- يشكّل المحيط والمياه العذبة جزءاً من دورة هيدرولوجية واحدة مترابطة، إلا أنهما غالباً ما يُداران، بنظرة قصيرة المدى، من خلال أنظمة منفصلة للسياسات والاستثمارات.
- في الوقت الذي تتدهور فيه صحة المحيط نتيجة الأنشطة البشرية، بدأت التغيرات التي تطال أمن المياه العذبة بالفعل في إحداث اضطرابات في المجتمعات والاقتصادات والشركات.
تنبع الحياة من الماء، ويُعد المحيط الخزان الأكبر للمياه على كوكب الأرض. وقد حدّدت الدورة الهيدرولوجية، أو ما يُعرف بدورة المياه، كيفية تطور جنسنا البشري والأماكن التي استوطنها على هذا الكوكب. والتدخل في هذه الدورة، كما نفعل اليوم من خلال التلوث والاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة البشرية، ينطوي على مخاطر جسيمة.
في الواقع، تشكّل مياه البحر والمياه العذبة نظاماً هيدرولوجياً واحداً يخضع للدورة الطبيعية القديمة المتمثلة في التبخر والنتح والتكاثف والهطول والتسرب والجريان السطحي. وتتدفق الرواسب والمغذيات والملوثات عبر الجداول والأنهار نحو المياه الساحلية، حيث تؤثر في مصايد الأسماك والنظم البيئية البحرية. وفي الاتجاه المعاكس، تؤدي التغيرات في درجة حرارة المحيط وتياراته إلى تغيرات في الغلاف الجوي، ما يؤثر بدوره في أنماط هطول الأمطار والطقس على اليابسة.
نحن نعيش هذا النظام المترابط ونعتمد عليه في حياتنا اليومية واقتصاداتنا، بدءاً من الحصول على مياه شرب آمنة وخدمات الصرف الصحي، وصولاً إلى الأمن الغذائي وأنظمة الطاقة والمدن القادرة على الصمود وسلاسل الإمداد الآمنة والنظم البيئية السليمة. كما أن الرهانات الاقتصادية كبيرة للغاية. إذ تُقدّر القيمة الاقتصادية السنوية للمياه العذبة وحدها بنحو 58 تريليون دولار، أي ما يقارب 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتمثل القطاعات المعتمدة على المياه، بما فيها الزراعة والصناعة والطاقة والخدمات، نحو 80% من حجم التجارة العالمية التي يجري نقلها عبر المحيط.
بات من المسلّم به أنه لا يمكن أن يكون لدينا كوكب سليم من دون محيط سليم، وينطبق الأمر نفسه على الدورة الهيدرولوجية. وهذه الاتجاهات تدعو إلى القلق، إذ يؤدي تغير المناخ وممارسات الإدارة الضارة إلى زيادة اختلال توازن دورة المياه. فنحن نشهد مناطق تعاني من كميات مفرطة من المياه بسبب الفيضانات الشديدة وتسارع ارتفاع مستوى سطح البحر، في حين تواجه مناطق أخرى نقصاً متزايداً في المياه نتيجة موجات الجفاف التي تزداد حدة. وفي الوقت نفسه، أصبحت المياه في العديد من المجتمعات حول العالم ملوثة إلى درجة تجعلها غير صالحة للاستخدام.
وتتحول المخاطر المرتبطة بالمياه بصورة متزايدة إلى مخاطر تواجه الشركات. فشح المياه والفيضانات والتلوث وتدهور النظم البيئية لا تلحق الضرر بالمجتمعات والمنازل فحسب، بل تعطل أيضاً العمليات وسلاسل الإمداد، وتؤثر في قرارات الاستثمار، وتقوض القدرة التنافسية. وتُقدّر التكلفة العالمية لإهمال المخاطر المتعلقة بالمياه بنحو 301 مليار دولار، في حين أن تكلفة معالجتها لا تتجاوز خمس هذا المبلغ تقريباً. واليوم، يعاني نحو 4 مليارات شخص من ندرة حادة في المياه خلال جزء من السنة على الأقل.
من السياسات المنعزلة إلى المرونة المشتركة
على الرغم من الارتباط الوثيق بين المحيط والمياه العذبة من خلال الدورة الهيدرولوجية، غالباً ما يُنظر إلى قضايا المحيط والمياه ويجري التعامل معها باعتبارها نظامين منفصلين. ونتيجة لذلك، كثيراً ما تُطوّر سياسات المناخ والغذاء والطاقة والتنوع البيولوجي في ظل تنسيق محدود بين منظومتي المحيط والمياه العذبة. وإلى جانب قِصر النظر الذي يتسم به هذا النهج القائم على العمل في جزر منفصلة، فإن هذا الانفصال يجعل الدول والشركات أقل قدرة على إدارة المخاطر التي تتجاوز الحدود الإدارية والقطاعية.
وعبر حدودها البرية، تتشارك 153 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أنهاراً وبحيرات وأنظمة للمياه الجوفية عابرة للحدود، تختلف عن الحدود البحرية المشتركة. وتمثل هذه المياه نحو 60% من تدفقات المياه العذبة في العالم، وتدعم بشكل مباشر أكثر من 40% من سكان العالم. ولذلك، فإن التعاون بشأن موارد المياه المشتركة ليس مجرد مسألة تتعلق بحماية البيئة، بل يشكل أساساً للسلام والاستقرار الاقتصادي والقدرة على الصمود.
وينطبق المبدأ نفسه على قطاع الأعمال. فلا يمكن إدارة مخاطر المياه بشكل فعال على مستوى كل شركة بصورة منفردة، عندما تعتمد العمليات وسلاسل الإمداد على أحواض أنهار وطبقات مياه جوفية وسواحل ونظم بيئية بحرية مشتركة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التعاون على مستوى أحواض المياه لمساعدة الشركات على تبادل البيانات والتخطيط للمخاطر المستقبلية وتعزيز سلاسل الإمداد وتوجيه الاستثمارات نحو حلول تعود بالنفع على المجتمعات والنظم البيئية.
وتشير هذه الاعتبارات إلى أن التعاون متعدد الأطراف يؤدي دوراً بالغ الأهمية، وهناك العديد من المؤتمرات الدولية المقبلة التي تتيح فرصاً لإحراز تقدم في هذا المجال. ففي ديسمبر 2026، سيُعقد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي، يليه مؤتمر الأمم المتحدة لعقد علوم المحيطات في ريو دي جانيرو في أبريل 2027، ثم مؤتمر الأمم المتحدة الرابع للمحيطات في بوسان بكوريا في يونيو 2028.
وتوفر هذه التجمعات الدولية مساحات يمكن من خلالها للحكومات والقطاع المالي والعلماء والمجتمع المدني والشركات تحسين التنسيق بين شواغلهم والتزاماتهم المتعلقة بالمياه العذبة والمحيط. كما تتيح فرصاً لتعزيز التنسيق بين الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالإدارة المستدامة للمياه، والهدف الرابع عشر الذي يركز على الحفاظ على موارد المحيط واستخدامها بصورة مستدامة. ويمكن أن يؤدي التصميم والتنفيذ الفعالان لهذه المؤتمرات إلى تحقيق فوائد متبادلة لكلا المجالين.
ومن البديهي أن يؤدي العلم والرصد دوراً محورياً في هذا الجهد، إذ إن مراقبة أحوال المحيط والتنبؤ بها لا تقل أهمية للمزارعين في المناطق الداخلية عنها بالنسبة إلى الصيادين. ويمكن أن تساعد البيانات الأكثر ترابطاً المتعلقة بالمحيط والغلاف الجوي والمياه العذبة الحكومات والشركات على توقع الصدمات وتحسين نماذج المخاطر والتخطيط لسلاسل الإمداد واتخاذ قرارات استثمارية أكثر استنارة. ولذلك، يُعد الاستثمار في رصد المحيط مطلباً أساسياً من متطلبات الأمن البشري.
التكامل يحقق نتائج بالفعل
تتزايد الأدلة التي تشير إلى أن إدارة المياه باعتبارها نظاماً واحداً يمكن أن تحقق عوائد بيئية واقتصادية. فعلى سبيل المثال، يمكن للاستزراع المائي المستدام والمتكامل، الذي يجمع بين تربية أنواع مناسبة من الأسماك وزراعة المحار والأعشاب البحرية، أن يقلل من التلوث الساحلي مع تنويع مصادر الدخل في الوقت نفسه. كما يجري بشكل متزايد دمج معالجة المياه وتحلية مياه البحر وإعادة الاستخدام واسترداد الموارد ضمن مناهج الاقتصاد الدائري. وفي أنظمة المياه العذبة، تساهم كفاءة استخدام المياه واستعادة النظم البيئية والتعاون على مستوى الأحواض وإعادة الاستخدام في تعزيز القدرة على الصمود مع الحد من الضغوط على الموارد المائية.
ويُنظَر إلى تحلية مياه البحر بصورة متزايدة باعتبارها فرصة لمعالجة نقص المياه العذبة، ولا سيما في المناطق الساحلية. ويجري تطوير تقنيات جديدة للتغلب على الاستهلاك المرتفع للطاقة الذي تتطلبه عمليات التحلية، ويُعد الاعتماد على الطاقة المتجددة في هذه التقنيات شرطاً أساسياً. كما أن إيجاد حلول إيجابية للطبيعة للاستفادة من المحلول الملحي وغيره من المنتجات الثانوية الناتجة عن عمليات التحلية، استناداً إلى الخبرة العلمية، يمثل متطلباً أساسياً آخر.
ولا ينبغي النظر إلى هذه المبادرات باعتبارها مشاريع بيئية منفصلة، بل هي استثمارات في استمرارية الأعمال والقدرة التنافسية والازدهار المشترك. وعند توسيع نطاق هذه الأساليب، ينبغي النظر إلى القطاع الخاص ليس باعتباره مجرد طرف آخر من أصحاب المصلحة، وإنما باعتباره جهة معرضة لمخاطر المياه وشريكاً أساسياً في التنفيذ. ويمكن لمساهمة القطاع الخاص أن تتجاوز التمويل بكثير، لتشمل التكنولوجيا والبيانات والخبرة التشغيلية والتأثير في الأسواق والقدرة على التنفيذ.
ويجب أن تتجاوز مشاركة القطاع الخاص المبادرات المنفصلة للأعمال الخيرية التي تنفذها الشركات، وتتجه نحو نماذج ذات جدوى تجارية قادرة على تحسين الكفاءة وخفض المخاطر وخلق قيمة مشتركة. وفي الوقت نفسه، يمكن للسياسات العامة والتعاون الدولي المساهمة من خلال تعزيز مسارات تطوير المشاريع والمعايير وأنظمة البيانات وآليات تقاسم المخاطر.
دورة متواصلة من الزخم
يمكن لاجتماعات تأثير التنمية المستدامة التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، التي تُعقد بالتزامن مع الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2026 وأسبوع المناخ في نيويورك، أن تساعد في بناء الزخم اللازم للعمل المتكامل.
وتوفر المؤتمرات الثلاثة المتعلقة بالمياه في أبوظبي وريو دي جانيرو وبوسان فرصاً للانتقال من مرحلة الالتزامات إلى مرحلة التنفيذ، من خلال توسيع نطاق الحلول العملية والقابلة للاستثمار، وتعزيز إدارة المياه من المنبع إلى البحر، وتقوية قدرة أحواض المياه وسلاسل الإمداد على الصمود، وحشد رؤوس الأموال العامة والخاصة، وربط قضايا المياه بصورة أكثر منهجية بالعمل المتعلق بالمناخ والتنوع البيولوجي والغذاء والطاقة والمحيطات.
إذا واصلنا إدارة قضايا المياه العذبة والمحيطات بشكل منفصل، فسنستمر في معالجة الأعراض من دون إدراك الترابط المتكامل لمنظومة المياه على كوكب الأرض. أما إذا وحّدنا جهود العلم والسياسات والاستثمار والتنفيذ حول دورة مائية واحدة مترابطة، فسنتمكن من الحد من المخاطر النظامية وبناء اقتصادات ومجتمعات ونظم بيئية أكثر قدرة على الصمود.
نحن نؤمن بأن العمل الإيجابي بشأن المياه العذبة هو أيضاً عمل إيجابي لصالح المحيط. ونؤمن بأن التعاون متعدد الأطراف والتقدم العالمي يجب أن يستندا إلى احترام الدورة الهيدرولوجية. كما ندرك أنه مثلما لا تتوقف دورة المياه أبداً، يجب أن تكون استجابتنا كذلك أيضاً: دائرية ومستدامة ومفيدة للإنسان والكوكب على حد سواء.
