- لم تعد الاكتشافات البيولوجية الخارقة وحدها كافية لبناء شركة ناجحة، فقد وصلت قيمة إحدى الشركات إلى أكثر من 3 مليارات دولار قبل أن تسهم القيود التي واجهتها في التصنيع والإخفاقات التجارية في انهيارها.
- يغيّر الذكاء الاصطناعي اقتصاديات تشغيل المصانع القائمة؛ فعلى سبيل المثال، نجح أحد مواقع إنتاج المستحضرات البيولوجية في تقليص الوقت اللازم لإدخال منتج جديد بنسبة 42%، بالتزامن مع زيادة حجم الإنتاج بأكثر من 40%.
- تستحوذ الصين على أكثر من 70% من إجمالي إنتاج التخمير البيولوجي العالمي، وفقًا لبيانات رسمية صينية، ولا تستند ميزتها التنافسية إلى الدعم الحكومي وحده.
أمضى قطاع الابتكار الحيوي عقودًا في محاولة حل تحديات الاكتشاف العلمي، لكن العديد من أهم التحديات اليوم أصبحت راسخة في مرحلة التصنيع والتحول إلى الإنتاج الصناعي.
وفي قطاعات الغذاء والمواد الكيميائية والمواد والصحة والوقود، تتعلم الشركات الدرس نفسه: الاختراقات العلمية وحدها لا تخلق قدرة تنافسية صناعية. فالنجاح يتوقف على إمكانية تصنيع المنتجات البيولوجية بتكلفة اقتصادية وعلى نطاق تجاري واسع.
ولا تزال عملية التوسع من المختبر إلى الإنتاج الصناعي غير خطية بطبيعتها. فالعمليات التي تحقق نتائج جيدة داخل المفاعلات الحيوية المختبرية كثيرًا ما تصبح غير مجدية اقتصاديًا أو غير مستقرة من الناحية التقنية عند تطبيقها على أحجام إنتاج صناعية. وتنخفض معدلات الإنتاج، وترتفع تكاليف عمليات التنقية والمعالجة اللاحقة، كما تُدخل الأنظمة البيولوجية مستويات من التباين لا تواجهها عادةً عمليات التصنيع التقليدية.
عنق الزجاجة في علم الأحياء لم يعد داخل المختبر
تُظهر الفجوة بين ما تستطيع شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية بناءه وبين ما تمتلكه الشركات الصناعية القائمة بالفعل جوهر هذه المشكلة بوضوح. فعلى سبيل المثال، تعمل شركة Every Company على هندسة الخميرة لإنتاج بروتينات البيض. وبدلًا من محاولة بناء قدراتها التجارية الخاصة من الصفر، عقدت الشركة شراكة مع BioBrew، وهي ذراع متخصصة في التخمير أنشأتها وحدة المشاريع التابعة لشركة AB InBev، ما أتاح لها الوصول إلى بنية تحتية لصناعة الجعة تعمل بأحجام تتراوح بين 500 ألف ومليون لتر.
وهذه قدرات إنتاجية تراكمت على مدى قرن من صناعة الجعة، وهي أكبر بدرجات هائلة من أي قدرة يمكن لشركة ممولة برأس المال الاستثماري أن تمول بناءها بمفردها. كان العلم والتكنولوجيا ملكًا لشركة Every، أما خزانات الإنتاج فلم تكن كذلك.
أما السيناريو المعاكس فهو مفيد بالقدر نفسه لفهم الدرس. فقد طرحت شركة Zymergen أسهمها للاكتتاب العام في أبريل 2021 بقيمة سوقية تجاوزت 3 مليارات دولار، مدعومة بقوة منصتها للهندسة البيولوجية، في وقت أوضحت فيه نشرة الاكتتاب الخاصة بها صراحة: "ليست لدينا قدرات تصنيع تجارية خاصة بنا على نطاق واسع."
وفي نهاية المطاف، لم يتمكن المصنعون المتعاقدون معها من ضمان استمرار الإمدادات إلى ما بعد نهاية ذلك العام. وعندما واجه العملاء مشكلات تقنية في استخدام المنتج الرئيسي للشركة، وتبين أن حجم السوق المستهدف أصغر مما كانت تتوقعه، لم تكن لدى الشركة قاعدة تصنيع خاصة بها يمكنها الاعتماد عليها عند حدوث الأزمة.
وفي غضون أربعة أشهر فقط من إدراج أسهمها في البورصة، أعلنت الشركة أنها لا تتوقع تحقيق أي إيرادات خلال عام 2021، ثم جرى بيعها في العام التالي مقابل 300 مليون دولار. كانت التكنولوجيا البيولوجية تعمل، لكن قاعدة التصنيع اللازمة لتحويلها إلى نشاط صناعي ناجح لم تكن موجودة.
والدرس هنا هو أن علم الأحياء قد يكون مصدر الابتكار، لكن القدرة التصنيعية ستحدد بصورة متزايدة من سيتمكن فعليًا من الاستحواذ على القيمة الاقتصادية التي يولدها ذلك الابتكار.
كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي قطاع التصنيع الحيوي
تركز معظم النقاشات الحالية بشأن الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء على تصميم بروتينات أفضل، وهندسة سلالات بيولوجية أكثر كفاءة، وتسريع عمليات الاكتشاف. ولا شك أن هذه التطورات مهمة، لكنها على الأرجح لن تكون وحدها العامل الذي يحدد الميزة التنافسية في المستقبل. فالحدود الجديدة للتصنيع الحيوي تتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين عملية التصنيع نفسها.
وتسهم التوائم الرقمية، والتحكم في العمليات في الوقت الفعلي، والصيانة التنبؤية، والتخمير المستمر، والتحسين الآلي للعمليات، في جعل الإنتاج البيولوجي أكثر قابلية للتنبؤ والتكرار والتمويل.
وقد بدأت هذه الأدوات بالفعل بالعمل داخل المصانع، وهي تحقق تخفيضات ملموسة في تكاليف الإنتاج المرتبطة بالعمليات، وفي الفترات الزمنية المطلوبة، وفي حجم الانبعاثات.
فعلى سبيل المثال، أضاف موقع شركة Bristol Myers Squibb المتخصص في إنتاج المستحضرات البيولوجية والعلاجات الخلوية في ديفينز بولاية ماساتشوستس أكثر من 30 تطبيقًا للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية إلى مصنع قائم بالفعل، ودرب النماذج باستخدام بيانات العمليات التي كانت المنشأة تنتجها أصلًا.
وأدت هذه الخطوات إلى تقليص الوقت اللازم لإدخال منتج جديد بنسبة 42%، وزيادة حجم الإنتاج الصناعي بأكثر من 40%، وخفض الانبعاثات بأكثر من 40%.
وطورت شركة Sanofi أنظمة مماثلة ودمجتها في قرارات الإنتاج والجودة عبر شبكة مصانعها. وتشير الشركة إلى أن إدارة الانحرافات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسهمت في خفض الوقت اللازم لإغلاق ومعالجة الانحرافات التصنيعية البسيطة بنسبة 60%، بينما أصبح من الممكن حاليًا التنبؤ بنحو 80% من اضطرابات المخزون قبل حدوثها.
غير أن هناك قيدًا مهمًا يحدد حدود هذه المرحلة من التطور: فمعظم هذه الابتكارات لا تزال ذات طابع استشاري وليست مستقلة بالكامل. تراقب النماذج العمليات، وتتنبأ بالمشكلات، وتشخّصها، لكن لا توجد اليوم عمليات تصنيع حيوي معتمدة من الجهات التنظيمية تسمح للتوأم الرقمي بالتدخل مباشرة وبصورة مستقلة في عملية الإنتاج.
كما أن أيًا من هذه التطورات لا يمكنه أن يحل محل البنية التحتية المادية نفسها. فالتحسين القائم على البيانات يمكنه جعل جهاز تخمير موجود بالفعل أكثر إنتاجية، لكنه لا يستطيع إنشاء جهاز تخمير جديد من العدم.
وفي نهاية المطاف، ستكون الشركات والدول القادرة على توليد أكبر قدر من بيانات التصنيع عالية القيمة، وليس فقط أكبر قدر من البيانات البيولوجية، هي التي ستتمكن من ترسيخ أقوى المواقع التنافسية.
أين يتسارع الانتقال إلى التصنيع الصناعي؟
تستفيد الصين من استثمارات كبيرة وسياسات قوية واستشرافية في هذا المجال. لكن إحدى المزايا الأقل فهمًا التي تتمتع بها تتمثل في قدرتها على التنسيق.
ويضع مؤشر نضج السياسات المرتقب، الصادر عن مبادرة الاقتصاد الحيوي التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، أرقامًا واضحة لهذه الحقيقة. فمن بين نحو ألف أداة من أدوات سياسات الاقتصاد الحيوي جرى تقييمها في سبع مناطق جغرافية، تمثل الحوافز المالية نحو 18.5% فقط من الأدوات التي جرى تقييمها في الصين.
وهذه هي أدنى نسبة في الدراسة، كما أنها تقل عن نصف النسبة المسجلة في الهند والبالغة 38.4%. وبينما تجعل كل دولة أخرى تقريبًا التمويل محورًا رئيسيًا لسياستها في مجال الاقتصاد الحيوي، لا تفعل الصين ذلك.
أما المحور الرئيسي في السياسة الصينية فيتركز بدلًا من ذلك على تطوير البنية التحتية والقدرات، والأدوات التنظيمية، وقدرات التنسيق والحوكمة. وتمثل هذه العناصر مجتمعة نحو 25% من محفظة السياسات الصينية، أي ما يقارب ضعف متوسط النسبة المسجلة في بقية المناطق الجغرافية التي شملها التقييم.
وفي الصين، تتقدم الاستراتيجية الصناعية الوطنية والبنية التحتية التصنيعية وقدرات الذكاء الاصطناعي والتمويل والتسويق التجاري بالتوازي مع بعضها بعضًا. وبدلًا من التساؤل عما إذا كان ينبغي تحويل علم الأحياء إلى منصة صناعية، تركز الصين على السرعة التي يمكن بها تحويل علم الأحياء إلى قطاع صناعي واسع النطاق في مجالات الغذاء والمواد الكيميائية والمواد والصحة.
وتوضح إحدى الأدوات السياسية الحديثة كيفية تطبيق هذا النهج على أرض الواقع. ففي يونيو 2025، أطلقت وزارتان صينيتان برنامجًا لتصنيف واعتماد منصات التصنيع الحيوي على المستوى التجريبي، وهي المرحلة الواقعة بين التحقق المختبري والإنتاج التجاري، والتي تفشل عندها غالبية المشاريع.
ولا تقوم الدولة ببناء هذه المنشآت بنفسها، وإنما تعتمد المصانع التجريبية القائمة بالفعل، وتلزمها بتقديم خدمات مفتوحة الوصول وبيعها تجاريًا، كما تنسق إجراءات إصدار التصاريح الخاصة بها، وتوفر تغطية تأمينية للشركات التي تستخدم تلك المنشآت.
وكان الهدف يتمثل في إنشاء واعتماد أكثر من 20 منصة بحلول عام 2027، لكن الدفعة الأولى التي نُشرت في ديسمبر 2025 ضمت بالفعل أكثر من 40 منصة.
وتستجيب اقتصادات أخرى لهذا التحول انطلاقًا من نقاط بداية مختلفة. فلا تزال الولايات المتحدة من الدول الرائدة في العلوم المتقدمة ورأس المال الاستثماري والذكاء الاصطناعي. وتحتفظ أوروبا بقدرات بحثية استثنائية، لكنها لا تزال تواجه تحديات في تحويل ريادتها العلمية إلى تطبيقات صناعية واسعة النطاق. وفي الوقت نفسه، تعمل الهند والبرازيل على بناء مواقع تنافسية بالاستفادة من توافر المواد الأولية، والطاقة المتجددة، والطلب المحلي المتزايد.
ولا يتعلق الدرس هنا بحجم الأموال التي تنفقها الدولة، وإنما بالقيد الذي يُفترض أن يعالجه ذلك الإنفاق. فعندما تكون عملية التوسع الصناعي معطلة لأن تراخيص التشغيل والأراضي والموافقات البيئية واتفاقيات شراء الإنتاج موزعة بين أربع وزارات لا تنسق فيما بينها، فلن يكون أي دعم مالي قادرًا وحده على حل المشكلة.
وبالمثل، فإن أي حكومة تفرض استخدام نسبة معينة من المواد ذات المصدر البيولوجي دون أن تضمن وجود طاقة وقدرات كافية لعمليات التخمير، إنما تشرّع طلبًا لا تملك الوسائل اللازمة لتلبيته.
ولن يُحسم السباق لبناء قدرات محلية في مجال التصنيع الحيوي بالريادة العلمية وحدها. بل إن القدرة الصناعية هي التي أصبحت، بصورة متزايدة، العامل الذي يحدد من سيتقدم في هذا السباق.
