- خلّف صيف من موجات الحر وحرائق الغابات والطقس الجاف على نحو غير معتاد تربةً مستنزفة وإمدادات مياه متراجعة في أوروبا، فيما وصلت مستويات المياه في عدد من الأنهار الرئيسية إلى أدنى مستويات قياسية.
- وتترتب على ذلك تداعيات اقتصادية واضحة، إذ يمكن لموجات الحر أن تعطل العمل وأنظمة الطاقة والسياحة، بينما يفرض الجفاف قيوداً على نقل البضائع والمحاصيل وإنتاج الطاقة. ومع ذلك، لا تزال العديد من الشركات تفتقر إلى خطط عملية للتعامل مع المخاطر المناخية.
- يوضح تقرير المنتدى «قيادة مجالس الإدارة من أجل النمو والمرونة» كيف يمكن للقادة تحويل المخاطر المتزايدة المرتبطة بالمناخ والطبيعة إلى إجراءات ملموسة من خلال تعزيز الرقابة والاستراتيجية وإدارة المخاطر.
يمكن لجفاف أحد الأنهار أن يوقف إمدادات مصنع، ويقلل إنتاج محطة لتوليد الكهرباء، ويمنع سفينة سياحية من مواصلة رحلتها، ويحرم مزارعاً من مياه الري، وكل ذلك في الوقت نفسه.
وهذا هو الواقع الذي تواجهه الشركات نتيجة فصول الصيف الأوروبية التي أصبحت أكثر حرارة وجفافاً. ففي عام 2026، أدت فترات طويلة من انخفاض هطول الأمطار وموجات الحر المتكررة إلى جفاف التربة بشكل غير معتاد، وانخفاض مستويات الأنهار، والإسهام في اندلاع حرائق غابات مدمرة في أجزاء من القارة.
وارتفعت درجات الحرارة الشهرية في العديد من البلدان بما يتراوح بين 5 و12 درجة مئوية فوق المعدلات الموسمية. وبحلول أواخر يوليو، كان نحو نصف أراضي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يعاني من ظروف الجفاف، وفقاً للمفوضية الأوروبية، بينما كان نهر الراين والدانوب واللوار وبو من بين الأنهار التي سجلت مستويات مياه قياسية الانخفاض خلال أغسطس.
ولا يقتصر الاضطراب على الشركات الواقعة مباشرة في مسار المخاطر المناخية، بل يمكن أن يمتد عبر ممرات الشحن وشبكات الكهرباء وسلاسل الإمداد الزراعية واقتصادات السياحة. فما الشركات الأكثر تضرراً؟ وكيف يمكن أن تبدو الاستجابة الأكثر قدرة على الصمود؟
الشحن والخدمات اللوجستية
تُعد شركات النقل والخدمات اللوجستية من بين الأكثر تعرضاً بشكل مباشر، لأن الأنهار الرئيسية في أوروبا تُستخدم في الوقت نفسه كممرات تجارية ومصادر للمياه.
يربط نهر الراين المناطق الصناعية في سويسرا وفرنسا وألمانيا وهولندا. وعندما ينخفض مستوى المياه فيه، تضطر الصنادل إلى تقليل حمولاتها لتجنب الجنوح. وفي أغسطس 2026، أفادت صحيفة «فاينانشال تايمز» بأن سفن الشحن المتجهة من روتردام وإليها كانت تُحمّل بنحو 30% فقط من طاقتها الاستيعابية. وقد أجبر ذلك المشغلين على استخدام نحو 100 صندل إضافي كل أسبوع، ومع ذلك لم يتمكنوا من نقل الكميات السابقة نفسها من المواد الكيميائية والنفط وغيرها من السلع.
لذلك، تتأثر بشكل خاص شركات الشحن النهري والموانئ ووكلاء الشحن ومشغلو الصنادل، إلى جانب الشركات الصناعية التي تعتمد على المواد الخام المنقولة عبر الأنهار. ويمكن لانخفاض مستوى المياه أن يؤخر عمليات التسليم ويرفع تكاليف الشحن ويدفع إلى تحويل المزيد من البضائع إلى وسائل النقل البرية. وتصبح المشكلة أكثر حدة بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على إمدادات كبيرة الحجم أو شديدة الحساسية للوقت، بما في ذلك الوقود والسلع الزراعية.
المزارع وشركات الأغذية
غالباً ما يكون المزارعون أول من يشعر بتأثير الجفاف بصورة مباشرة، لكن شركات الأغذية قد تواجه تداعياته في مختلف مراحل سلسلة القيمة. ويقف العاملون في الزراعة في الخطوط الأمامية لهذه المخاطر، إذ أفاد 68% من العاملين الزراعيين في الاتحاد الأوروبي بأنهم يتعرضون لدرجات حرارة مرتفعة لمدة ربع ساعات عملهم أو أكثر.
يمكن لارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه أن يلحقا الضرر بالمحاصيل خلال مراحل نمو حاسمة، ويقللا المراعي المتاحة للماشية، ويفرضا قيوداً على الري. وفي أنحاء أوروبا الغربية والوسطى، من المرجح أن تفرض المحاصيل الأقل حجماً ضغوطاً إضافية على منتجي الأغذية وتجار التجزئة، مع انعكاس انخفاض توافر المحاصيل وارتفاع تكاليف الزراعة على بقية السوق. وتتوقع أحدث نشرة لمراقبة المحاصيل صادرة عن المفوضية الأوروبية أن تنخفض غلال المحاصيل الصيفية في الاتحاد الأوروبي بما يصل إلى 14% مقارنة بمتوسط السنوات الخمس، مع احتمال حدوث خسائر كاملة في بعض المحاصيل بالمناطق الأكثر تضرراً.
ويمتد الضغط سريعاً إلى المراحل اللاحقة من سلسلة الإمداد، من شركات تصنيع الأغذية وتجار السلع إلى المتاجر الكبرى وشركات الضيافة. ويتوقع محللون أن تؤدي ظروف الجفاف إلى انخفاض محصول الذرة في فرنسا إلى النصف، وهو ما يوضح كيف يمكن لصدمة مناخية إقليمية أن تتحول بسرعة إلى مشكلة في سلاسل الإمداد والأسعار بالنسبة إلى قطاع الأغذية بأكمله.
ومن الناحية المالية، يتزايد العبء بشكل متراكم. وتُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الخسائر العالمية الناجمة عن الجفاف ترتفع سنوياً بنسبة تتراوح بين 3% و7.5%، مع كون الزراعة القطاع الأكثر تضرراً. فقد كانت تكلفة حالة جفاف متوسطة في عام 2025 ضعف تكلفة حالة مماثلة في عام 2000، ومن المتوقع أن ترتفع التكاليف بنسبة إضافية تبلغ 35% بحلول عام 2035.
ولا تقتصر هذه الاضطرابات على المستهلكين والشركات في أوروبا. فقد كان الاتحاد الأوروبي أكبر مصدر للمنتجات الزراعية والغذائية في العالم عام 2025، إذ صدّر منتجات بقيمة قياسية بلغت 276.5 مليار دولار، بما يعادل 9% من إجمالي صادرات الاتحاد الأوروبي. ولذلك، يمكن أن تؤثر المحاصيل الأضعف في المشترين العالميين إلى جانب الإمدادات الغذائية المحلية.
السياحة والعمل والبيانات والطاقة
يمكن لموجات الحر وحرائق الغابات وانخفاض مستويات المياه أن تعطل قطاع السياحة بسرعة خلال ذروة الموسم. ففي أغسطس، أدت حرائق الغابات في المناطق السياحية في كرواتيا وفرنسا وألمانيا واليونان إلى عمليات إجلاء وإصابات، في حين أجبرت مستويات المياه المنخفضة في نهري الراين والدانوب بعض مشغلي الرحلات النهرية على إلغاء الرحلات أو تعديل مساراتها. ويترك ذلك شركات الرحلات البحرية والفنادق والمطاعم وشركات تنظيم الفعاليات والاقتصادات المعتمدة على السياحة عرضة للمخاطر، ليس فقط بسبب خسارة الحجوزات، بل أيضاً نتيجة اضطرابات النقل وتغير سلوك الزوار.
كما تواجه الشركات التي تعتمد على العمل في الهواء الطلق أو في أماكن غير مكيفة مخاطر مباشرة مرتبطة بالحرارة. فعلى سبيل المثال، قد يحتاج أصحاب العمل في قطاعات البناء والزراعة والتوصيل والنقل والضيافة إلى تغيير مواعيد الورديات، وزيادة فترات الراحة، أو تقليل النشاط عندما تصبح الظروف غير آمنة، وفقاً لإرشادات الوكالة الأوروبية للسلامة والصحة في العمل.
وكان تراجع إنتاجية العمال أكبر مساهم في التكلفة الاقتصادية المقدرة للحرارة الصيفية الشديدة في أوروبا، والتي بلغت 208 مليارات دولار، وفقاً لتحليل صادر عن بنك «تريودوس». ويمكن أن يكون التأثير حاداً ومتركزاً في مناطق معينة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن أسبوعاً واحداً فقط من الحر الشديد في يونيو 2026 كلف اقتصاد المملكة المتحدة نحو 24 مليون ساعة عمل مفقودة وخسائر إنتاجية بلغت 1.15 مليار جنيه إسترليني.
وتواجه مراكز البيانات نوعاً مختلفاً من القيود يتمثل في الحصول على المياه اللازمة للتبريد. ويتزامن التوسع السريع لهذا القطاع بصورة متزايدة مع ندرة المياه، خصوصاً في جنوب أوروبا، حيث تُخطط مشروعات جديدة لمراكز البيانات في مناطق تعاني بالفعل من مستويات مرتفعة من الإجهاد المائي. لذلك، تُعد وفرة المياه محلياً وتصميم أنظمة التبريد من الاعتبارات الأساسية بالنسبة إلى هذا القطاع.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يصل إنتاج الكهرباء إلى حدود مادية خلال موجات الحر الصيفية. إذ تضطر شركة «EDF» بانتظام إلى خفض إنتاج بعض محطات الطاقة النووية في فرنسا عندما تتجاوز درجات حرارة مياه الأنهار الحدود الآمنة لتصريف المياه، بينما يؤدي جفاف الخزانات إلى انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية، وفقاً لمركز أبحاث الطاقة «Ember». وتجبر هذه القيود شركات المرافق على تقليل الإمدادات في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد خلال ذروة الصيف.
من التعرض للمخاطر إلى القدرة على الصمود
تعتمد الشركات على المياه والطاقة والنقل والمدخلات الزراعية، فضلاً عن العمال القادرين على أداء مهامهم بأمان في ظل درجات الحرارة المرتفعة، إلا أن الكثير منها لم يحوّل هذه الاعتمادات بعد إلى خطط واضحة للمرونة المناخية. ووفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز»، شهدت 42% من الشركات في الاتحاد الأوروبي ارتفاعاً في التكاليف المرتبطة بالمناخ خلال العام الماضي، في حين لم تُكمل سوى 15% منها خطة رسمية للتكيف. وفي الوقت نفسه، يشير تقرير جديد للمنتدى إلى أن 50% من الشركات لم تقيّم بعد المخاطر التي تشكلها الحرارة على القوى العاملة بسبب عقبات مالية وتنظيمية وتقنية.
وتكمن أهمية هذه الفجوة في أن تكلفة الحرارة الشديدة والإجهاد المائي لا تقتصر على خسارة محصول واحد أو تأخر شحنة واحدة. ويحذر تحليل للمنتدى بعنوان «الأعمال على الحافة» من أن مخاطر الحرارة تهدد الأصول الثابتة، وقد تواجه الشركات خسائر سنوية في الأرباح تتراوح بين 6.6% و7.3% بحلول عام 2035.
ولسد هذه الفجوة، يوضح تقرير المنتدى «قيادة مجالس الإدارة من أجل النمو والمرونة» كيف يمكن لأعضاء مجالس الإدارة تحويل المخاطر المناخية المادية إلى جزء من استراتيجية الشركات من خلال تعزيز الرقابة وإدارة المخاطر والتكيف. والرسالة المستخلصة من أطر العمل واضحة: يتعين على الشركات خفض انبعاثات الكربون، وحماية الأنظمة الطبيعية، والتعامل مع المياه والطاقة وظروف العمل الآمنة في درجات الحرارة المرتفعة باعتبارها عناصر أساسية لاستمرار العمليات، وذلك قبل أن تكشف موجة الحر القادمة نقاط ضعفها.
