- تراجعت حصة أفريقيا من صادرات السلع العالمية من 4.8% عام 1973 إلى 2.7% عام 2025، رغم أن القارة تمتلك نحو ثلث احتياطيات المعادن في العالم.
- مع تعثر العمل متعدد الأطراف، أصبحت التحالفات المصغّرة بين الدول ذات المصالح المتقاربة ساحة جديدة للتجارة العالمية.
- يشرح مارك ألكسندر دومبا، وزير الاقتصاد الرقمي والابتكار في الغابون، كيف يمكن لعصر «التعددية المصغّرة» أن يصب في مصلحة أفريقيا.
أمضت أفريقيا عقودًا في تعزيز اندماجها في النظام التجاري العالمي. إلا أن هذا الاندماج لم يترجم إلى زيادة مماثلة في حصتها من خلق القيمة على المستوى العالمي.
ومع إعادة تشكيل قواعد التجارة اليوم حول التكنولوجيا والسياسات الصناعية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الاستراتيجية، لم يعد السؤال يقتصر على الكيفية التي تستطيع بها أفريقيا المشاركة. بل أصبح يتمحور حول ما إذا كان بإمكانها المشاركة وفق شروط تمكّنها من الاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة التي تولدها.
وخلال اجتماع «دافوس الصيفي» لهذا العام، كان من أبرز محاور النقاش تراجع فعالية التعددية التقليدية وصعود ما يُعرف بـ«التعددية المصغّرة»، أي فكرة أن التعاون التجاري بين مجموعات أصغر من الدول التي تجمعها مصالح متقاربة قد يحقق نتائج أفضل من المفاوضات العالمية الواسعة والمعقدة.
ويشير العدد المتزايد من الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف المحدودة بين دول من مستويات دخل مختلفة إلى أن العالم بدأ بالفعل يتجه عمليًا نحو هذا النموذج. فمنذ الأزمة المالية العالمية، تعثرت المفاوضات متعددة الأطراف بشأن التجارة والصناعة والتحول الأخضر والتكنولوجيات الناشئة. وخلصت دول عديدة، بصورة ضمنية، إلى أن التعددية بصيغتها الحالية لم تعد تحقق أفضل النتائج للمصلحة الجماعية.
موقع أفريقيا في التجارة العالمية يتراجع
لا تبدو أهمية هذا التحول أكثر وضوحًا في أي مكان كما هي في أفريقيا. فعلى مدى العقود الخمسة الماضية، انخفضت حصة أفريقيا من صادرات السلع العالمية من نحو 4.8% عام 1973 إلى 2.7% عام 2025. وخلال الفترة نفسها، ارتفعت حصة الصين من صادرات السلع العالمية من 1% إلى 14.8%، في وقت توسعت فيه التجارة العالمية في السلع من 579 مليار دولار إلى 25 تريليون دولار.
أصبحت أفريقيا أكثر اندماجًا في النظام التجاري العالمي، لكنها استحوذت في الوقت نفسه على حصة متناقصة باستمرار من التجارة العالمية. وتمتلك القارة نحو ثلث احتياطيات المعادن في العالم، بما في ذلك أكبر الاحتياطيات المعروفة من الكوبالت والبلاتين والمنغنيز والكروم، إلى جانب كونها واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم من حيث عدد السكان. ومع ذلك، بقيت القارة إلى حد كبير على هامش المشهد بينما استحوذ آخرون على الحصة الأكبر من التجارة العالمية.
ويصبح هذا النمط أكثر وضوحًا كلما انتقلنا إلى مستويات أعلى في سلسلة القيمة. إذ تبلغ حصة أفريقيا من صادرات المنتجات المصنعة نحو 1.4% فقط، بينما تقل حصتها من الخدمات المقدمة رقميًا، وهي الفئة الأسرع نموًا في التجارة العالمية، عن 1%.
وكلما ازدادت السلع والخدمات تعقيدًا، انخفضت قدرة الدول الأفريقية على إنتاج ما تستهلكه بنفسها. ومع تحول الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى محرك متزايد الأهمية لنمو التجارة العالمية في السلع، من المرجح أن تتفاقم هذه الأنماط إذا لم تتم معالجتها.
وكما أشار زميلي في الجلسة، النائب المحترم كودي بلوا، فإن القوى المتوسطة بحاجة إلى «التكتل حول مصالح مشتركة محددة ضمن مجموعات أصغر وأكثر تركيزًا ووضوحًا في أهدافها».
فالسؤال لم يعد ما إذا كانت التعددية المصغّرة آخذة في الصعود، فهي كذلك بوضوح. بل إن السؤال الأعمق يتمثل في ما إذا كانت الدول الأفريقية قادرة على دخول هذه الدوائر الأصغر وهي تمتلك قدرًا كافيًا من القوة التفاوضية لتحقيق نتائج مختلفة عن تلك التي أفرزها النظام متعدد الأطراف.
ويتطلب ذلك مواجهة حقيقة غير مريحة. فقد باتت القارة اليوم تمتلك قدرًا أكبر من الإرادة السياسية والنضج المؤسسي للتعامل مع العالم بشروط أكثر حزمًا، إلا أن هذا يحدث في الوقت نفسه الذي يعاد فيه صياغة تلك الشروط بطريقة ترفع كلفة الدخول إلى المنافسة بصورة كبيرة.
فالاقتصاد المدفوع بالذكاء الاصطناعي يختلف هيكليًا عن التحولات الصناعية السابقة. فهو أكثر كثافة في رأس المال، وأكثر تطلبًا من الناحية التقنية، ويحتاج إلى كميات أكبر من الطاقة والموارد، كما يعتمد على بنية تحتية تتركز في عدد محدود من المناطق الجغرافية، خصوصًا في الولايات المتحدة والصين.
وفي التحولات السابقة، كان الانفتاح والميزة النسبية قادرين بمرور الوقت على إتاحة فرص مشاركة اقتصادية ذات معنى. أما اليوم، فقد أصبحت القدرة على إنتاج المدخلات الحيوية محليًا أو تأمينها من خلال شراكات موثوقة العامل الحاسم الذي يحدد من يستطيع الاستحواذ على القيمة ومن يظل في الطرف الاستخراجي من سلسلة القيمة.
كيف يمكن لأفريقيا اللحاق بركب التجارة العالمية
لا يتمثل التحدي الأفريقي ببساطة في زيادة حجم التجارة، بل في الحصول على قيمة أكبر مما يتم تداوله. ويتطلب ذلك اتخاذ إجراءين أساسيين.
يتمثل الإجراء الأول في تعزيز القيمة المضافة للموارد من خلال معالجة المواد الخام الاستراتيجية محليًا قبل تصديرها، بدلًا من تصدير المواد الأولية التي تشكل مدخلات لسلاسل القيمة الصناعية لدى الآخرين ثم إعادة استيراد المنتجات النهائية.
وفي الغابون، سيدخل قرار الرئيس أوليغي نغيما بحظر تصدير المنغنيز الخام حيّز التنفيذ عام 2031. وتوضح هذه السياسة كيف يمكن استخدام سياسات الموارد ليس فقط لتنظيم الصادرات، بل أيضًا لإعادة تموضع الاقتصاد عمدًا داخل سلسلة القيمة، وخلق حوافز لزيادة عمليات المعالجة المحلية، بما يرفع نسبة القيمة التي يتم الاحتفاظ بها داخل البلاد قبل مغادرة المواد الأولية.
وسيظل نجاح هذه السياسة معتمدًا على مدى تطوير البنية التحتية والطاقة ورأس المال والقدرات الصناعية اللازمة بالتوازي معها.
أما الإجراء الثاني فهو نشر الرقمنة على نطاق واسع. فتوجيه المزيد من النشاط الاقتصادي عبر البنية التحتية والمنصات الرقمية لا يقتصر على تحسين كفاءة الحكومة، بل يساهم أيضًا في إدخال مزيد من الأنشطة الاقتصادية إلى الاقتصاد الرسمي، ورفع الإنتاجية، وتوسيع القاعدة الضريبية، ومنح الحكومات قدرة مالية أكبر لدعم تطوير القطاع الصناعي.
كما تستطيع الدول التي تتقدم في مسار الرقمنة إنشاء بيانات اقتصادية أكثر جودة، ومؤسسات أكثر كفاءة، وأسواق أكثر تطورًا، وبشكل متزايد، بناء الظروف التي تسمح لها بتصدير خدمات رقمية ذات قيمة مضافة بدل الاكتفاء بتصدير السلع المادية.
ويؤدي هذان التحولان معًا إلى تغيير موقع أفريقيا التفاوضي بصورة جوهرية. فإذا دخلت الدول الأفريقية المفاوضات ضمن تحالفات مصغّرة وهي تمتلك معادن مصنّعة أو معالجة، واقتصادات رقمية، وأسواقًا محلية متنامية، فإنها تستطيع أن تتحول إلى شركاء تفاوضيين يتمتعون بقوة تفاوضية أكبر.
كما أن أفريقيا الأكثر تصنيعًا والأكثر اتصالًا رقميًا لن تحقق نتائج أفضل للقارة فحسب، بل ستساهم أيضًا في تعزيز الاقتصاد العالمي من خلال زيادة مرونة سلاسل الإمداد، وتنويع إنتاج المدخلات الحيوية، وتوسيع الأسواق أمام الابتكار، والمساهمة في تحقيق نمو أكثر توازنًا واستدامة.
ولهذا فإن التحول الهيكلي لأفريقيا لا يمثل ضرورة أفريقية فقط، بل يشكل أيضًا فرصة اقتصادية عالمية.
لماذا تحتاج أفريقيا إلى التفاوض ككتلة واحدة
لكن امتلاك أدوات القوة وحده لا يكفي. فالمجموعات الأصغر لا تؤدي تلقائيًا إلى نتائج أكثر عدلًا، بل غالبًا ما تنتج مفاوضات أكثر كفاءة وسرعة، وهذان أمران مختلفان.
وقد جرى التعامل في مناسبات كثيرة مع الدول الأفريقية التي تتمتع بثروات معدنية كبيرة بصورة فردية، تحديدًا لأن المفاوضات الثنائية تكون أسهل في ترجيح كفة أحد الطرفين.
ويتمثل الحل في الاتفاق على مبادئ تفاوض مشتركة، وخطوط حمراء موحدة، وامتلاك القدرة والصبر على الانسحاب من الصفقات التي لا تولد الآثار الاقتصادية والتنموية الإضافية التي تحتاج إليها القارة.
ولا يمكن للتعددية المصغّرة أن تعمل لصالح أفريقيا إلا إذا تعاملت الدول الأفريقية معها باعتبارها استراتيجية تقوم على العمل ككتلة واحدة، لا كسلسلة من الصفقات الفردية المنفصلة.
ولا يواجه النظام متعدد الأطراف ضغوطًا لأن التعاون العالمي فكرة خاطئة في حد ذاتها. بل يواجه تحديات لأن الدول، على اختلاف مستويات دخلها، تنافست على السيطرة على الشرائح الأعلى قيمة ضمن سلاسل الإنتاج، وغالبًا ما تبنّت عقلية ترى المكاسب والخسائر بمنطق صفري، وهو ما ترك مساحة محدودة للتحول الهيكلي الذي كانت أفريقيا تحتاج إليه.
ولا تكمن العبرة في أن الانفتاح كان خطأ. بل في أن الانفتاح من دون امتلاك قدرات إنتاجية نادرًا ما يؤدي إلى تحول هيكلي حقيقي.
وفي المرحلة المقبلة، ستكون القدرة على امتلاك أوراق القوة التفاوضية مهمة بقدر أهمية الانفتاح.
لقد أمضت أفريقيا عقودًا وهي تشارك في التجارة العالمية من دون أن تمتلك قوة تفاوضية كافية. ولم يعد السؤال الآن ما إذا كانت أفريقيا ستحصل على مقعد على طاولة المفاوضات.
بل أصبح السؤال هو: عندما تجلس أفريقيا إلى تلك الطاولة، هل ستأتي إليها مجرد مورّد للمواد والمدخلات، أم شريكًا في ابتكار وبناء الصناعات التي ستشكل الاقتصاد العالمي في المستقبل؟
