- تدفع الاستثمارات القياسية استكشاف القمر إلى التحول من زيارات قصيرة إلى إنشاء بنية تحتية دائمة على سطحه.
- توفر منصات التنقل التجارية الأساس المحوري لعمليات البناء والخدمات اللوجستية على سطح القمر.
- تسهم الشراكات القائمة على تقديم الخدمات مع القطاع الخاص في إرساء اقتصاد فضائي تبلغ قيمته عدة تريليونات من الدولارات.
بعد مرور خمسين عاماً على بعثات أبولو، يمثل برنامج «أرتميس» التابع لوكالة ناسا بداية حقبة جديدة من استكشاف الفضاء، إذ ينقل النقاش من المهام القصيرة الأجل إلى إقامة عمليات دائمة على سطح القمر. ومن شأن وجود بشري دائم على القمر أن يمهد الطريق للوصول إلى الموارد الفضائية، وتطوير تقنيات ونماذج تجارية جديدة، وإعادة فوائدها إلى الأرض.
وتدعم هذه الطموحات مستويات غير مسبوقة من رؤوس الأموال. فقد بلغ الاستثمار الخاص في قطاع الفضاء مستوى قياسياً قدره 55.3 مليار دولار في عام 2025، بزيادة 65% مقارنة بعام 2024، مع تزايد تركيز المستثمرين والشركات على البنية التحتية الفضائية العملية والبيانات والخدمات. كما عززت ناسا التزامها بهذا التوجه، من خلال خطط لاستثمار 20 مليار دولار على مدى سبع سنوات لتطوير قاعدة قمرية يمكن للبشر العيش والعمل فيها على سطح القمر.
لكن بناء قاعدة قمرية يتطلب نهجاً مختلفاً كلياً لاستكشاف الفضاء. فعلى مدى عقود، كان السؤال الأساسي في استكشاف القمر هو: كيف نصل إلى هناك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال الذي يطرحه القطاع هو: كيف نبقى هناك؟
كان هبوط رواد الفضاء على سطح القمر إنجازاً استثنائياً، لكن إنشاء وجود دائم يمثل تحدياً مختلفاً تماماً. فإذا كانت الصواريخ ومركبات الهبوط هي الوسيلة التي تصل بها البشرية إلى القمر، فإن التنقل هو ما يسمح باستمرار العمليات على سطحه، من خلال دعم البنية التحتية والتجارة والعلوم واستغلال الموارد، إلى جانب تطوير القدرات اللازمة للوصول إلى المريخ وما بعده.
تطور التنقل على سطح القمر
أظهر برنامج أبولو في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أن القدرة على التنقل تُحدث تغييراً جذرياً في الإمكانات المتاحة خارج الأرض. فقد مكّنت المركبة القمرية المتجولة رواد الفضاء من الابتعاد لمسافات أكبر عن مواقع الهبوط، وحمل الأدوات والعينات، وزيادة المردود العلمي لكل مهمة.
وخلال تلك البعثات، قطعت مركبات أبولو المتجولة أكثر من 55 ميلاً على سطح القمر. وقد كانت هذه المركبات ثورية بالنسبة إلى عصرها، لكنها صُممت لحقبة مختلفة تماماً من الاستكشاف، اتسمت بمهام قصيرة وحمولات محدودة وعدم وجود أي توقعات بالعودة إلى المواقع نفسها لبناء بنية تحتية دائمة.
أما برنامج أرتميس اليوم، فيتطلب مركبات قادرة على دعم عمليات متكررة، ونقل حمولات أثقل، وتنفيذ أعمال ذاتية التشغيل بين المهام المأهولة.
وهذا يعني الحاجة إلى جيل جديد من وسائل التنقل المصممة من أجل الاستدامة والاستكشاف والبحث العلمي، وكذلك لأغراض البناء والخدمات اللوجستية والتنقيب عن الموارد، مع الاعتماد على قوة عاملة روبوتية تواصل عمليات البناء باستمرار.
كيف يرفع برنامج أرتميس سقف التحديات
تتصور خطة ناسا لإنشاء قاعدة على القمر تشغيل مركبات هبوط ومركبات تضاريس قمرية وطائرات مسيّرة بالقرب من القطب الجنوبي للقمر حتى قبل وصول رواد الفضاء. ويطلب برنامج مركبات التضاريس القمرية التابع للوكالة من الشركات التجارية توفير وسائل نقل للطاقم، إلى جانب تقديم خدمات البنية التحتية والعلوم والخدمات اللوجستية التي يمكن تشغيلها عن بُعد.
ويتعيّن على المركبات المصممة وفق هذا النموذج، مثل مركبة «بيغاسوس» القمرية التابعة لشركة Lunar Outpost، أن تكون قادرة على نقل رواد الفضاء والعمل في ظروف حرارية شديدة القسوة، فضلاً عن العمل بشكل ذاتي بين المهمات المأهولة.
وبذلك، يصبح التنقل أكثر بكثير من مجرد وسيلة للنقل، إذ يتحول إلى منصة للبناء والصيانة والاتصالات والطاقة واستخراج الموارد.
ويتطلب بناء هذه الأنظمة وتوسيع نطاقها خبرات متنوعة. ففي مشروع «بيغاسوس»، تقود Lunar Outpost فريقاً من الشركاء يعيد إلى الأذهان روح التعاون التي ميزت حقبة أبولو. وتوفر شركة جنرال موتورز خبراتها المتقدمة في مجال الكهرباء، بينما تسهم شركة Goodyear بعجلات مصنوعة من شبكات سلكية مصممة للتضاريس القاسية، وتضيف شركة Leidos خبراتها في تكامل الأنظمة والهندسة الخاصة بالمهام الفضائية.
ويمثل هذا التعاون نموذجاً يوضح كيف سيتشكل مستقبل الفضاء من خلال منظومة متكاملة من الجهات التي تعمل معاً لدفع حدود الابتكار.
اقتصاد جديد
سيتم تحديد ملامح الحقبة المقبلة من استكشاف الفضاء إلى حد كبير من خلال الأسواق التي ستنشأ مع ترسيخ وجود دائم للبشر خارج الأرض. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن قيمة اقتصاد الفضاء تبلغ نحو 686 مليار دولار، مع توقعات بوصولها إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035.
وسيمتد هذا النمو إلى ما هو أبعد بكثير من قطاع الطيران والفضاء التقليدي، ليشمل النقل والاتصالات الرقمية والخدمات اللوجستية.
وقد قدم برنامج أبولو لمحة مبكرة عن هذه الإمكانات التجارية، عندما تحولت ساعة Omega Speedmaster من أداة معتمدة من ناسا للبعثات الفضائية إلى قصة علامة تجارية عالمية. أما برنامج أرتميس وقطاع الفضاء التجاري الحديث فيعملان اليوم على توسيع هذا النموذج ليشمل عدداً أكبر بكثير من الصناعات.
فعوضاً عن تطوير كل الأنظمة وامتلاكها بشكل مباشر، تتجه ناسا بصورة متزايدة إلى شراء الخدمات من مزودين تجاريين.
ومن خلال برامج مثل خدمات الحمولات القمرية التجارية، تحتفظ الشركات بملكية مركبات الهبوط والمركبات الجوالة الخاصة بها، ثم تبيع قدراتها، بما في ذلك خدمات النقل والطاقة ونقل البيانات، إلى ناسا وإلى العملاء التجاريين على حد سواء.
وفي هذا النموذج، تعمل الحكومة باعتبارها العميل الأساسي، بينما تقوم الشركات بتطوير الأصول ونماذج الأعمال اللازمة لخدمة سوق أوسع.
وقد أثبتت Lunar Outpost جدوى هذا النهج من خلال مركبة MAPP، وهي منصة متنقلة ذاتية التشغيل للتنقيب، خلال الرحلة القمرية الأولى للشركة. وحملت المركبة حمولات لصالح شركاء من بينهم نوكيا ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بهدف إظهار الكيفية التي تتيح بها المنصات التجارية وصولاً أوسع إلى سطح القمر.
وتتسارع نماذج الخدمات المشابهة في مختلف أنحاء القطاع، بدءاً من شركات تقدم خدمات متكاملة لنقل الحمولات إلى سطح القمر، وصولاً إلى تطوير تقنيات الاتصالات الأرضية من الجيل الرابع لتعمل ضمن شبكات اتصالات قمرية.
كما تُظهر شراكات أخرى لـLunar Outpost مع شركات في مجالات الألعاب والملابس الرياضية أن الابتكار القمري يمكن أن يمتد أيضاً إلى المنتجات الاستهلاكية والتعليم والثقافة.
القفزة العملاقة التالية
القمر هو المكان الذي تتعلم فيه البشرية كيفية العمل خارج كوكب الأرض. وكل قدرة يتم تطويرها هناك، بدءاً من التنقل والعمليات الذاتية، وصولاً إلى الإدارة الحرارية والروبوتات التي تعمل عن بُعد، تسهم في تقليل المخاطر التقنية والتشغيلية للبعثات المستقبلية إلى المريخ وما بعده.
كما يمثل القمر المكان الذي ستخضع فيه نماذج الأعمال اللازمة لاقتصاد فضائي واسع يتجاوز مدار الأرض للاختبار والإثبات.
فالوجود الدائم سيتيح للشركات والحكومات تعلم كيفية تقديم الخدمات، والحفاظ على استمرارية العمليات، والاستفادة من الموارد الفضائية.
ويمكن استخدام الجليد المائي لدعم الحياة وإنتاج وقود الدفع، في حين يمكن استخدام الهيليوم-3 في المستقبل لتشغيل أنظمة اندماج نووي متقدمة. كما ستساعد مواد البناء المتاحة في الفضاء على إنشاء قواعد دائمة على القمر والمريخ.
لقد أحدث الاستثمار في الفضاء تحولات متكررة في المجتمع. فقد ساعد طلب برنامج أبولو على دوائر إلكترونية متكاملة صغيرة الحجم وعالية الموثوقية في تسريع إنتاج أشباه الموصلات وأسهم في إشعال ثورة الحوسبة، بينما أسهمت برامج الفضاء الحكومية في ظهور أنظمة تحديد المواقع العالمية وتطوير التنبؤات الجوية الحديثة.
وسيتذكر التاريخ برنامج أرتميس باعتباره البرنامج الذي أعاد البشر إلى القمر. لكن إرثه الأكبر قد يتمثل في إثبات قدرة البشرية على إقامة وجود دائم خارج الأرض، والاستفادة من موارد الفضاء لتحسين الحياة على كوكبنا.
يربط التنقل على سطح القمر بين الاستكشاف والبنية التحتية، ويربط البنية التحتية بالنشاط الاقتصادي، كما يربط القمر بالوجهات التالية للبشرية في أعماق الفضاء.
وتعتمد القفزة العملاقة التالية للبشرية على تحقيق ذلك.
