف المبادرات الدائرية تتمثل في ضعف العوائد الأولية، بنسبة 35%، وتغير الأولويات، بنسبة 19%.

ويُصمم ميثاق التنفيذ القوي للكشف المبكر عن هذه العقبات.

ويبدأ الميثاق بتحديد الهدف من المرحلة الأولى، مع توضيح المخاطر التي تعالجها المبادرة ومصادر القيمة التي تستهدفها وأسباب ضرورة تنفيذها في الوقت الحالي.

ثم يجري تحديد نطاق المبادرة، بما في ذلك نوع النشاط الدائري، وخط المنتجات، والمنطقة الجغرافية، وشريحة العملاء، والمواد المعنية.

وتشمل الخطوة التالية إعداد دراسة الجدوى الاقتصادية، من خلال تقدير الإيرادات المتوقعة، ووفورات التكاليف، والتحسينات المحتملة في رأس المال العامل، والأرباح قبل الفوائد والضرائب، والقيمة المرتبطة بالكربون والامتثال التنظيمي.

ويجب أن تكون هذه التقديرات واقعية وقابلة للقياس.

وبعد ذلك، تُعد خطة عمل تفصيلية تتضمن الجداول الزمنية، والمسؤولين عن التنفيذ، والموافقات، والتدريب، وخطة التواصل، والاعتماد المتبادل بين الأنشطة، ودورية الاجتماعات، وإجراءات الحد من المخاطر.

ويشمل الميثاق أيضاً تحديد التغييرات المطلوبة في نموذج التشغيل، سواء تعلقت بالتصميم أو التوريد أو الإنتاج أو الخدمات اللوجستية أو المبيعات.

كما يجب تحديد متطلبات البيانات والتكنولوجيا، والشركاء الرئيسيين، ونموذج التمويل والاستثمار.

وتُوضع مؤشرات أداء رئيسية استباقية ولاحقة لقياس نجاح المرحلة الأولى.

وأخيراً، تُحدد معايير واضحة لاتخاذ القرار بشأن توسيع نطاق المبادرة أو تعديل مسارها أو تعليقها أو إيقافها بعد انتهاء المرحلة الأولى.

وعند مراجعة النتائج، تتحقق الشركات من استكمال جميع الإجراءات الواردة في خطة العمل، واستمرار توافر الظروف التي ساهمت في نجاح المرحلة الأولى عند الانتقال إلى نطاق أوسع.

كما تراجع مدى تحقيق مؤشرات الأداء المستهدفة، ودقة تسجيل النتائج الفعلية والمتوقعة، والعوامل التي أحدثت أكبر تأثير.

وبناءً على ذلك، تتخذ القرار بشأن الخطوة التالية، وتحدد الاستثمارات والشراكات المطلوبة للانتقال إلى التطبيق الكامل.

3.3 توسيع نطاق التأثير: تهيئة الظروف اللازمة للنمو

حتى أفضل المبادرات الدائرية قد تتعثر إذا لم تتوافر الظروف المناسبة لتوسيع نطاقها.

ولذلك، تعمل الشركات الرائدة على تطوير أربعة عوامل داعمة بالتوازي، تتمثل في القيادة والحوكمة، والبيانات والتكنولوجيا، والشراكات ضمن المنظومة الاقتصادية وسلاسل التوريد، والتمويل.

1. القيادة والحوكمة

يتطلب توسيع نطاق الاقتصاد الدائري تولي الإدارة العليا المسؤولية، وتحديد صلاحيات اتخاذ القرار بوضوح، ومواءمة مؤشرات الأداء الرئيسية والحوافز، وتوزيع المسؤوليات بين فرق الاستراتيجية والمشتريات والعمليات والأنشطة التجارية والاستدامة والمالية.

وتُعد القيادة والحوكمة من أقوى العوامل الداعمة، إذ صنفها 56% من المديرين التنفيذيين باعتبارها ذات تأثير مرتفع أو تحولي.

ومع ذلك، لا تزال هذه الممارسات غير مطبقة بالقدر الكافي.

ولهذا السبب، تدمج الشركات الرائدة الاقتصاد الدائري في إدارة الأداء، من خلال مقاييس مثل القيمة المتحققة طوال دورة حياة المنتج، والقيمة الاقتصادية للعميل على امتداد علاقته بالشركة، وحصة الإيرادات غير الخطية الناتجة عن قاعدة المعدات المستخدمة بالفعل.

ويمكن للقادة الذين يوسعون نطاق الاقتصاد الدائري في عملياتهم الحصول على دعم الإدارة التنفيذية مبكراً، من خلال إعطاء الأولوية للمكاسب السريعة التي تحقق أثراً مالياً واضحاً.

وتؤدي قرارات الحوكمة دوراً حاسماً في دراسات الحالات التي تناولها التقرير.

فقد جعلت سيمنز منهجية التصميم البيئي المتين إلزامية، وحددت هدفاً لتغطية 100% من المنتجات ذات الصلة ضمن إطار الاستدامة الخاص بها.

كما دمجت ترين تكنولوجيز الأهداف المتعلقة بالاقتصاد الدائري في إدارة أداء الموظفين، وحددت هدفاً لرفع حصة الإيرادات الدائرية إلى 10% بحلول عام 2030.

ويعمل عدد متزايد من الشركات الرائدة أيضاً على إعادة صياغة الجدوى الاقتصادية للاقتصاد الدائري حول مفهوم النمو غير الخطي، بدلاً من التركيز حصرياً على الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك.

ويعكس ذلك إدراكاً بأن النماذج الدائرية يمكن أن تتيح مصادر إيرادات متكررة لا تستطيع النماذج الخطية الوصول إليها بحكم طبيعتها.

ويحول هذا المنظور الجدوى الاقتصادية للاقتصاد الدائري من مجرد تحسين كفاءة التكاليف إلى توسيع الأسواق، مما يفتح المجال أمام شركات الحلول الصناعية والتصنيع للمنافسة وفق أسس جديدة.

2. البيانات والتكنولوجيا

تعتمد العمليات الدائرية على إمكانية تتبع المواد والمكونات، وتوفير رؤية واضحة لقاعدة المعدات المستخدمة بالفعل، وجوازات سفر المنتجات الرقمية، والمعلومات المتعلقة بالأصول المتصلة بإنترنت الأشياء، والتوائم الرقمية.

ويتسارع اعتماد هذه التقنيات.

فقد بدأت 49% من شركات الحلول الصناعية والتصنيع بالفعل استخدام الذكاء الاصطناعي في مبادرة دائرية واحدة أو أكثر، بينما تخطط 40% لاعتماده خلال عام.

كما صنف 54% من المديرين التنفيذيين البيانات والتكنولوجيا باعتبارهما عاملين ذوي تأثير مرتفع أو تحولي.

وعند استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، يمكن الجمع بين بيانات المنتجات المتصلة، والمعلومات المتعلقة بالعملاء، وخرائط الاعتماد على المواد، وإشارات السوق، لتحديد الإجراء الدائري الأنسب الذي ينبغي اتخاذه لاحقاً.

وتوضح تجربة شركة فوكسكون للإنترنت الصناعي، المتخصصة في توفير حلول تكامل التصنيع الذكي، كيف يمكن توسيع نطاق نظام لإدارة النفايات قائم على البيانات ليشمل شبكة تصنيع كاملة.

وتستهدف GEA، على سبيل المثال، تحقيق الاتصال الرقمي لنسبة 80% من قاعدة معداتها القابلة للخدمة بحلول عام 2030.

ويؤدي الذكاء الاصطناعي دور طبقة المعلومات والتحليل الذكي في المؤسسات الدائرية، من خلال دعم التنبؤ بمخاطر المواد، وتحديد مصادر الأرباح الدائرية، وتحسين عمليات الاستعادة، وتقديم توصيات بشأن الإجراءات الأكثر ملاءمة عبر سلسلة القيمة.

دراسة الحالة العاشرة: فوكسكون للإنترنت الصناعي وإنشاء شبكة تصنيع واسعة النطاق خالية من النفايات ومدعومة بالتكنولوجيا

نجحت شركة فوكسكون للإنترنت الصناعي في توسيع نطاق نموذج خالٍ من النفايات ومدعوم بالتكنولوجيا، من خلال إطارها المتكامل للإدارة المستدامة للنفايات.

وقد أطلقت الشركة هذا الإطار عام 2024 ضمن وثيقتها الاستراتيجية بشأن القضاء على النفايات.

ويعتمد الإطار على ستة مبادئ، هي الرفض، والتقليل، وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير، والاستعادة، ورفض إرسال النفايات إلى مكبات النفايات.

وتُطبق هذه المبادئ عبر مراحل التوريد والتصميم والتصنيع والتوزيع وانتهاء العمر التشغيلي.

وتستخدم الشركة عمليات تدقيق تفصيلية للنفايات لتحديد مواقع تولدها ومسارات انتقالها بين المنشآت، مما يحول إدارة النفايات إلى عملية تحسين قائمة على البيانات.

وتُشارك النتائج عبر شبكة الشركة من خلال آليات منظمة للتغذية الراجعة.

ففي عام 2025، كشفت عمليات التدقيق التي شملت 15 موقعاً عن 18 حلاً فعالاً، جرى تبادلها مع تسعة مواقع أخرى، مما ساعد على تسريع توحيد الممارسات وتجنب تكرار جهود حل المشكلات.

وتستخدم الشركة منصة قائمة على إنترنت الأشياء لتتبع الطاقة والكربون في الوقت الفعلي، إلى جانب نظام رقمي شامل لتتبع المعادن المعاد تدويرها طوال دورة حياتها.

وفي معالجة الألومنيوم، ساعدت إمكانية التتبع الشركة على الوصول إلى معدل استخدام للألومنيوم المعاد تدويره بلغ 75%.

وانطلاقاً من موقع تجريبي واحد عام 2022، توسعت الشركة لتشمل 16 موقعاً حصلت على شهادة المستوى البلاتيني وفق معيار UL 2799 الخاص بعدم إرسال النفايات إلى مكبات النفايات.

وتستهدف الشركة تغطية جميع الوحدات الرئيسية المنتجة للنفايات بحلول عام 2030.

وفي عام 2025، حققت الشركة معدل إعادة تدوير واستعادة للنفايات غير الخطرة بلغ 96.1%.

كما وصلت نسبة استخدام المعادن المعاد تدويرها في تصنيع المكونات الدقيقة إلى 85%، مما ساهم في تجنب استخدام 43,086 طناً من المعادن الأولية، وخفض الانبعاثات السنوية بمقدار 590,621 طناً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

وأعادت الشركة أيضاً تدوير 19,823 طناً من مواد التغليف البلاستيكية.

وفي مجمعها بمدينة تاييوان الصينية، ساعد الفحص الرقمي للنفايات الخطرة على خفض تكاليف التخلص منها بمقدار 3.24 ملايين يوان صيني سنوياً، أي ما يعادل نحو 480 ألف دولار.

3. الشراكات ضمن المنظومة الاقتصادية وسلاسل التوريد

لا تستطيع سوى شركات قليلة بناء سلسلة القيمة الدائرية بالكامل بمفردها.

وتتيح الشراكات للشركات الرائدة الوصول إلى الموردين والعملاء وشركات إعادة التدوير وشركاء إعادة التصنيع ومقدمي الخدمات اللوجستية العكسية والشركات التكنولوجية والتحالفات الصناعية.

وقد صنف 46% من المديرين التنفيذيين المشاركين في الاستطلاع الشراكات باعتبارها ذات تأثير مرتفع أو تحولي.

وتؤدي الشراكات بصورة متزايدة دور أداة لتعزيز المرونة، من خلال تجميع الطلب، وتحقيق الاستقرار في إمدادات المواد المستعادة، وتقاسم البنية التحتية، وتقليل التعرض لتقلبات أسواق المواد الخام الأولية.

ويتزايد الاهتمام بالعمل الجماعي، إذ يشارك 52% من المديرين التنفيذيين بالفعل في تحالفات للمشترين أو يستكشفون إمكانية الانضمام إليها.

وقد سرعت شنايدر إلكتريك تطوير نموذجها المغلق لاستعادة الفضة من خلال العثور على شريك إقليمي مناسب لتنقية المواد، إلى جانب تأمين المواد من المراحل الأولية لسلاسل التوريد عبر شراكات متعلقة بالفولاذ والعناصر الأرضية النادرة.

وتعمل GEA من خلال مبادرات صناعية، مثل SteelZero، لزيادة الطلب على الفولاذ منخفض الانبعاثات.

4. التمويل

تتطلب سلاسل التوريد الدائرية استثمارات أولية، لكنها تحقق عوائد على المدى المتوسط.

ولذلك، تعمل الشركات الرائدة على تأمين التمويل اللازم لتغطية احتياجات رأس المال العامل، وتوسيع البنية التحتية الدائرية، ونماذج الخدمات، وأنظمة استعادة المنتجات، وقدرات إعادة التصنيع.

ولا تقل أهمية هيكلة التمويل عن حجم الأموال المتاحة.

فقد أعادت شنايدر إلكتريك تصميم تدفقاتها المالية الداخلية للاحتفاظ بملكية مخلفات الفضة، ودفع تكاليف التنقية فقط.

وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى تحسين رأس المال العامل، من خلال التخلص من فترات السداد الطويلة التي كان يفرضها تجار الخردة.

ويمكن لنماذج الإيرادات المتكررة أيضاً أن تجعل الاقتصاد الدائري قادراً على تمويل نفسه، كما توضح عروض إعادة التصنيع والتأجير لدى ترين تكنولوجيز.

وتؤثر الأطر التنظيمية في العوامل الداعمة الأربعة جميعها.

فبدلاً من التعامل مع القواعد المتطورة المتعلقة بالمواد الحيوية والمحتوى المعاد تدويره وإمكانية التتبع والمشتريات العامة والمسؤولية الممتدة للمنتجين باعتبارها مجرد أعباء للامتثال، تتفاعل الشركات الرائدة معها مبكراً للمساهمة في صياغة معايير قابلة للتطبيق والاستفادة من الحوافز المتاحة للشركات السباقة.

وتشمل هذه الحوافز المزايا الضريبية والإعانات وأفضليات المشتريات.

وعندما تُقاس المخاطر كمياً، وتُحدد المبادرات المناسبة، وتُعزز الظروف اللازمة للتوسع، يتحول الاقتصاد الدائري من أداة تفاعلية لإدارة المخاطر إلى مصدر حقيقي للميزة التنافسية.

فهو يحمي الأرباح من اضطرابات الإمدادات، ويفتح مسارات جديدة للنمو في ظل الضغوط المستمرة على هوامش الربح.

الخاتمة

أصبح التفكير الدائري عاملاً متزايد الأهمية في التميز التنافسي، وتتاح الفرصة للشركات التي تتخذ إجراءات مدروسة في الوقت الحالي لبناء مزايا مستدامة.

فالقوى المؤثرة في قطاع الحلول الصناعية والتصنيع هي قوى هيكلية وليست دورية، وهي تتضافر بصورة متزايدة.

ويواجه العديد من الشركات العاملة في القطاع ضغوطاً على أحجام الإنتاج وهوامش الربح، مع دخول عدد متزايد من المنافسين الجدد الذين يقدمون بدائل تنافسية، مما يزيد مخاطر تحول المنتجات إلى سلع متشابهة يصعب تمييزها.

ويتزامن ذلك مع تزايد مخاطر الاستغناء عن الوسطاء وفقدان الاتصال المباشر بالعملاء النهائيين.

وإضافة إلى ذلك، تؤدي تقلبات أسعار المواد وتركز الإمدادات وتشديد اللوائح التنظيمية إلى ارتفاع تكاليف النموذج الخطي، في الوقت الذي أصبحت فيه قاعدة المعدات المستخدمة بالفعل والمواد الثانوية ونماذج الأعمال الدائرية مصادر حقيقية للقيمة الاقتصادية.

وقد بدأت مجموعة من الشركات بالفعل تحويل هذا التلاقي بين العوامل إلى فرص لتعزيز المرونة وتحقيق النمو.

وبالنسبة إلى معظم المؤسسات، لم يعد السؤال يتمثل في ما إذا كان ينبغي تبني الاقتصاد الدائري، بل في مدى السرعة والفعالية اللتين يمكن بهما توسيع نطاق تطبيقه.

وتوجد خمس أولويات أساسية لحشد الشراكات الجماعية والتغييرات الهيكلية اللازمة لتوسيع الاقتصاد الدائري.

تتمثل الأولوية الأولى في تولي الإدارة العليا مسؤولية الاقتصاد الدائري.

ويعني ذلك جعله قضية استراتيجية أساسية مرتبطة بالأرباح والخسائر، مع تحديد مسؤوليات واضحة على مستوى الإدارة التنفيذية العليا، وصلاحيات اتخاذ القرار، ومؤشرات الأداء الرئيسية، والحوافز المرتبطة بالقيمة المتحققة طوال دورة حياة المنتج واستمرارية الإمدادات، بدلاً من التركيز على مقاييس النجاح الخطي وحدها.

أما الأولوية الثانية، فتتمثل في قياس المخاطر والقيمة الاقتصادية أولاً.

ويقتضي ذلك بناء قاعدة من الأدلة المتعلقة بالاعتماد على المواد ومصادر القيمة الدائرية، لضمان توجيه رأس المال واهتمام الإدارة نحو مجالات المخاطر والفرص الأكثر أهمية.

وتتمثل الأولوية الثالثة في التركيز ثم ترتيب مراحل التنفيذ.

وينبغي للشركات تركيز جهودها على المبادرات الأعلى قيمة عبر دورة حياة المنتج، والتقدم بصورة مدروسة، بدلاً من توزيع الموارد والجهود على عدد كبير من المبادرات.

أما الأولوية الرابعة، فتتمثل في الاستثمار في العوامل الداعمة.

ويشمل ذلك توفير البيانات والتكنولوجيا والشراكات ضمن المنظومة الاقتصادية وهياكل التمويل اللازمة لنقل المبادرات الدائرية من مرحلة الاختبار إلى التطبيق واسع النطاق، مع التخطيط لاحتياجات رأس المال العامل منذ البداية.

وتتمثل الأولوية الخامسة في المساهمة في تشكيل المنظومة الاقتصادية.

ويقتضي ذلك التفاعل المبكر مع المعايير واللوائح التنظيمية المتطورة، والانضمام إلى تحالفات المشترين والتحالفات الصناعية، للمساعدة على بناء الأسواق الثانوية التي لا تستطيع أي شركة إنشاءها بمفردها.

ولا يتطلب تنفيذ هذه الأولويات توافر ظروف مثالية.

فبالنسبة إلى قطاع الحلول الصناعية والتصنيع، يوفر الاقتصاد الدائري وسيلة لتأمين المدخلات الحيوية، وحماية هوامش الربح، وفتح مسارات جديدة للنمو، وإيجاد فرص إضافية لتعميق العلاقات مع العملاء، في الوقت نفسه.

وقد بدأت الشركات السباقة التي يستعرضها هذا الدليل رحلتها قبل أن تصل نماذج الأعمال الدائرية والأسواق الثانوية والمعايير والجدوى الاقتصادية إلى مرحلة النضج الكامل.

ومن خلال تحركها المبكر، طورت هذه الشركات القدرات التي تميزها اليوم.

إن الفرصة استراتيجية، والوقت المناسب للتحرك هو الآن.

وسيواصل المنتدى الاقتصادي العالمي توفير منصة تعاونية لدعم اقتصاد متنامٍ ومرن ومستدام، من خلال اعتماد الاقتصاد الدائري على نطاق واسع.

وكخطوة تالية، سيطلق المنتدى مخططاً شاملاً للاقتصاد الدائري يشمل قطاعات متعددة، وسيوسع نطاق هذا الدليل ليشمل قطاعات استراتيجية أخرى.

ويهدف ذلك إلى تحفيز العمل من خلال تحديد العوامل الرئيسية الداعمة للاقتصاد الدائري، التي تقود التحول على مستوى الصناعات بأكملها، مع تسليط الضوء على أفضل الممارسات التي تعتمدها الشركات الرائدة في هذا المجال.

المصدر

مقالات ذات صلة