- أكثر من 70% من الشركات التي تستثمر في التقنيات المتقدمة لا تتجاوز مرحلة التجارب الأولية، وهي ظاهرة تطلق عليها شبكة المنارات العالمية اسم «مأزق المشاريع التجريبية».
- في القطاعات كثيفة رأس المال، غالباً ما تتعثر مشاريع التكنولوجيا المتقدمة التجريبية عند مرحلة الاتفاقيات التجارية والتأمين والتمويل والمشتريات.
- يمكن لهيكلة رأس المال بما يتماشى مع احتياجات مشغلي القطاع وشركات التأمين والممولين أن تحول المشاريع التجريبية الفردية إلى أصول ذات منفعة عامة على مستوى القطاع بأكمله.
أكثر من 70% من الشركات التي تستثمر في التحليلات المتقدمة أو الذكاء الاصطناعي أو الحلول الرقمية لا تتمكن من تجاوز مرحلة التجارب الأولية، وتظل عالقة فيما تسميه شبكة المنارات العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي «مأزق المشاريع التجريبية».
وتتضمن هذه الصورة ملاحظة مهمة لا تحظى بالتقدير الكافي. ففي مجال التكنولوجيا المتقدمة، غالباً ما تكون التكنولوجيا التي تصل إلى مرحلة مشروع تجريبي تجاري معتمد قادرة بالفعل على العمل. لكن ما يفشل هو اتخاذ القرار بتوسيع نطاق استخدامها.
تُصمم المشاريع التجريبية للتكنولوجيا المتقدمة للإجابة عن سؤال هندسي: هل تعمل هذه التكنولوجيا وفق المواصفات المطلوبة؟ غير أن التوسع يعتمد على أسئلة مالية ومؤسسية: من سيؤمّن عليها؟ ومن سيمولها؟ ومن سيشتريها؟
وفي السوق الحالية، يقدم التحول في وقود القطاع البحري مثالاً واضحاً على ذلك. فقد وجدت مبادرة «تحالف المحركين الأوائل» ومجموعة بوسطن الاستشارية أن أكثر من 95% من مشاريع الوقود عديم الانبعاثات المخطط لها لم تصل بعد إلى قرار الاستثمار النهائي.
لقد أثبتت الكيمياء نجاحها، لكن الجدوى التمويلية لم تُثبت بعد. ينهي المهندسون المشروع التجريبي ولديهم إجابة واضحة، بينما لا يمتلك الممولون الإجابة نفسها. وهذا خلل في التصميم.
3 تحولات يمكن أن تساعد على توسيع نطاق مشاريع التكنولوجيا المتقدمة التجريبية
1. تقييم قرار التبني إلى جانب تقييم التكنولوجيا
نادراً ما تشارك الجهات التي يمكنها فعلياً عرقلة تبني التكنولوجيا على المستوى الصناعي في تصميم المشروع التجريبي:
- شركات التأمين تحدد تكلفة مخاطر المعدات الجديدة.
- ممولو الأصول يقررون ما إذا كانت التكنولوجيا ستؤثر في قيمة الأصول المستخدمة كضمان.
- هيئات التصنيف والجهات التنظيمية تحدد ما إذا كان بالإمكان تشغيل التكنولوجيا بصورة قانونية.
- فرق المشتريات تقرر ما إذا كانت المؤسسة قادرة فعلياً على شرائها.
المشروع التجريبي الذي يستبعد هذه الجهات ينتج أدلة وبيانات لا تستطيع تلك الجهات استخدامها. كما أن الجداول الزمنية لهذه الأطراف غير متوافقة: فالمدة المتاحة لشركة ناشئة تُقاس بالأشهر، بينما تُقاس دورات المشتريات بالسنوات، ويحتاج قطاع التأمين إلى عقود من بيانات الخسائر حتى يطمئن إلى مستوى المخاطر. وإذا لم تتم إدارة هذا الاختلاف، فإن الجهة التي تعمل وفق أقصر جدول زمني ستكون أول من تنفد قدرته على الاستمرار.
ويكمن الحل في التعامل مع المشروع التجريبي منذ اليوم الأول باعتباره عملية تقييم وتأمين للمخاطر. وقبل تركيب المعدات، يجب تحديد الأدلة التي يحتاجها كل طرف حتى يتمكن من الموافقة، ثم تصميم المشروع التجريبي بحيث ينتج هذه الأدلة ضمن جدول زمني تستطيع جميع الأطراف تحمله.
ولا تزيد تكلفة المشاريع التجريبية المقسمة إلى مراحل مرتبطة بنقاط قرار واضحة كثيراً عن تكلفة المشاريع التقليدية، لكنها تواجه عوائق أقل بكثير عند الانتقال إلى مرحلة التوسع، لأن قرار التوسع يكون قد جرى الاتفاق على شروطه مسبقاً بدلاً من تأجيله.
2. تحويل الأصول العاملة إلى بنية تحتية مشتركة للاختبار
تتعثر المشاريع الصناعية التجريبية جزئياً لأن البنية التحتية المخصصة للاختبار نادرة ومكلفة وغالباً لا تعكس ظروف التشغيل الحقيقية. غير أن البديل موجود بالفعل أمامنا: قاعدة الأصول التشغيلية التي يمتلكها القطاع.
ولنأخذ قطاع الشحن التجاري مثالاً. فهو ينقل أكثر من 80% من السلع المتداولة عالمياً، كما أن حجم انبعاثاته يقارب انبعاثات سادس أكبر مصدر للانبعاثات في العالم.
وقد التزمت المنظمة البحرية الدولية بجعل القطاع يصل إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050 أو في حدود ذلك العام، ما يحول أسطولاً بُني للعصر الصناعي السابق إلى ساحة اختبار للعصر الصناعي القادم.
وتتعامل مبادرة Fifth Wave البحرية، التي تشارك LomarLabs في قيادتها، مع السفن التجارية والموانئ وأحواض بناء وإصلاح السفن باعتبارها مختبرات. فهي تختبر معدات جديدة على سفن تجارية تحقق إيرادات وتعمل في ظروف تشغيل حقيقية، مع إشراك هيئات التصنيف منذ البداية، ما يختصر الطريق من النموذج الأولي إلى الموافقة من سنوات إلى أشهر.
والحاجة إلى ذلك ملحة بالفعل. فقد أحصى المنتدى البحري العالمي أكثر من 340 مشروعاً تجريبياً ومشروعاً استعراضياً متعلقاً بتقنيات عديمة الانبعاثات، لكن معظمها يعمل بصورة منفصلة، ويضطر إلى إعادة التفاوض من الصفر بشأن الوصول إلى الأصول والتأمين وشروط التقييم.
ولا يقتصر هذا المبدأ على القطاع البحري. فشركات المرافق وشبكات الخدمات اللوجستية والمناجم والمستشفيات تمتلك جميعها بعضاً من أكثر بيئات الاختبار واقعية في العالم، لكنها تفتقر ببساطة إلى الآليات التعاقدية والمالية التي تسمح بفتح هذه البيئات بأمان أمام التقنيات الناشئة.
3. هيكلة رأس المال بحيث يستفيد القطاع عندما تنجح التكنولوجيا
يتمثل التحول الأساسي الأخير في رأس المال.
فقد ثبت بالفعل نجاح جانب الطلب على نطاق واسع. إذ جمع «تحالف المحركين الأوائل» التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي التزامات شراء بقيمة 19 مليار دولار من 101 شركة، بهدف دفع تقنيات المناخ الناشئة إلى السوق.
لكن جانب عرض رأس المال لا يزال إلى حد كبير غير منسق مع احتياجات القطاعات. فمعظم رأس المال الاستثماري يأتي من خارج الصناعات التي يمولها، ما يخلق مشكلة في التنسيق: عشرات الأسواق تختبر بصورة مستقلة حلولاً متشابهة للغاية، فتكرر الإنفاق الرأسمالي، وتبطئ انتشار التكنولوجيا، وتساهم في خلق «علاوة خضراء» قد تجعل التكلفة أعلى بثلاث إلى أربع مرات من تكلفة البدائل التقليدية، من دون وجود جهة في موقع يسمح لها بتقليص هذه الفجوة.
ويتمثل البديل في هيكلة صناديق الاستثمار على شكل مشروعات مشتركة تضم المشغلين وشركات التأمين والممولين في القطاع الذي تستهدفه، بحيث يتم تقاسم العوائد والبيانات والأدلة على امتداد سلسلة القيمة.
وبالعودة إلى مثال القطاع البحري، عندما يشارك مالكو السفن يصبح تأمين أماكن لتنفيذ المشاريع التجريبية أكثر سهولة. وعندما تشارك شركات التأمين، يمكن للبيانات الاكتوارية الناتجة عن كل عملية نشر ناجحة أن تقلل مخاطر العملية التالية.
وبذلك، تخلق كل عملية نشر ناجحة قيمة للقطاع بأكمله، وليس فقط للمشتري الأول. وعند هيكلة رأس المال بهذه الطريقة، يصبح التمويل آلية لتنسيق التحول الصناعي. وهذا يشكل الجانب التمويلي المكمل لإشارة الطلب التي أنشأها بالفعل «تحالف المحركين الأوائل».
الاستثمار التعاوني Co-VC: التحولات الثلاثة ضمن هيكل واحد
إن شروط التبني، أي الشروط التي يجب استيفاؤها حتى ينتقل المشروع التجريبي إلى مرحلة التطبيق التجاري واسع النطاق، يجري بالفعل صياغتها من خلال تسلسل الأحداث هذا.
ويُعد هذا النهج القائم على التحالفات للاستثمار في الشركات التي لا تزال في مرحلة المشاريع التجريبية نموذجاً للاستثمار التعاوني، أو ما يُعرف باسم «Co-VC». وفي هذا النموذج، تجتمع الجهات التي تشكل السوق معاً لتوظيف رأس المال الاستثماري وفق شروط تمثل متطلباتها التجارية الخاصة بالمشاريع التجريبية وتحافظ عليها وتضمن تطبيقها.
وبذلك يتحمل كل طرف قدراً أقل من المخاطر بمفرده، فيما يتم توزيع القدرة على الصمود بين جميع أصحاب المصلحة الذين يواجهون حالياً صدمات متراكمة ناجمة عن تغير المناخ والذكاء الاصطناعي والجغرافيا السياسية والطاقة.
وفي كل حالة، يتم تصميم سيناريوهات التبني استناداً إلى عدة احتمالات مستقبلية معقولة، بدلاً من الاعتماد على توقع واحد فقط.
فكيف يبدو نموذج Co-VC في الواقع؟
يكون الصندوق مملوكاً بصورة مشتركة للقطاع الذي يخدمه. ويحصل المشغلون على حصة اقتصادية في الصندوق، ما يحول أساطيلهم ومصانعهم ومساراتهم التشغيلية إلى بنية تحتية للمشاريع التجريبية.
وتشكّل شركات التأمين والممولون والمشترون والجهات التنظيمية مجلساً استشارياً، وتساعد في تحديد ما الذي سيتم اختباره وما الشروط التي تمثل «موافقة» فعلية، بحيث تنتج المشاريع التجريبية الأدلة التي يستطيع صانعو القرار النهائيون استخدامها.
ويظل الاستثمار المشترك مفتوحاً بشكل متعمد، إذ يُرحب بالمستثمرين المشاركين في كل فرصة استثمارية، لأن الهدف هو حشد رأس المال لدعم تحول القطاع بدلاً من احتكار الفرص داخله. ويوفر رأس المال الاستثماري السرعة والنموذج، بينما يوفر التحالف السوق والقدرة على التوسع.
وهذا التصميم غير مرتبط بقطاع بعينه.
ففي القطاع البحري، يتيح لشركات الشحن وشركات التأمين والممولين مواجهة تحول تُقدّر تكلفته بما يصل إلى 1.9 تريليون دولار، وهي فاتورة لا يستطيع أي طرف منفرد أن يضع نموذجاً لها أو يتحمل مخاطرها بمفرده. وعند تطبيق التصميم نفسه في قطاعات أخرى، يستمر المنطق التراكمي ذاته.
وفي مدريد، على سبيل المثال، حيث تختبر موجات الحر الناجمة عن تغير المناخ قدرة المدينة على توفير ظروف معيشية مناسبة، تعمل Cool Climate Collective بالتعاون مع مبادرة xCO التابعة لـDark Matter Labs على الجمع بين التمويل المختلط وأصحاب المصلحة في المدينة.
ويمكن تصور، على سبيل المثال، تعاون شركات المرافق وشركات التأمين ومالكي أصول الطاقة والجهات المسؤولة عن المساحات العامة في تنفيذ مشاريع تجريبية مشتركة لتقنيات قادرة على تعزيز القدرة على مواجهة الحرارة وتبريد المدينة وفق جدول زمني أسرع.
وبالنسبة للشركات القائمة، تغير السؤال الاستراتيجي من: ما التقنيات التي ستنجح؟ إلى: من يجلس إلى الطاولة التي يتم عندها تحديد شروط نجاح هذه التقنيات؟
أما القطاعات التي تجمع هذه الأطراف حول الطاولة في وقت مبكر، فسوف تكتشف أن أصعب مشكلاتها لم تكن يوماً في ابتكار المستقبل، بل في الاتفاق مسبقاً على الشروط التي ستشتري بموجبها ذلك المستقبل.
