- من المتوقع أن يكون التحول الأخضر أحد أكبر محركات خلق فرص العمل خلال هذا العقد، إلا أن الأرقام الإجمالية وحدها لا توضح ما إذا كانت هذه الوظائف ستكون وظائف جيدة بالفعل.
- تعمل مشروعات ناشئة في مراحلها المبكرة في مجالات النفايات وإعادة التدوير والمياه على دمج العمل الرسمي والمدفوع الأجر في نماذج أعمالها، بدلاً من اعتباره مجرد نتيجة جانبية للأثر البيئي الذي تحققه.
- يعتمد توسيع نطاق ما أثبتته هذه المشروعات من نجاح على شراكات الشركات والسياسات التي تعترف بجودة الوظائف إلى جانب النتائج البيئية.
يعيد التحول الأخضر تشكيل أسواق العمل على نطاق واسع.
وفقاً لتقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يُعد التحول الأخضر والتكنولوجيا اثنين من خمسة توجهات كبرى تعيد تشكيل أسواق العمل العالمية. ومن المتوقع أن تؤدي هذه التوجهات مجتمعة إلى إنشاء نحو 170 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، أي ما يعادل 14% من إجمالي العمالة العالمية الحالية، في مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة أخرى.
ومن المتوقع أن تؤثر الاضطرابات في سوق العمل إجمالاً في نحو 22% من الوظائف الحالية، كما يواجه أكثر من 120 مليون عامل حول العالم خطر الاستغناء عن وظائفهم على المدى المتوسط إذا لم تتم إعادة تأهيلهم وتطوير مهاراتهم. غير أن هذه الأرقام تثير سؤالاً أكثر أهمية: هل ستكون الوظائف التي سيتم إنشاؤها «وظائف جيدة»؛ أي وظائف رسمية، وعادلة الأجر، ومتاحة للعمال الذين هم في أمسّ الحاجة إليها؟
وسيحدد التوازن الذي سيتم تحقيقه بين تعميق الأتمتة وتوسيع دور التكنولوجيا في تعزيز قدرات البشر جزءاً كبيراً من الإجابة عن هذا السؤال، وهو ما يذكّرنا بأن مستقبل العمل يمكن تشكيله بطريقة تحقق نتائج أفضل. فكيف يبدو ذلك على أرض الواقع؟
دمج فرص العمل في الأهداف البيئية
أبرزت منصة UpLink، التابعة للمنتدى والمخصصة لدعم الابتكار في مراحله المبكرة، عدداً من المشروعات التي تتعامل مع تحديات بيئية واجتماعية في مختلف أنحاء العالم. وعند النظر إلى المشروعات العاملة في مجالات الطبيعة والمياه والاقتصاد الدائري والنفايات، يظهر نمط واضح يمكن الاستفادة منه في تحليل أسواق العمل.
فإلى جانب مهامها البيئية، تقوم هذه المشروعات ببناء نماذج للتوظيف من الصفر، في ظل موارد محدودة وفي أسواق تندر فيها فرص العمل الرسمية. وهي لا تخلق الوظائف باعتبارها مجرد نتيجة جانبية للأثر البيئي الذي تحققه.
بل تعمل على إنشاء فرص عمل رسمية ومحمية ومدرّة للدخل بوصفها جزءاً أساسياً من الطريقة التي تعمل بها نماذج أعمالها.
وتوضح ثلاثة أمثلة من قطاعات وقارات مختلفة كيف يحدث ذلك عملياً.
1. تحديد أماكن تراكم النفايات
تدير شركة Green Mining شبكة ذكية للخدمات اللوجستية العكسية في ساو باولو وريو دي جانيرو وباهيا وبيليم. ويستخدم برنامجها بيانات مبيعات القطاعات الصناعية لتحديد الأماكن التي تتراكم فيها العبوات والمواد المستخدمة بعد استهلاكها، ثم يتم إنشاء مراكز التجميع في المواقع التي تسجل أكبر الكميات.
وتوظف الشركة أشخاصاً كانوا يعملون سابقاً في جمع النفايات وأعضاء في التعاونيات بصفتهم جامعين مسجلين، مع توفير بطاقات عمل رسمية لهم، كما تربط العاملين المستقلين في جمع المواد القابلة لإعادة التدوير بأفضل الأسعار المتاحة في السوق مقابل المواد التي يجمعونها.
ويتتبع نظام الشركة القائم على تقنية البلوك تشين كل دفعة من المواد، بدءاً من نقطة التجميع وصولاً إلى مصنع إعادة التدوير، حيث يقوم جامعو المواد ومراكز التجميع وشركات النقل والمصانع بالتحقق المتبادل من الكميات والمشكلات. كما يصدر النظام فاتورة شراء لكل معاملة، مما يمنح البائعين إثباتاً موثقاً لعملية البيع.
ومن خلال محطة الأسعار المباشرة للمصانع التابعة لها، يحصل جامعو المواد والسكان على أسعار تعادل الأسعار التي تدفعها المصانع مباشرة، وتفيد الشركة بأنها دفعت حتى الآن أكثر من 6.8 مليون ريال برازيلي لأكثر من 6,000 شخص.
2. استخدام الطاقة المتجددة لتشغيل عمليات إعادة التدوير
تدير شركة GIVO، التي يعني اسمها «النفايات تدخل والقيمة تخرج»، سبعة مراكز لإعادة التدوير تعمل بالطاقة الشمسية في نيجيريا وليبيريا، ويقع كل مركز منها ضمن نطاق خمسة كيلومترات من المجتمع الذي يخدمه.
وتدير هذه المراكز عمليات محلية لجمع المواد القابلة لإعادة التدوير وفرزها ومعالجتها، مما يخلق فرص عمل للسكان المحليين، كما تقدم للأسر حوافز مالية مقابل المواد التي تقوم بتسليمها، وهو ما يوفر لها مصدراً بديلاً للدخل.
وتعمل المنصة التكنولوجية للشركة على رقمنة عمليات الجمع والمعالجة والخدمات اللوجستية والمدفوعات وتتبعها في الوقت الفعلي، كما توفر البيانات التي تستند إليها تقارير الاستدامة المقدمة إلى الشركاء من الشركات.
وتعيد الشركة تدوير أكثر من 500 ألف كيلوغرام من البلاستيك سنوياً، وتفيد بأنها تدعم أكثر من 5,000 فرد من أفراد المجتمعات المحلية من خلال توفير وظائف لائقة وفرص لتحقيق الدخل.
3. ابتكار التكنولوجيا ونماذج الأعمال لفلاتر المياه
تصنع شركة Openversum فلاتر مياه تعمل بالجاذبية وتعتمد على تقنيات ترشيح سويسرية قادرة على إزالة البكتيريا والمعادن الثقيلة من المياه دون الحاجة إلى الكهرباء، وقد صُممت هذه الفلاتر لتكون ميسورة التكلفة وسهلة الصيانة.
وبدلاً من توزيع هذه التكنولوجيا بشكل مباشر، تمكن الشركة رواد الأعمال المحليين، ومعظمهم من النساء في المناطق الريفية، من بيع الفلاتر وتركيبها وصيانتها في المجتمعات التي تعاني نقص الخدمات، مما يوفر لهم مصادر دخل مستقرة.
كما يحصل رواد الأعمال على الدعم من خلال منصة رقمية تساعدهم على إدارة عمليات البيع ومدفوعات العملاء والمتابعة.
ويعمل حالياً أكثر من 100 رائد أعمال في كولومبيا، حيث ساهم أكثر من 2,000 فلتر في توفير مياه نظيفة لنحو 10,000 شخص. كما توجد شراكات ومشروعات تجريبية في مراحل مختلفة في نيكاراغوا والمكسيك وغانا وأوغندا.
كيف تظهر مسارات جديدة للتوظيف
لا تتنافس هذه المشروعات مع المسارات التقليدية المؤدية إلى سوق العمل، بل تقوم ببناء مسارات جديدة تماماً، وتتيح لأول مرة فرصاً للوصول إلى العمل الرسمي لأشخاص لم تكن لديهم مثل هذه الفرص من قبل.
وتؤدي التكنولوجيا دوراً محورياً في تحقيق ذلك، ولكن ليس بالطريقة التي يُفترض عادةً أنها تعمل بها في النقاشات المتعلقة بالأتمتة.
ففي كل حالة من هذه الحالات، تجعل الأنظمة الرقمية العمل مرئياً وقابلاً للتحقق، ومن ثم قابلاً للدفع مقابل إنجازه. فعلى سبيل المثال، يؤدي تحديد المواقع التي تتراكم فيها العبوات إلى تحويل عمليات الجمع المتفرقة وغير المتوقعة إلى مسارات مستقرة بما يكفي لتوظيف شخص بعقد رسمي للقيام بها.
كما تتيح إمكانية التتبع للعملاء من الشركات الوثوق فيما يشترونه، وهو ما يسمح بدوره بوصول الأموال إلى الأشخاص الذين يقومون بعمليات الجمع.
أما أدوات إدارة الأعمال والقروض الصغيرة، فتخفض متطلبات رأس المال والمهارات اللازمة أمام الأشخاص الذين يرغبون في بدء أعمال مرتبطة بالتوزيع.
وفي كل مثال من هذه الأمثلة، تعمل التكنولوجيا كآلية لإتاحة الفرص، إذ توسع نطاق المشاركة في الاقتصاد الرسمي ليشمل عمالاً كانوا في السابق مستبعدين منه.
لماذا يُعد توسيع نطاق الحلول مسؤولية مشتركة
تمثل هذه المشروعات دليلاً على إمكانية خلق فرص عمل شاملة في إطار التحول الأخضر. غير أن الوصول إلى عدد أكبر من المجتمعات وبالسرعة التي يتطلبها هذا التحول هو المجال الذي يمكن أن تُحدث فيه شراكات الشركات والسياسات الداعمة فرقاً حاسماً.
وتملك الشركات الأداة الأكثر مباشرة لتحقيق ذلك، كما أن حجم الفرصة كبير. فالشركات التي تدمج مشروعات من هذا النوع في عمليات المشتريات وسلاسل التوريد الخاصة بها تحول نموذجاً ناجحاً إلى نموذج قابل للتوسع، مما يزيد عدد الأشخاص الذين يحصلون على فرص عمل رسمية بفضل التحول الأخضر.
ويمكن للمستثمرين تمويل البنية التحتية التي لا تستطيع المشروعات الفردية بناءها بمفردها، بدءاً من شبكات التجميع ووصولاً إلى أنظمة التحقق ورأس المال العامل، بما يفتح المجال أمام نمو جاهز بالفعل للانطلاق.
أما صناع السياسات، فيمكنهم تسريع جميع هذه الجهود من خلال الاعتراف بجودة الوظائف إلى جانب النتائج البيئية عند قياس التقدم المحرز في التحول الأخضر ومكافأته.
إن الوظائف الجيدة في إطار التحول الأخضر ليست طموحاً مؤجلاً للمستقبل، بل فرصة متاحة في الحاضر، وهي فرصة تستحق أن نعمل معاً على اغتنامها.
