مع تسبّب التجزؤ الجيوسياسي في تعريض دول الجنوب العالمي لاضطرابات في السلع الأساسية والتجارة والطرق البحرية، تتمتع الهند بموقع يؤهلها للدفع نحو إنشاء آليات جماعية لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد.
لا شك في أن حالة عدم اليقين في النظام السياسي والاقتصادي الدولي قد ارتفعت خلال العقد الماضي. فاستمرار المنافسة التكنولوجية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية والصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، يزيد من تعقيد الدبلوماسية أمام جميع الأطراف. وأصبح التجزؤ الاقتصادي بين التكتلات المتحالفة الناشئة سمة أساسية من سمات النظام العالمي. وعلى الرغم من أن العديد من دول الجنوب العالمي تقف على هامش الصراعات العالمية الكبرى، فإنها تأثرت بصورة كبيرة بتداعياتها. كما أن تكرار حالات عدم الاستقرار الاقتصادي والضغوط الرامية إلى دفع الدول لاختيار أحد المعسكرات يعقّدان الاستراتيجيات الدبلوماسية للدول النامية، في ظل اعتمادها الكبير على الخارج.
تُعد سلاسل الإمداد العالمية المستقرة ضرورية لتحقيق التنمية المستدامة في دول الجنوب العالمي.
تُعد سلاسل الإمداد العالمية المستقرة ضرورية لتحقيق التنمية المستدامة في دول الجنوب العالمي. ومع ذلك، حتى بالنسبة إلى الهند، التي تتمتع بنفوذ اقتصادي ودبلوماسي متنامٍ داخل الجنوب العالمي، كان التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية تحدياً كبيراً. فعلى سبيل المثال، قد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي للهند بنسبة 2.38% بسبب صدمة في أسعار السلع إذا استمرت الاضطرابات في مضيق هرمز حتى نهاية عام 2026، وانتقلت الزيادات في الأسعار الدولية بالكامل إلى الأسعار المحلية. وتواجه الدول النامية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الخارج قيوداً شديدة بشكل خاص عند التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد في ظل التوترات الجيو-اقتصادية، إذ يحد هذا الاعتماد من قدرتها على التحرك باستقلالية.
وتكتسب أربعة مصادر رئيسية للهشاشة الخارجية أهمية خاصة، وهي: الاعتماد على استيراد السلع الحيوية، والتعرض لاضطرابات التجارة الناجمة عن العقوبات، ومحدودية السيطرة على النقل البحري، والاعتماد على مزودي الأمن الخارجيين.
الاعتماد على استيراد السلع الحيوية
رغم أن السلع الأساسية الرئيسية، مثل الغذاء والأسمدة والوقود، تمثل حصة كبيرة من الاستهلاك في الدول النامية، فإن العديد من هذه الدول يعتمد أيضاً بدرجة كبيرة على استيراد هذه السلع الضرورية. ويبرز هذا الاعتماد بشكل خاص في الهند. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة اعتماد الهند على الاستيراد 89% بالنسبة إلى النفط الخام و50% بالنسبة إلى الغاز الطبيعي خلال السنة المالية 2024-2025. كما تعتمد بدرجة كبيرة على واردات زيوت الطعام، التي مثّلت 56% من الطلب المحلي خلال 2023-2024.
واستوردت الهند أيضاً كامل احتياجاتها من كلوريد البوتاسيوم، ونحو 60% من أسمدة فوسفات ثنائي الأمونيوم. وهذا الاعتماد الهيكلي يجعل الهند، شأنها شأن العديد من الدول النامية الأخرى، عرضة لتقلبات أسعار السلع العالمية، التي يمكن أن تولّد ضغوطاً تضخمية ومالية في آن واحد. كما قد تتفاقم تكاليف البنية التحتية اللوجستية غير الكافية وغير الفعالة خلال اضطرابات سلاسل الإمداد، ما يفرض ضغوطاً إضافية على أسعار السلع المحلية. فضلاً عن ذلك، غالباً ما يؤدي الارتفاع السريع في الأسعار إلى توسع سريع في الدعم الحكومي، وهو ما قد تكون له آثار حادة وطويلة الأمد في الدول النامية المثقلة أصلاً بالديون والتي تواجه معدلات فائدة مرتفعة.
اضطرابات التجارة المرتبطة بالعقوبات
مع تحوّل العقوبات إلى أداة مهمة في إدارة الدول الكبرى لسياستها الخارجية، أصبحت تؤثر بصورة متزايدة في أنماط التجارة والشراكات الخاصة بالدول النامية. وبعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لم تنضم الهند إلى العقوبات الغربية المفروضة على واردات الطاقة الروسية. وبدلاً من ذلك، أكدت الحكومة الهندية أن لديها «واجباً أخلاقياً» يتمثل في توفير الاحتياجات الأساسية لسكانها بأسعار يمكن تحملها. ونتيجة زيادة واردات خام الأورال الروسي الأقل سعراً، ارتفعت حصة روسيا من واردات الهند من النفط الخام إلى 35% خلال 2024-2025، مقارنة بنسبة 2% فقط خلال 2021-2022.
مع تحوّل العقوبات إلى أداة مهمة في سياسات الدول الكبرى، أصبحت تؤثر بصورة متزايدة في أنماط التجارة والشراكات الخاصة بالدول النامية.
لكن إعادة هيكلة واردات الهند النفطية أوجدت بدورها تحديات جديدة. ففي عام 2025، أعلنت الولايات المتحدة فرض تعريفة جمركية إضافية بنسبة 25% على الواردات الهندية بسبب استيراد الهند للنفط الروسي، وذلك إضافة إلى تعريفة متبادلة بنسبة 25%. واستخدمت الولايات المتحدة هذا الإجراء كورقة ضغط خلال مفاوضاتها التجارية مع الهند، رغم أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الرسوم قد أثرت في الانخفاض التدريجي لواردات الهند من النفط الروسي أثناء المفاوضات. وقد تراجعت المخاوف المرتبطة بهذه المسألة بعد توصل البلدين إلى إطار لاتفاق مؤقت، لكنها بدأت تتصاعد مجدداً بعدما أقر مجلس الشيوخ الأمريكي «قانون ليندسي أو. غراهام لفرض عقوبات على روسيا لعام 2026»، الذي يمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على الدول التي تستورد الطاقة الروسية.
القيود البحرية والأمنية
يمثل الاعتماد على شركات الشحن الأجنبية مصدراً محتملاً آخر لهشاشة سلاسل الإمداد في الدول النامية. ففي عام 2026، ورغم كون الهند أكثر دول العالم سكاناً، لم تكن تمتلك سوى 0.8% من القيمة العالمية للأسطول البحري، ما وضعها في المرتبة السادسة والعشرين عالمياً. وتمثل الدول العشر الأولى أكثر من ثلثي القيمة الإجمالية للأسطول العالمي، وجميعها، باستثناء الصين، دول مرتفعة الدخل. ونتيجة لذلك، لم تنقل الخطوط الملاحية الهندية سوى 6% من الشحنات الخارجية للهند خلال 2024-2025. ومن دون استثمارات كبيرة، يُرجح أن تتراجع هذه الحصة مع استمرار نمو التجارة الهندية.
يمثل الاعتماد على شركات الشحن الأجنبية مصدراً محتملاً آخر لهشاشة سلاسل الإمداد في الدول النامية.
ويتفاقم هذا التحدي بسبب تقادم الأسطول الهندي العامل في التجارة الخارجية، إذ بلغت نسبة السفن التي يبلغ عمرها 16 عاماً أو أكثر 71% في عام 2025. وتوفر هذه الأرقام سياقاً لتصريح رئيس الوزراء ناريندرا مودي عام 2025 بأن الهند تدفع سنوياً 75 مليار دولار أمريكي لشركات الشحن الأجنبية. فالدول التي لا تمتلك قدرات شحن كافية تكون قدرتها على التحكم في الخدمات اللوجستية أثناء الأزمات أقل، وقد تواجه صعوبة في تغيير شركات النقل أو مسارات العبور خلال فترات عدم اليقين. وإضافة إلى ذلك، لا تمتلك معظم الدول النامية نفوذاً كبيراً على تحالفات الشحن العالمية وقراراتها المتعلقة بتجاوز بعض الموانئ خلال الأزمات. وقد تؤدي هذه القيود الهيكلية إلى تفاقم ارتفاع أقساط التأمين المرتبطة بالمخاطر البحرية.
أما المصدر الأخير للهشاشة فيرتبط بالأمن البحري، ولا سيما تزايد حالة عدم اليقين بشأن المظلة الأمنية الأمريكية التي تغطي نقاط الاختناق البحرية في العالم. وتتمثل المشكلة الأعمق في أن العديد من الدول النامية يعتمد على منافع أمنية عامة لا يملك سوى قدرة محدودة على توفيرها بنفسه، كما أن تأثيره محدود في كيفية تخصيص الموارد اللازمة لتوفير هذه الحماية. وتمثل الاضطرابات في مضيق هرمز مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن أن تترتب بها آثار اجتماعية واقتصادية على الدول النامية نتيجة انعدام الأمن عند نقاط الاختناق البحرية.
وتشير إحدى التقديرات إلى أن 23.4 مليون طفل إضافي، يعيش معظمهم في الدول النامية، قد ينحدرون إلى براثن الفقر بحلول نهاية عام 2026 بسبب الصراع في الشرق الأوسط. وقد أظهر هذا الحدث أن محدودية القدرات العسكرية الأمريكية يمكن أن تقيّد فاعلية الولايات المتحدة في احتواء الصراع الإقليمي. إضافة إلى ذلك، قد يؤثر التعزيز الأخير للأصول البحرية الأمريكية في منطقة الخليج في قوة الردع عند نقاط الاختناق ومناطق التوتر في مسارح أخرى. ويؤدي الارتفاع العام في حالة عدم اليقين العسكري إلى زيادة علاوات المخاطر التي تواجهها الدول النامية.
نحو مرونة جماعية
إن حجم مواطن الضعف في سلاسل الإمداد وترابطها المتزايد يتطلبان بشكل متصاعد استجابات جماعية. وبما أن دول الجنوب العالمي تشترك في العديد من مواطن الضعف هذه، فإن تعزيز التنسيق فيما بينها أصبح أمراً ضرورياً.
وتتمتع الهند بموقع جيد يتيح لها الاضطلاع بدور قيادي في مساعدة دول الجنوب العالمي على مواجهة هذه التحديات وبناء شبكة أمان جماعية للدول النامية. فلدى الهند ثروة من الخبرات والقدرات. وخلال فترات اضطراب الإمدادات، نجحت في الحد من ارتفاع الأسعار محلياً باستخدام مجموعة واسعة من أدوات السياسات العامة، كما ضمنت في الوقت نفسه توفير السلع الحيوية للدول المجاورة. وأظهرت الهند تصميماً على حماية مصالح شعبها بدلاً من الانحياز إلى أحد الأطراف والانضمام إلى العقوبات.
من خلال الاستفادة من خبرتها وقدرتها على مواجهة مواطن الضعف في سلاسل الإمداد، تستطيع الهند المبادرة إلى طلب آراء دول الجنوب العالمي، واقتراح استجابات جماعية وتنفيذها لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد في الدول النامية.
كما تكثف الهند جهودها لتعزيز قدراتها البحرية. فقد أعلنت الحكومة خطة لاقتناء 437 سفينة بقيمة 24 مليار دولار أمريكي، إلى جانب حزمة دعم للصناعة البحرية بقيمة 7 مليارات دولار تركز على بناء السفن. وأطلقت الهند كذلك عمليات أمنية بحرية، مثل «عملية سانكالب»، ومؤخراً «عملية أورجا سوراكشا»، بهدف حماية طرق الشحن في منطقة الخليج. كما تشارك الهند بفاعلية في مناورات بحرية متعددة الأطراف، بما في ذلك قيادتها لمناورات «ميلان» ومشاركتها في مناورات «مالابار».
ومن خلال الاستفادة من خبرتها وقدرتها على التعامل مع مواطن الضعف في سلاسل الإمداد، يمكن للهند أن تأخذ زمام المبادرة في استطلاع آراء دول الجنوب العالمي، واقتراح استجابات جماعية وتنفيذها بهدف تعزيز مرونة سلاسل الإمداد في الدول النامية. ولا تحظى مخاوف الجنوب العالمي المتعلقة باضطرابات سلاسل الإمداد إلا بنقاش محدود في منتديات مثل مجموعة العشرين.
ويمكن للهند الاستفادة من المنصات متعددة الأطراف التي يتمتع فيها الجنوب العالمي بتمثيل أقوى، والتي تؤدي الهند فيها دوراً محورياً، ومنها «قمة صوت الجنوب العالمي»، و«مبادرة المحيطين الهندي والهادئ»، و«رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي». ويمكن أن تشمل المجالات الرئيسية للنقاش تبادل المعلومات، وتنسيق الإمدادات في حالات الطوارئ، والتعاون لتعزيز المرونة البحرية.
وبشكل أكثر تحديداً، يمكن للهند المساهمة في إنشاء أنظمة إنذار مبكر تتمحور حول دول الجنوب العالمي، ووضع ترتيبات مشتركة لتكوين المخزونات الاحتياطية، وإنشاء آليات للمساعدة الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث.
