الأحذية المصممة حسب الطلب، والمشروبات الشخصية، وخيارات القوائم المتخصصة. في عالم تنتشر فيه المنتجات المتطابقة على نطاق واسع، يتعين على تجار التجزئة أن يجعلوا منتجاتهم مميزة وأن يقدموا للعملاء تجربة شراء فريدة.
وتزداد الحاجة إلى التميز في وقت أصبح فيه المستهلكون أكثر حرصًا بشأن كيفية إنفاق أموالهم. ويتعين على الشركات أن تبذل جهودًا أكبر في ظل تنافسها على إنفاق المستهلك، ولذلك أصبحت حروب الأسعار بين تجار التجزئة أمرًا شائعًا.
أدرجت مجلة فوربس المتخصصة في الأعمال التجارية عالميًا التخصيص، من خلال المنتجات المصممة حسب الطلب والخدمات الشخصية، ضمن أكبر عشرة اتجاهات في عالم الأعمال لعام 2024.
ومن الواضح، بل كان ذلك واضحًا منذ سنوات، أن التخصيص يجذب المستهلكين الذين يرغبون في الشعور بأن علاماتهم التجارية المفضلة تهتم بهم وتفهم احتياجاتهم. وفي الواقع، فإن المستهلكين مستعدون لدفع المزيد مقابل هذه التجربة.
كيف تعرف الشركات ما يريده المستهلكون؟
تستخدم الشركات بشكل متزايد ما يطلق عليه المسوقون «التخصيص على نطاق واسع»، وذلك من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بالأفراد لتقديم منتجات مصممة بما يتناسب مع احتياجاتهم وسلوكياتهم وتفضيلاتهم الخاصة.
وتستخلص هذه البيانات التاريخية والآنية من سلوك المستهلكين أثناء الشراء والتصفح عبر الإنترنت، واستخدام تطبيقات الهواتف المحمولة، وعمليات البحث على الإنترنت، وسلال التسوق الإلكترونية، وبطاقات الولاء الخاصة بالعلامات التجارية.
ويعمل متجر التجارة الإلكترونية أمازون على تخصيص توصيات المنتجات بناءً على سجل تصفح المستهلك ومشترياته، فيعرض له المنتجات نفسها التي سبق أن اشتراها، أو منتجات مشابهة لها، أو سلعًا سبق له الاطلاع عليها على الأقل.
وبالمثل، تحلل منصات بث المحتوى الترفيهي نتفليكس وسبوتيفاي سجل المشاهدة والاستماع لدى مستخدميها لفهم تفضيلاتهم واقتراح محتوى جديد عليهم.
أما شركة ستاربكس العملاقة في مجال القهوة، فتتواصل مع أعضائها المخلصين من خلال الألعاب الموجودة في تطبيقها للهواتف المحمولة، وتكافئ العملاء الأوفياء بعروض متخصصة وتجارب حصرية لمنتجات جديدة. وتُخصص الألعاب لكل عميل بناءً على البيانات التي جُمعت من زياراته السابقة وتفاعلاته مع التطبيق.
وكانت حملة «شارك كوكاكولا» التي أطلقتها شركة كوكاكولا في أستراليا عام 2011 مثالًا ناجحًا على الرابطة التي يمكن للعلامات التجارية أن تبنيها مع المستهلكين بمجرد إضافة اسم شخص إلى المنتج.
ووضعت الشركة على زجاجاتها وعلبها أسماء أكثر 150 اسمًا شيوعًا في أستراليا، وحثت المستهلكين على مشاركة زجاجة كوكاكولا مع شخص يحمل الاسم الموجود على الملصق. وتوسعت قائمة الأسماء لاحقًا.
أما أحدث ابتكارات لوريال، فهو تقنية داخل المتاجر تقوم بمسح بشرة كل عميل رقميًا. وتُستخدم البيانات التي يتم الحصول عليها لإنتاج كريم أساس مخصص، من بين 72 ألف تركيبة ممكنة، ليتناسب مع درجة لون بشرة الفرد ومستوى ترطيبها ودرجة التغطية التي يحتاج إليها.
وتنتج نايكي أحذية مخصصة بآلاف التصاميم والألوان ومجموعات الرموز، بالتزامن مع استمرارها في الاستحواذ على منصات لدمج البيانات تساعدها على تسريع عملية جمع بيانات المستهلكين وتحليلها.
المستهلكون يريدون المزيد من تجربة التسوق
في الفترات التي سبقت العصر الرقمي، كان التخصيص يعتمد على البيانات الديموغرافية العامة والملاحظات المباشرة من العملاء. وكان يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاعلات شخصية داخل المتاجر بين موظفي المبيعات والعملاء المهمين، أو إلى تصميم خدمات المتجر بما يتناسب مع احتياجاتهم. وكان التخصيص آنذاك في متناول الأفراد ذوي الثروات المرتفعة فقط.
لكن العصر الرقمي جعل التخصيص متاحًا لجميع المستهلكين، وليس فقط للعملاء من الفئة الراقية. ويتوقع المتسوقون اليوم تجارب فريدة، وهم مستعدون للتعبير عن تفضيلاتهم من خلال إنفاق أموالهم. وتدعم ذلك أبحاث تُظهر أن التجارب الشخصية تؤدي إلى زيادة مبيعات الشركات.
ولم تؤد جائحة كوفيد 19 إلا إلى زيادة الحاجة الملحة إلى التخصيص لدى الشركات، إذ انتقل المستهلكون إلى متاجر ومنتجات وأساليب شراء جديدة، مما أثبت أن الولاء للعلامة التجارية لم يعد أمرًا مضمونًا كما كان في السابق.
ويتوقع المستهلكون الآن قيمة أكبر من العلامات التجارية. فهم يريدون أن يشعروا بأن العلامة التجارية تتعرف إليهم وتفهمهم على المستوى الفردي، لا أن تتعامل معهم باعتبارهم جزءًا من جمهور جماعي. ويسمح التخصيص على نطاق واسع للمستهلكين بالشعور بأنهم أصحاب القرار في اختياراتهم. وينشأ هذا الشعور بالملكية النفسية من تصميم المنتج «الخاص بهم»، ويمكن أن يؤدي إلى زيادة القيمة وتعزيز حب العلامة التجارية.
لماذا ينجح التخصيص مع العلامات التجارية الكبرى؟
يوفر التخصيص على نطاق واسع العديد من المزايا للشركات. فهو يمكن أن يخفض تكاليف اكتساب العملاء ويزيد الإيرادات. كما أن تخصيص التجارب لملايين العملاء يجعل من الصعب على المنافسين تقليدها، ولا سيما عندما تستخدم العلامات التجارية تقنيات خاصة بها.
ويعني التخصيص أيضًا تقليل الهدر، لأن العلامات التجارية تنتج ما يريده المستهلكون فعلًا بدلًا من إنتاج ما تعتقد أنها تريده. وفي نهاية المطاف، فإن المستهلكين الذين يجدون منتجات مصممة خصيصًا لهم يكونون أقل ميلًا إلى التخلي عما يرونه ابتكارًا خاصًا بهم.
ومع ذلك، فإن استخدام الخوارزميات التنبؤية لمساعدة العلامات التجارية على تحليل السلوكيات السابقة، مثل ما اشتريته أو شاهدته أنت وأشخاص يشبهونك، ثم تقديم خيارات مخصصة على نطاق واسع، قد لا يكون دقيقًا دائمًا.
وقد تعرض اعتماد تطبيق المواعدة تيندر على الخوارزميات لتحديد الصور التي يراها المستخدمون للانتقاد، باعتباره نظامًا يعاني من أوجه قصور، مع معدلات منخفضة جدًا من الاهتمام المتبادل بين المستخدمين الذين يختارون التمرير إلى اليمين. ويتطلب فهم السلوك البشري الاستعانة بالحدس إلى جانب الخوارزميات.
إذا لم يكن التخصيص جديدًا، فلماذا كل هذا الاهتمام المفاجئ به؟
تتبنى العلامات التجارية الاضطراب الرقمي بسرعة. فقد أدت الثورة الرقمية إلى تدفق هائل من بيانات المستهلكين، لكن على الرغم من ظهور الخوارزميات في وقت مبكر، كان من الصعب على الشركات فهم الكميات الكبيرة من البيانات الخام وتحليلها بصورة مفيدة.
وقد أحدث الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ثورة في هذا المجال، من خلال تمكين العلامات التجارية من استخدام أساليب تعتمد على الذكاء الاصطناعي لفهم مستهلكيها وتقديم محتوى مصمم خصيصًا لهم. وفي المقابل، أصبح بإمكان المستهلكين المشاركة في تصميم منتجاتهم.
وتملك علامات تجارية كبرى مثل نايكي ولوريال المعادلة المناسبة للتخصيص، ويستمتع عملاؤها بتجربة فريدة. وهذا خبر جيد للعلامات التجارية الكبرى التي تمتلك ميزانيات ضخمة وإمكانية الوصول إلى البيانات، لكنه أقل إيجابية بالنسبة إلى العلامات التجارية الأصغر التي تمتلك موارد محدودة وتحاول منافسة الآخرين على جذب انتباه العملاء.
ومع نمو تقنيات الذكاء الاصطناعي، سنبدأ في رؤية المزيد من البرمجيات مفتوحة المصدر والبيانات المتاحة للعامة، بما يسمح حتى لأصغر العلامات التجارية بالوصول إلى الأدوات والمعرفة اللازمة لجعل كل تجربة مصممة خصيصًا لكل عميل.
