القائمة الرئيسية

كيف يمكن للغرب الأمريكي إعادة هيكلة ديونه المائية؟

كيف يمكن للغرب الأمريكي إعادة هيكلة ديونه المائية؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة أزمة المياه المتفاقمة في حوض نهر كولورادو، حيث أدى الاستهلاك المزمن الذي يفوق الموارد المتاحة، إلى جانب تغير المناخ وتزايد الطلب من المدن والزراعة وصناعات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، إلى ما يشبه «الإفلاس المائي»، وتستعرض كيف يمكن لحلول مثل ترشيد الاستهلاك، وإعادة استخدام المياه، والاستثمار في البنية التحتية والحلول القائمة على الطبيعة أن تساعد في إعادة التوازن، شرط توفير التمويل وبناء توافق واسع بين الحكومات والشركات والمجتمعات.

  • في ظل توقعات بانخفاض تدفقات نهر كولورادو بنسبة 20% بحلول عام 2050، دخل النهر في حالة من «الإفلاس المائي»، ما يفاقم اختلالاً بين العرض والطلب مستمراً منذ قرن.
  • مع تزايد استهلاك صناعات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي للمياه، دعت الحكومة الأمريكية إلى خفض عمليات سحب المياه بشكل كبير.
  • الحلول موجودة بالفعل، من رفع كفاءة استخدام المياه في المدن والزراعة إلى إعادة استخدامها في الصناعة واستعادة النظم الطبيعية، لكنها تحتاج إلى رأس المال والتوافق حتى تتمكن من التوسع.

هذا الصيف، أمضت مينا غولي، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة «Thirst Foundation» العالمية غير الربحية المعنية بالتوعية بقضايا المياه، أيامها وهي تركض على امتداد نهر كولورادو، من الحقول الثلجية في جبال الروكي إلى الأعماق شديدة الحرارة في غراند كانيون. وعندما تتحرك بهذه الوتيرة، تتعلم أشياء لا يمكن لأي مخطط لمستويات الخزانات أن يخبرك بها. تلتقي بالمزارع الذي ترك ثلث أراضيه الزراعية دون زراعة، وبمسؤول إدارة المياه في إحدى القبائل الذي يمتلك مجتمعه حقوقاً راسخة في المياه، لكنه يفتقر إلى الأنابيب اللازمة للحصول عليها.

عادة ما توصف أزمة أحد الأنهار بأنها ساعة عدّ تنازلي نحو نفاد المياه. لكن من منظورنا المشترك كمدافعين عن التوعية بالمياه وكفاءة استخدامها وحسن إدارتها، فإن المشكلة أكثر ديناميكية وتعقيداً بكثير. ومن خلال حملتنا «Keep the River Running» الخاصة بنهر كولورادو، وجدنا أن جوهر الأزمة يتمثل بدلاً من ذلك في اختلال معقد بين العرض والطلب.

هذه ليست موجة جفاف.. بل إفلاس

لدى الاقتصاديين مصطلح يصف هذه الحالة، وهو ليس الجفاف، بل «الإفلاس المائي». فعلى مدى قرن، أنفق حوض النهر من المياه أكثر مما أودعته الطبيعة فيه. وهذا النمط لا يقتصر على الولايات المتحدة؛ إذ تكشف تدفقات الأنهار واستنزاف طبقات المياه الجوفية حول العالم عن الاختلال نفسه في الموازنات المائية، وإن كانت الدول والمناطق المختلفة تمر بمراحل متفاوتة من إنكار المشكلة.

وفي نهر كولورادو، لا يمكن لهذا الحساب المختل أن يستمر. وتشير النماذج المناخية إلى انخفاض إضافي في تدفقات نهر كولورادو بنسبة 20% بحلول عام 2050 وبنسبة 35% بحلول عام 2100. نحن أمام تحول نحو مزيد من الجفاف الدائم للمناخ، وليس مجرد فترة جافة ستنتهي.

والرهانات كبيرة للغاية: فمياه النهر تدعم 40 مليون شخص في سبع ولايات أمريكية والمكسيك، كما تدعم نشاطاً اقتصادياً سنوياً بقيمة 1.4 تريليون دولار و16 مليون وظيفة، وفق تحليل أجرته جامعة ولاية أريزونا عام 2014. ويروي النهر ما يقرب من 90% من محاصيل الخضراوات الشتوية في الولايات المتحدة، بينما وصلت أكبر بحيرتين اصطناعيتين عليه، بحيرة ميد وبحيرة باول، إلى مستويات منخفضة قياسية، ما يهدد توليد الطاقة الكهرومائية. وبالتالي، فإن التخطيط على أساس افتراض عودة تدفقات النهر إلى متوسطاتها التاريخية يعني بناء اقتصاد المستقبل اعتماداً على أصل مائي لم يعد موجوداً فعلياً.

وقد حددت الحكومة الأمريكية حجم الفجوة. ففي 21 أغسطس، اعتمدت إطاراً جديداً يدعو إلى خفض عمليات سحب المياه بما يصل إلى 3.7 مليارات متر مكعب سنوياً، أي ما يعادل 3 ملايين فدان-قدم، وفقاً للظروف خلال العقد المقبل. ويقع هذا العبء على ثلاث ولايات هي أريزونا وكاليفورنيا ونيفادا.

المنافسة المتزايدة على المياه: الرقائق ومراكز البيانات والطاقة

لا يقتصر أصحاب المطالب في هذا «الإفلاس المائي» على المدن والمجتمعات والأمم القبلية التي تعتمد على مياه النهر. فصناعتا أشباه الموصلات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تُعدان من الصناعات الحيوية في الحوض، وكلتاهما تستهلك كميات كبيرة من المياه.

ويقدّر تقرير صدر عام 2024 عن مختبر لورانس بيركلي الوطني أنه بحلول عام 2028، قد تستهلك منشآت الحوسبة فائقة النطاق وحدها ما بين 60 و124 مليار لتر من المياه بشكل مباشر. وللمقارنة، حتى عند الحد الأعلى، تظل هذه الكمية أقل بكثير من إجمالي استخدام المياه للأغراض البلدية والتجارية والصناعية في الحوض، لكنها تعادل مع ذلك استهلاك مدينة بحجم توسان، أو استهلاك عام كامل لبعض المحاصيل. كما أن هذه الصناعة تواصل النمو.

كذلك يعتمد كبار مصنعي أشباه الموصلات، إلى جانب قطاعات كبيرة في الدفاع والتعدين والنفط والغاز والطاقة، على مياه نهر كولورادو، فضلاً عن السدود ومحطات توليد الطاقة الحرارية الكهربائية التي تنتج الكهرباء.

وبالنسبة إلى هذه الصناعات، فإن الاستمرار وفق نهج العمل المعتاد يزيد تعرضها لما يمكن تسميته «بالمخاطر الجامحة»، حيث يمكن للأحداث غير المتوقعة والمتطرفة أن تنتقل تداعياتها عبر اقتصاد بأكمله.

ثلاث أدوات متاحة بالفعل لمعالجة أزمة المياه

ومع ذلك، فإن استراتيجيات الحد من هذه المخاطر ليست أفكاراً بعيدة المنال أو مشاريع مستحيلة. بل هي حلول عملية وواقعية، والعديد منها مطبق بالفعل داخل حوض النهر.

  1. كفاءة استخدام المياه في المدن. شهدت لاس فيغاس نمواً كبيراً بينما تمكنت في الوقت نفسه من خفض استهلاك المياه. وتشير هيئة مياه جنوب نيفادا إلى انخفاض استهلاك المياه للفرد بنسبة 58% بين عامي 2002 و2023، رغم زيادة عدد السكان بأكثر من 786 ألف نسمة. وقد تحقق ذلك بفضل إعادة استخدام المياه، إضافة إلى دفع حوافز مالية للسكان لإزالة المسطحات العشبية المخصصة للزينة. لكن مدناً أخرى لم تتبع النهج نفسه بعد. وعلى مستوى الولايات المتحدة، تُفقد 19.5% من مياه الشرب المعالجة قبل وصولها إلى العملاء أو قبل احتسابها بشكل صحيح في الفواتير، وهو ما يعادل 6.4 مليارات دولار من الإيرادات غير المحصلة.
  2. البنية التحتية للشركات. يُقدّر أن شركة تصنيع أشباه الموصلات TSMC تعيد حالياً تدوير 65% من المياه المستخدمة في مجمعها شمال مدينة فينيكس. وقد بدأت العام الماضي أعمال إنشاء منشأة صناعية لاستصلاح المياه على مساحة 15 فداناً، صُممت للوصول إلى معدل إعادة استخدام يبلغ 85% عند بدء التشغيل، ثم 90% أو أكثر بعد ذلك. كما تنتقل العديد من مراكز البيانات إلى تقنيات تبريد أكثر كفاءة في استهلاك المياه، فيما بدأت الحكومات المحلية بإدخال اعتبارات المياه ضمن قوانين استخدام الأراضي.
  3. الحلول القائمة على الطبيعة. تسهم استعادة الأراضي الرطبة والسهول الفيضية في تعزيز القدرة على الصمود على المدى الطويل. ومن بين الخيارات المتاحة نماذج تحاكي سدود القنادس، وهي هياكل بسيطة تعمل على إبطاء تدفق المياه وإعادة تغذية طبقات المياه الجوفية الضحلة. وتُعد هذه الحلول منخفضة التقنية، إذ تتراوح تكلفتها بين 50 ألفاً و100 ألف دولار لكل ميل من مجرى النهر، مقارنة بما بين 600 ألف ومليون دولار للحلول الهندسية التقليدية. ومع ذلك، لا تزال هذه المشاريع تعاني نقصاً في التمويل.

رأس المال والتوافق

هذه الحلول الثلاثة مجرّبة منذ زمن. وجميعها مطبق بالفعل. لكن أياً منها لم يُنفذ بالحجم المطلوب. فما السبب؟

يشكل نقص رأس المال عائقاً أمام إحراز التقدم، خصوصاً في الزراعة ومشاريع استعادة النظم الطبيعية، وهي مجالات غالباً ما يتجاهلها المستثمرون من القطاع الخاص. وعلى المستوى العالمي، يشير البنك الدولي إلى أن نحو 91% من الإنفاق السنوي على المياه يأتي من القطاع العام، فيما تقل مساهمة المستثمرين من القطاع الخاص عن 2%.

ويُعد هذا النوع من التمويل ضرورياً لإعادة الهيكلة. ففي حالات إفلاس الشركات، تُستخدم القروض للحفاظ على استمرارية العمليات والاحتفاظ بالموظفين الرئيسيين والموردين والعملاء. وإذا كان حوض نهر كولورادو سيعيد مواءمة استهلاكه من مياه النهر مع الكميات المتاحة فعلياً دون خسارة الوظائف والشركات والسكان، فإنه يحتاج هو الآخر إلى استثمارات، وبصورة عاجلة.

كما أن عمليات إعادة الهيكلة تحتاج إلى توافق. فلا تستطيع شركة واحدة أو مدينة واحدة أو مزرعة واحدة ضمان أمن حوض نهري بأكمله. والعمل الجاد المطلوب لإعادة توزيع هذه المياه يجب أن يتم بصورة جماعية وتعاونية، لا داخل قاعات المحاكم.

وفي الواقع، بدأت بوادر هذا التوافق تظهر بالفعل. فمن خلال سلسلة من القمم التي عُقدت هذا الصيف على امتداد مسار النهر في دنفر ولاس فيغاس وفينيكس ولوس أنجلوس، جمعت حملتنا مسؤولين من المدن وشركات عالمية وقبائل ومجتمعات أخرى. وعندما نختتم هذه الجهود خلال أسبوع المناخ في نيويورك، سيكون ممثلو وول ستريت حاضرين أيضاً.

لن تكون إعادة هيكلة ديوننا المائية في يوم من الأيام بالسهولة نفسها التي نعيد بها هيكلة ديون الشركات أو الديون السيادية. فتغيير الطريقة التي يعيد بها المستهلكون ومجالس إدارة الشركات والمستثمرون تقييم قيمة المياه مهمة شاقة. ومن الصعب دائماً تسعير شيء موجود في كل مكان ويتدفق أمام أعيننا عبر صنابيرنا وشبكات الكهرباء ومصانعنا وعروقنا. لكن ذلك ضروري. وهو أمر لا مفر منه. فالماء يجد دائماً مستواه.

المصدر

مقالات ذات صلة