القائمة الرئيسية

لماذا يعرقل نهج «مقاس واحد يناسب الجميع» في تمويل البنية التحتية التحول الحقيقي للاقتصاد؟

لماذا يعرقل نهج «مقاس واحد يناسب الجميع» في تمويل البنية التحتية التحول الحقيقي للاقتصاد؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن لنهج موحّد في تمويل البنية التحتية أن يعرقل التحول الاقتصادي، لأن الاقتصادات لا تنطلق من الظروف نفسها ولا تواجه المخاطر والاحتياجات ذاتها. وتوضح أن الدول التي تحدّث أنظمة قائمة تحتاج إلى أدوات تمويل تختلف عن تلك التي تبني بنيتها التحتية من الصفر، حيث يمكن للهياكل التمويلية المبتكرة، مثل التمويل بالعملة المحلية ورأس المال الميسر والضمانات، أن تحدد ما الذي يتم بناؤه ومدى سرعة تنفيذه. ومن خلال أمثلة من إفريقيا، تبيّن المقالة أن النجاح لا يعتمد فقط على ضخ المزيد من الأموال، بل على تصميم حلول تمويل تتناسب مع واقع كل اقتصاد ومسار تحوله.

  • بينما تسعى الدول إلى تحقيق أمن الطاقة وتعزيز القدرة التنافسية الصناعية والوفاء بالأهداف المناخية، غالباً ما يتركز النقاش العالمي حول تمويل البنية التحتية على كيفية تعبئة المزيد من رؤوس الأموال.
  • لكن كل دولة تخوض مسار التحول في الاقتصاد الحقيقي بطريقة مختلفة، وغالباً على مسار خاص بها وبهدف نهائي مختلف.
  • إن الإقرار بوجود مسارات غير متماثلة في مشهد تمويل البنية التحتية العالمي قد يساعد بعض الاقتصادات على تسريع تحولات الاقتصاد الحقيقي.

بينما تسعى الدول إلى تحقيق أمن الطاقة وتعزيز قدرتها التنافسية الصناعية مع الحفاظ على أهدافها المناخية، غالباً ما تعود النقاشات العالمية بشأن تمويل البنية التحتية إلى سؤال واحد: كيف يمكننا تعبئة المزيد من رؤوس الأموال لتمويل التحولات المتزامنة التي تشهدها مختلف الأنظمة؟

ورغم أن هذا سؤال مهم، فإنه قد لا يكون السؤال الأهم. فقد يكون الافتراض القائل بأن جميع الاقتصادات تخوض التحول نفسه في مجال الطاقة، وعلى المسار نفسه، ونحو النتيجة النهائية نفسها، عائقاً أكبر من حجم رأس المال المتاح.

تواصل تقنيات الطاقة النظيفة تطورها، كما يواصل الاستثمار العالمي في المناخ نموه. ومع ذلك، لا تزال المناطق التي تضم بعضاً من أكبر احتياجات البنية التحتية في العالم تحصل على حصة صغيرة فقط من الاستثمارات. فعلى سبيل المثال، لا تحصل الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية خارج الصين سوى على نحو 15% من إجمالي الاستثمارات العالمية السنوية المتوقعة في الطاقة النظيفة، والبالغة نحو تريليوني دولار، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، رغم أنها تمثل جزءاً كبيراً من الطلب المستقبلي على البنية التحتية.

وتبرز هذه الفجوة حقيقة أن حتى المسارات المؤدية إلى الهدف نفسه غير متماثلة بطبيعتها. وينبغي أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار ضمن المشهد الأوسع لتمويل البنية التحتية، لا سيما أنها قد تتيح لبعض الاقتصادات فرصة تجاوز مراحل تقليدية والقفز مباشرة إلى نماذج أكثر تقدماً في تحول الاقتصاد الحقيقي.

نقاط انطلاق مختلفة واحتياجات تمويل مختلفة

تعمل بعض الاقتصادات على تمويل تحديث بنيتها التحتية وأنظمتها الصناعية الناضجة، من خلال استبدال ما هو قائم بنسخ أكثر نظافة وكفاءة. في المقابل، تعمل اقتصادات أخرى على بناء هذه الأنظمة للمرة الأولى، من دون بنية تحتية قديمة تحتاج إلى تحديث، أو تقنيات قائمة يتعين استبدالها. وتؤدي نقاط الانطلاق المختلفة هذه إلى احتياجات مختلفة في تمويل البنية التحتية، ومستويات مختلفة من المخاطر، وفي كثير من الحالات إلى فرص مختلفة تماماً.

غالباً ما يواجه التمويل التقليدي صعوبة في إيجاد موطئ قدم في الأسواق التي تحتاج إليه أكثر من غيرها، لأن هذا التفاوت يُعامل باعتباره تفصيلاً ثانوياً ضمن قصة عالمية موحدة للتحول. لكن عندما يُعاد النظر إليه باعتباره نقطة انطلاق بدلاً من كونه عائقاً، يصبح مصدراً للانضباط في تصميم الحلول التمويلية، ودافعاً لإنشاء هياكل تمويل تتلاءم مع النظام الذي يجري بناؤه، لا مع النظام الذي صُممت الأدوات المالية في الأصل لخدمته.

وينطبق المنطق نفسه على قطاعات أخرى:

القطاعالهدف العالميالاقتصادات التي تعمل على التحديثالاقتصادات التي تعمل على البناء
الطاقةإزالة الكربون وتأمين إمدادات الطاقةاستبدال توليد الطاقة القائم على الوقود الأحفوري، وتحديث شبكات الكهرباء القديمة، ودمج مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة ضمن نظام مستقرتوسيع الوصول إلى كهرباء موثوقة من خلال توليد نظيف وموزع منذ البداية، وغالباً مع تجاوز الحاجة إلى إنشاء شبكة مركزية متكاملة بالكامل
النقل والتنقلإزالة الكربون من شبكات النقل الناضجةتحويل أساطيل المركبات القائمة والبنية التحتية للتزويد بالوقودبناء أنظمة التنقل حول النماذج الكهربائية والمشتركة من دون الحاجة إلى إدارة عملية انتقال من أسطول قديم يعمل بالاحتراق
الصناعةإزالة الكربون من القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، مثل الصناعات الثقيلة والآلاتتحديث المنشآت القائمة، وكهربة العمليات، وإدارة مخاطر الأصول العالقة في المرافق القديمةبناء قدرات صناعية جديدة مصممة منذ اليوم الأول حول مدخلات أقل انبعاثاً للكربون
الغذاء والزراعةبناء أنظمة غذائية منتجة وقادرة على التكيف مع المناختحديث الزراعة التجارية كثيفة المدخلات والتحول نحو الممارسات التجديدية والزراعة الدقيقةتوسيع الوصول إلى الأسواق والتخزين والتمويل ليشمل أنظمة صغار المزارعين التي تعمل إلى حد كبير بصورة غير رسمية

يتكرر هذا النمط عبر مختلف القطاعات. فالاقتصادات التي تعمل على التحديث غالباً ما تموّل عملية التحول من خلال استبدال نظام قائم بنظام أفضل، في ظل وجود مرافق عامة راسخة، وميزانيات قوية، وأطر تنظيمية قائمة.

أما الاقتصادات التي لا تزال تبني أنظمتها، فلديها فرصة للتعلم من أخطاء الاقتصادات الأخرى، لكنها تعمل في بيئات غالباً ما تكون فيها سجلات الائتمان، واليقين بشأن الطلب أو عقود الشراء، والضمانات المتعلقة بالأصول محدودة أو غير موجودة تماماً.

ولهذا، فإن هيكل التمويل المصمم للحالة الأولى، مثل تمويل المشروعات طويل الأجل القائم على جهة مرافق عامة معروفة، كثيراً ما يفشل في الحالة الثانية. وليس ذلك لأن الأساس الاقتصادي للمشروع أسوأ بالضرورة، بل لأن المخاطر التي صُمم الهيكل المالي لتسعيرها لا تتوافق مع المخاطر الموجودة فعلياً في الاقتصاد الذي لا يزال في مرحلة بناء أنظمته.

كيف يمكن لتمويل البنية التحتية أن يشكل مسار النمو؟

في الأسواق الناشئة، غالباً ما يُنظر إلى التمويل باعتباره عنصراً يأتي في مرحلة لاحقة، بحيث لا يمكن للتنمية أن تحدث إلا إذا توفر التمويل اللازم لها. لكن في الاقتصادات التي تبني أنظمتها من الصفر، كثيراً ما يسير التسلسل في الاتجاه المعاكس. فبنية التمويل المتاحة، بما في ذلك مدته، وعملته، وكيفية توزيع المخاطر، ونوعية الضمانات المقبولة، تؤثر في نوع التقنيات التي يتم بناؤها، وحجمها، والفئات التي ستخدمها.

فعلى سبيل المثال، يمكن لنموذج تمويل قائم على تجميع تدفقات نقدية صغيرة وموزعة ضمن محفظة قابلة للاستثمار أن يجعل الوصول إلى الطاقة الموزعة خياراً أكثر قابلية للتمويل مقارنة بتوسيع شبكة كهرباء مركزية. وهذا مسار شائع في الاقتصادات التي لا تمتلك شبكات كهرباء متطورة بالكامل.

كما أن هيكل التمويل بالعملة المحلية لا يقتصر دوره على خفض مخاطر تقلب العملات في صفقة واحدة، بل يغير أيضاً نوع البنية التحتية التي تبدو جذابة للمستثمرين في سوق اعتاد الاعتماد على ديون مقومة بالدولار مقابل إيرادات محلية.

وفي الاقتصادات التي لا تزال تبني أنظمتها على وجه الخصوص، تُظهر الأبحاث أن التمويل ليس مجرد قناة محايدة لنقل رأس المال، بل هو متغير فاعل يؤثر في ما يتم بناؤه وفي سرعة تنفيذه.

وهنا تكمن بالفعل جبهة الابتكار في تحول الاقتصاد الحقيقي: في تصميم الهياكل التمويلية، وليس فقط في البحث عن المزيد من رأس المال. فهذه الاقتصادات تحتاج إلى توريق المستحقات المالية الصغيرة، والجمع بين التمويل الميسر والتمويل التجاري ضمن هياكل مختلطة، وأدوات تمويل بالعملة المحلية، وضمانات للمحافظ الاستثمارية تتوافق مع طبيعة المخاطر التي يجري تمويلها ومع المستثمرين المطلوب منهم تحمل تلك المخاطر.

دروس من إفريقيا في تمويل البنية التحتية

في الاقتصاد الذي لا يزال يبني أنظمته، يمكن أن يصبح تسلسل التمويل نفسه جزءاً من استراتيجية النمو. ويتضح ذلك من تجربة شركة Freetown Waste Transformers لإدارة النفايات في سيراليون بإفريقيا.

في البداية، جمعت الشركة بين تمويل المؤسسين ومنح بلغ مجموعها أقل بقليل من 500 ألف جنيه إسترليني، بما في ذلك دعم من صندوق GSMA للابتكار، لإثبات جدوى نموذجها لتحويل النفايات إلى طاقة وتطوير تطبيق يحمل اسم DortiBox. وساعد ذلك الشركة في تأمين إمدادات منتظمة من النفايات العضوية اللازمة لأجهزة الهضم الحيوي التابعة لها، وهو ما كان يمثل أحد أبرز المخاطر التي تواجه المشروع.

وبعد أن عزز المشروع التجريبي والمنصة الرقمية المؤشرات التي تثبت جاهزية الشركة للاستثمار، خصصت شركة Climate Fund Managers مبلغ 3.9 ملايين دولار لمرحلة التطوير. وصُمم هذا الاستثمار بشكل واضح لاختبار إمكانية التوسع، من دون توقع عائد تجاري في تلك المرحلة. كما توجد فرصة استثمارية إضافية بقيمة 20.3 مليون دولار مرتبطة بنجاح هذه المرحلة.

واستخدم الهيكل التمويلي رؤوس أموال ميسرة وتحفيزية لتقليل مخاطر فئة من الأصول التي لا تمتلك سجلاً تاريخياً واضحاً، مما أتاح لرأس المال التجاري الدخول لاحقاً بعد إثبات المخاطر عملياً بدلاً من افتراضها.

وتختلف هذه الآلية عن النهج المستخدم في صفقات البنية التحتية الأكبر في إفريقيا، مثل تمويل شركة Axian Telecom للاتصالات الإفريقية في عام 2025، إلا أن المبدأ الأساسي يظل متشابهاً.

فقد تولى JPMorgan دور المنسق العالمي والوكيل المسؤول عن هيكلة تمويل التنمية لإصدار سندات بقيمة 600 مليون دولار لصالح Axian Telecom، بدعم من استثمارات أساسية بقيمة 60 مليون دولار قدمتها مؤسسات تمويل تنموية.

وفي حالة Axian، ساعد تمويل التنمية على تجميع ودعم القدرة على السداد لدى شركة اتصالات قائمة ولديها نشاط تشغيلي راسخ. أما تجربة Freetown Waste Transformers، فتعكس المنطق الأوسع نفسه ولكن انطلاقاً من مرحلة أبكر بكثير.

فبدلاً من المساعدة في تمويل شركة تمتلك بالفعل سجلاً تشغيلياً وتاريخاً في السداد، ساهم رأس المال الميسر في إنشاء الأدلة التشغيلية والبنية التحتية اللازمة لكي تتمكن فئة جديدة من الأصول القابلة للاستثمار من الظهور.

مسارات مختلفة لتحول الاقتصاد الحقيقي

يتطلب تسريع تحول الاقتصاد الحقيقي على المستوى العالمي المزيد من رأس المال، لكن رأس المال وحده لن يحل حالة عدم التطابق التي تقع في صميم مشكلة التفاوت في تمويل البنية التحتية.

فإلى جانب تعبئة الأموال، يجب أن تعكس أطر التمويل نقطة الانطلاق الفعلية لكل اقتصاد، والنظام الذي يسعى إلى بنائه، والمسارات التي سيعتمد عليها للوصول إلى ذلك الهدف. وهذه هي المهمة الأكثر صعوبة والأشد تأثيراً.

إن تمويل البنية التحتية الذي يصر على تطبيق نموذج واحد على الجميع سيواصل إغفال الأسواق التي تحتاج إليه أكثر من غيرها. أما التمويل الذي يتكيف مع المسارات غير المتماثلة للاقتصادات، فيمكنه أن يفتح المجال أمام الاستثمار في الأماكن التي عجزت فيها الأساليب التقليدية عن تحقيق النتائج المرجوة.

المصدر

مقالات ذات صلة