يضع وزير الخزانة الجديد ملامح أجندته الاقتصادية، وفي الوقت نفسه يمازح الأكاديميين ويستفزهم. ففي مقال نشرته صحيفة «ميرور» في عطلة نهاية الأسبوع، يوجه جون هيلي حقيقة مؤلمة إلى أكاديميين مثلي يدرسون موضوع النمو الاقتصادي، عندما يقول إن «القراء لا يريدون الاستماع إلى محاضرة في الاقتصاد».
وربما يتفق طلابي مع ذلك. ومع ذلك، تحتاج الحكومة إلى نوع من النظرية التي تفسر كيفية تحقيق النمو، ولم يكن واضحًا دائمًا ما هي هذه النظرية. ففي عام 2024، طرحت أنا وأفيك باتاشاريا سؤالًا على 13 اقتصاديًا بارزًا حول تصورهم لنظرية ستارمر وريفز للنمو الاقتصادي. ولم نجد إجابة متسقة، رغم أن ريفز بدأت تدريجيًا في بناء نظرية خاصة بها أثناء وجودها في المنصب. وقد ألقى جون هيلي أمس أول خطاب رئيسي له حول السياسة الاقتصادية، في حين يمتلك بورنهام سجلًا طويلًا من العمل في مانشستر. فهل يمكننا أن نحدد ما هي نظرية بورنهام وهيلي للنمو؟
محاولة مواءمة نظرية اقتصادية مع رؤية بورنهام وهيلي
لنبدأ بالنموذج الكلاسيكي الجديد، الذي ربما يكون أشهر النماذج الاقتصادية. ففي صورته الأساسية، يقاد النمو من خلال الزيادات في رأس المال والعمل، ومن خلال الكفاءة التي يتم بها استخدامهما. وهناك نقطة انطلاق يمكن وصفها بأنها تنتمي بوضوح إلى المدرسة الكلاسيكية الجديدة في بعض صياغات هيلي، إذ يقول إن هناك «فشلًا في الاستثمارات العامة في خلق الظروف اللازمة للاستثمارات الخاصة».
لكن هيلي يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن الاستثمار العام ينبغي أن يؤدي إلى زيادة العوائد على الاستثمار الخاص، بما يساعد المملكة المتحدة على الخروج من حالة توازن تتسم بانخفاض مستويات الاستثمار. وقد اتجه إلى استخدام المؤسسات المالية العامة بصورة أفضل، مثل صندوق الثروة الوطني والبنك البريطاني للأعمال، بهدف جذب استثمارات القطاع الخاص وزيادتها. وليس التركيز على الاستثمار أمرًا مفاجئًا، فقد ألّف أحد وزراء الخزانة، تورستن بيل، كتابًا ممتازًا حول هذا الموضوع. لكن سيكون من المبالغة وصف نهج هيلي بأنه نهج كلاسيكي جديد.
هناك نظرية ثانية أقل شهرة، لكنها أكثر أهمية. تتنبأ نماذج الاقتصاد الكلاسيكي الجديد، بصورة تقريبية، بحدوث تقارب بين المناطق، لأن عوائد رأس المال تكون أعلى في المناطق الأكثر فقرًا. وعلى النقيض من ذلك، تشير نماذج الجغرافيا الاقتصادية الجديدة إلى أن الفوائد الاقتصادية الناتجة عن التكتل تؤدي إلى استمرار أنماط المركز والأطراف. والجغرافيا الاقتصادية الجديدة لا تتعلق بالنمو في الأساس، بل بالتوزيع. إلا أنها تركز على أنماط التكتل الاقتصادي، وهو ما أصبح الآن جزءًا أساسيًا من الخطاب المتعلق بالسياسات في المملكة المتحدة.
يعد نموذج بورنهام وهيلي بتحقيق «نمو جيد في جميع المناطق»، وأن «قصة نمو بريطانيا ستُكتب في مزيد من الأماكن». لكن نماذج الجغرافيا الاقتصادية الجديدة توضح أن النشاط الاقتصادي يتوزع مكانيًا بصورة غير متساوية بشكل شبه حتمي. وتفسر هذه النظرية نمو مدينة مانشستر، حيث استفاد المركز الحضري من وفورات التكتل الاقتصادي، لكنها تفسر أيضًا التحدي المتمثل في توزيع ثمار هذا النمو.
وفي نهاية المطاف، يمكن النظر إلى مبادرة «رقم 10 نورث» باعتبارها محاولة لإنشاء مركز للقوة في إنجلترا خارج لندن. وهناك أوجه شبه مع أجندة «القوة الشمالية» التي تبناها أوزبورن، والتي بدت جيدة من الناحية النظرية لكنها واجهت صعوبات عند تطبيقها عمليًا. ويبدو تحقيق النمو في المدن البريطانية من المستوى الثاني أمرًا ممكنًا، لكن توزيع هذا النمو بصورة عادلة سيكون أكثر صعوبة.
أما النظرية الثالثة، وهي نظرية النمو الداخلي، فتضع التغير التكنولوجي باعتباره المحرك الأساسي للنمو، ومن ثم تقود إلى التركيز على الابتكار والتكنولوجيا الجديدة. وقد أبدى هيلي ترحيبًا حذرًا بالذكاء الاصطناعي. لكن الأمر لا يتعلق بمجرد التركيز على الابتكار من أجل الابتكار نفسه. فقد بدأت خطاباته الأخيرة تتناول أيضًا تحديات التوسع وتحويل الابتكارات إلى منتجات وخدمات تجارية واعتمادها على نطاق واسع.
هناك أدلة قوية أيضًا على وجود نظرية رابعة، هي نظرية التنمية، كما يوضح بن أنسيل. وهي نوع من المزج بين تدخل الدولة والسياسة الصناعية. ولدى هيلي تجربة سابقة في هذا المجال، إذ استخدم المشتريات الحكومية أداةً لتعزيز النمو عندما كان مسؤولًا عن قطاع الدفاع. لكن هناك ما هو أبعد من ذلك، يتمثل في زيادة السيطرة العامة، وتسريع تحرك الدولة، والرغبة في اتخاذ قرارات لا تعرقلها عمليات التشاور الطويلة والمعقدة. ويُبرر نقل الصلاحيات إلى المناطق باعتباره وسيلة لمعالجة المشكلات في وقت مبكر وإيجاد طرق لحلها. ويمكن أن نطلق على ذلك اسم «التنمية من خلال نقل الصلاحيات».
أما النظرية الأخيرة، فقد أصبحت أكثر رواجًا في الأوساط الاقتصادية التي أتعامل معها، وهي اقتصاديات جانب العرض الحديثة التي استلهمها جو بايدن وجانيت يلين. وتقوم هذه النظرية على فكرة إمكانية زيادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد من خلال استثمارات توسع قوة العمل، وتزيد الاستثمار، وتعالج إخفاقات السوق. وقد أدرجت ريفز اقتصاديات جانب العرض الحديثة ضمن أفكارها المتعلقة بـ«الأمن الاقتصادي». واتبع هيلي النهج العام نفسه، لكن هناك تركيز محدود حتى الآن على عرض العمالة، باستثناء قضية بطالة الشباب.
ما الذي ينقص نظرية بورنهام وهيلي؟
يبدو أن كلًا من بورنهام وهيلي يتجنبان القضايا السياسية الصعبة المتعلقة بالتجارة والهجرة. وهناك قضية شائكة أخرى، هي الضرائب، لكنها تظهر فقط في إطار نقاش أوسع حول الانضباط المالي. وفي خطاب هيلي أمس، لم يذكر أوروبا سوى مرة واحدة، وهو رقم مذهل بالنسبة إلى المملكة المتحدة، إذ قال إن «نصف الشركات الأكثر ابتكارًا في أوروبا موجودة في المملكة المتحدة».
وبناءً على ذلك، ماذا يمكننا أن نستنتج بشأن نظرية بورنهام وهيلي للنمو؟
تقوم النظرية على أن بريطانيا تمتلك إمكانات إنتاجية كبيرة، لكن المؤسسات المختلة وانخفاض مستويات الاستثمار يمنعانها من استغلال هذه الإمكانات. وهي نظرية عملية أكثر من كونها نظرية تركز على إطار فكري شامل. والنتيجة تشبه ما يمكن تسميته «التنمية اللامركزية»، أي نسخة قائمة على المكان من اقتصاديات جانب العرض الحديثة، تحاول فيها دولة أكثر نشاطًا وأقل تعقيدًا إطلاق العنان للاستثمار الخاص وزيادة الإنتاجية. ويمثل هذا تطورًا في نهج ريفز، مع وجود تركيز أقل حتى الآن على التحول الأخضر.
وهناك رهانات كبيرة على المدن البريطانية من المستوى الثاني، وعلى استعداد القطاع الخاص وقدرته على الاستثمار، وعلى إمكانية نجاح المملكة المتحدة في تحويل نجاحاتها البحثية إلى منتجات وخدمات تجارية، وعلى قدرة الدولة على إعادة تنظيم نفسها لاتخاذ قرارات أفضل. ويجب أن تكون هذه الرهانات كافية لتعويض الجوانب الغائبة عن استراتيجيتهم، مثل التجارة، وتعميق العلاقة مع أوروبا، والمهارات، والتركيبة السكانية، وعرض العمالة، وتحقيق صافي انبعاثات صفري. ومعظم هذه القضايا سياسية وصعبة، لكنها ستؤثر بصورة هائلة في الاقتصاد.
ويبقى السؤال هو ما إذا كانت هذه الرهانات ستؤتي ثمارها. وهيلي محق في أن قراء صحيفة «ميرور» لا يريدون الاستماع إلى محاضرة في الاقتصاد. لكن نجاح الحكومة، وفرصتها في إعادة الاقتصاد البريطاني إلى مسار نمو مستدام، سيعتمدان في نهاية المطاف على مدى صحة النظريات الاقتصادية التي تستند إليها سياساتها.
