على خلاف الجرائم العنيفة، لا توجد إحصاءات وطنية شاملة عن سوء السلوك الخطير الذي ترتكبه الشركات. ويرى بعض المختصين أن هناك حاجة إلى تغيير هذا الوضع.
بدأت ماري غاي سكانلون مسيرتها في الكونغرس من خلال التدقيق في القوة الهائلة التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا الكبرى وتأثيرها في حياة الأمريكيين. وعندما شرعت هي وزملاؤها في لجنة القضاء في إجراء تحقيق استمر 16 شهرًا، كانت تتطلع إلى توسيع نطاق البحث ليشمل سوء السلوك المؤسسي في طيف أوسع من القطاعات.
تقول سكانلون، وهي نائبة ديمقراطية عن ولاية بنسلفانيا: «بدا الأمر وكأنه مجال يحتاج بشدة إلى المعالجة. لكن لم تكن هناك بيانات».
يمكن أن تكون لسوء السلوك المؤسسي عواقب هائلة، بدءًا من تلويث المياه الجوفية، مرورًا بالقضاء على مدخرات التقاعد، ووصولًا إلى تأجيج أزمة المواد الأفيونية. لكن هناك تفاوتًا صارخًا بين المعلومات المتاحة عن هذه الجرائم وتلك المتاحة عن الجرائم الفردية مثل السرقة والاعتداء.
يقول أليكسيس بيكيرو، الرئيس السابق لمكتب إحصاءات العدالة، التابع لوزارة العدل الأمريكية: «مكتب التحقيقات الفيدرالي، وهو الجهة الرئيسية التي توفر بيانات الجريمة في الولايات المتحدة، لا يجمع بيانات عن الجرائم المؤسسية مثل التلاعب بالأسعار، والتهرب الضريبي، والتلاعب بالدفاتر المحاسبية، وغير ذلك من الأمور المشابهة».
وتوجد بالفعل سجلات اتحادية لسوء السلوك المؤسسي، لكنها موزعة على عدد كبير من الوكالات الفيدرالية، إذ تركز كل وكالة على جزء ضيق ومحدد من القانون.
ونتيجة لذلك، يصعب حتى تحديد الأسئلة الأساسية المتعلقة بالجريمة المؤسسية. كم عدد الضحايا؟ وكم تكلف المستهلكين؟ وما أنواع الشركات الأكثر عرضة لارتكاب الجرائم، ومتى ترتكبها؟ وما مدى فعالية تدخلات الحكومة والجهود التي تبذلها الشركات نفسها لضمان الامتثال للقوانين والأنظمة؟
يبدو أن الإجابات مدفونة في أقبية الوكالات الحكومية، كما أن محاولة جمعها معًا تعوقها أساليب حفظ السجلات المختلفة وغير الموحدة.
ويقول بيكيرو بأسى: «لو سألتني: أليكس، كم عدد الاعتقالات بسبب التلاعب بالأسعار التي جرت هذا العام؟ فستكون الإجابة: لا أعرف، ولا أحد آخر يعرف أيضًا. ومن المحرج أننا في عام 2025 لا نملك إجابة عن هذا السؤال».
الحاجة إلى مشاركة البيانات
هذا لا يعني أن المعلومات غير موجودة. فكل وكالة فدرالية تحتفظ بسجلاتها الخاصة بشأن قضايا الجرائم المؤسسية التي فتحتها، والشركات المعنية، وسوء السلوك المزعوم، والنتائج التي انتهت إليها تلك القضايا. لكن البيانات تظل في معظم الأحيان معزولة داخل الوكالة نفسها، ولا تُجمع مع المعلومات الموجودة لدى الإدارات الأخرى، بحسب سالي سيمبسون، عالمة الجريمة في جامعة ماريلاند في كوليدج بارك.
وتكتب سيمبسون في مجلة Annual Review of Criminology لعام 2025: «في الولايات المتحدة، لا يوجد مستودع مركزي للبيانات يرصد النطاق الكامل لهذه الظاهرة بحسب الشركة، وعبر أنواع الجرائم والمسارات القانونية المختلفة، سواء كانت جنائية أو مدنية أو تنظيمية، كما لا توجد بيانات منهجية تُجمع من الضحايا أو من الجناة الذين يفصحون عن أفعالهم بأنفسهم، بما يسمح بمقارنة الأعداد الرسمية والتحقق منها».
وفوق ذلك، تقرر الوكالات الفدرالية بنفسها بالضبط نوع المعلومات التي ستجمعها والطريقة التي ستنظم بها هذه المعلومات. وهي تتخذ خيارات مختلفة في هذا الشأن، ما يزيد من صعوبة إجراء أبحاث شاملة.
تقول سيمبسون: «تستخدم كل وكالة معايير مختلفة لتحديد متى تُرفع القضية، وما نوع المعلومات التي تُجمع عنها. ولذلك فإن إنشاء ما يسمى بعملية مواءمة بين جميع مصادر البيانات المختلفة هذه، بحيث يتم جمع بيانات متشابهة، يصبح أمرًا معقدًا للغاية».
واجه بيتر ييغر هذه المشكلة بنفسه عندما كان طالب دراسات عليا في جامعة ويسكونسن ماديسون في سبعينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت، كان يدرس انتهاكات القانون الفدرالي التي ارتكبتها أكبر 582 شركة أمريكية. ولم تكن المهمة سهلة. فقد اضطر هو وزملاؤه الأكاديميون إلى زيارة 24 وكالة فدرالية مختلفة من أجل جمع الصورة الكاملة للانتهاكات المحتملة.
وكان ذلك في سبعينيات القرن الماضي، ولذلك يقول مستذكرًا: «استخدمنا بطاقات الحاسوب، بطاقات الحاسوب ذات الأعمدة الثمانين». ويضيف: «لم تكن نتائجنا على جهاز كمبيوتر، بل كانت كلها على الورق، ووصل ارتفاعها إلى نحو 10 أقدام».
وفي نهاية المطاف، نشر ييغر دراسة شاملة عن جرائم ذوي الياقات البيضاء في الولايات المتحدة. وكان ذلك في عام 1979. وقد وصف المشرعون هذه الدراسة بأنها «آخر تقرير شامل لوزارة العدل عن الجريمة المؤسسية»، وهو وصف يثير مشاعر متباينة لدى ييغر.
يقول: «كنت سعيدًا بقراءة ذلك، لكنني شعرت أيضًا ببعض الاستياء، لأن الحقيقة ما زالت على هذا النحو».
جرائم الشوارع توفر بيانات أفضل
اليوم، لا تزال جرائم الشوارع والجرائم العنيفة، مثل جرائم القتل والسرقة والاعتداء، حاضرة بقوة في النقاش العام، إذ يجري الحديث عنها باستمرار على مختلف المستويات السياسية وفي وسائل الإعلام. وغالبًا ما يصنف الناخبون الجريمة العنيفة باعتبارها قضية مهمة، كما أنها تمثل عاملًا رئيسيًا في توجيه السياسة الانتخابية.
«لدينا نظام عدالة من مستويين. فإذا كانت الجريمة مؤسسية، تحصل على عقوبة بسيطة، وتدفع غرامة، ثم تواصل ارتكاب الجريمة مرة أخرى، وفي كثير من الأحيان. في المقابل، يُسجن الأفراد لفترات طويلة، لينتهي بهم الأمر إلى الوقوع في ظاهرة السجن الجماعي».
ماري غاي سكانلون
ويحظى هذا الجانب من نظام العدالة الجنائية بدراسة وتوثيق دقيقين. فعلى سبيل المثال، ينشر مكتب إحصاءات العدالة بيانات سنوية عن الحوادث العنيفة، مصنفة بحسب أعمار الجناة والضحايا، وعن وفيات السجناء أثناء الاحتجاز الفدرالي، وعن عقوبة الإعدام، وغير ذلك الكثير.
والأهم من ذلك أنه يجري سنويًا مسحًا عن «التعرض للجرائم»، تجري خلاله الحكومة مقابلات مع نحو 240 ألف مواطن حول تجاربهم خلال العام السابق مع جرائم مثل السطو والاعتداء والاقتحام، بغض النظر عما إذا كان المشاركون قد أبلغوا الشرطة بهذه الحوادث أم لا.
يساعد هذا الجهد في إلقاء الضوء على ما يُعرف بـ«الرقم المظلم» أو «الرقم الخفي» للجريمة، أي الجرائم التي ارتُكبت بالفعل لكنها لم تُكتشف أو لم يُبلغ عنها، وبالتالي لا تظهر في الإحصاءات الرسمية. ويساعد ذلك على رسم صورة أكثر اكتمالًا لما يحدث بالفعل على أرض الواقع، وليس فقط لما يصل إلى المحاكم.
لكن مسح التعرض للجرائم الذي يجريه المكتب لا يسأل الناس، على سبيل المثال، عما إذا كانوا قد تعرضوا لسرقة أجورهم أو تعرضوا للخداع من جانب مستشار استثماري. ولا يزال «الرقم الخفي» للجرائم المؤسسية مخفيًا إلى حد كبير، بحسب سيمبسون.
فالولايات المتحدة لا تملك بيانات منهجية من الضحايا، ولا حتى من الجناة الذين يكشفون عن أفعالهم بأنفسهم، يمكن للباحثين استخدامها للمقارنة مع السجلات الرسمية وتكوين صورة أكثر دقة.
وتحرم هذه الفجوات الباحثين وصانعي السياسات والجمهور من معلومات أساسية حول حجم سوء السلوك المؤسسي وتأثيره في حياتهم.
يقول ييغر: «لدينا مجموعة كاملة من الفرضيات التي يعود عمرها إلى 50 عامًا».
فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسته المتعمقة لعام 1979 للشركات الأمريكية الكبرى أن الشركات الكبيرة في ذلك الوقت كانت أكثر ميلًا إلى ارتكاب المخالفات عندما كانت مبيعاتها وأرباحها وعائداتها وتنوع منتجاتها تتجه نحو الانخفاض.
كما تجعل فجوات البيانات من الصعب تحديد مدى فعالية استجابات الحكومة لهذه الجرائم. فقد شهدت الملاحقات القضائية للشركات اتجاهًا هبوطيًا منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأصبحت وزارة العدل تعتمد بدرجة أكبر على اتفاقيات عدم الملاحقة واتفاقيات تأجيل الملاحقة.
وبموجب هذه الاتفاقيات، توافق الشركات على إجراء تغييرات في عملياتها، وغالبًا ما ينتهي بها الأمر إلى دفع غرامة مقابل تجنب المثول أمام المحكمة.
وعلى مستوى العالم، أنفقت الشركات مليارات الدولارات على جهود الامتثال الداخلية لمنع الانتهاكات القانونية والتنظيمية. ومع ذلك، لا يزال هناك قدر محدود من الأبحاث الأكاديمية الحاسمة حول مدى نجاح هذه الترتيبات في ردع الجرائم المؤسسية، وما هي الأساليب الأكثر فعالية في ردع هذه الجرائم ومراقبتها، بحسب سيمبسون.
تقول: «هناك كل هذه الأمور التي تحاول الشركات القيام بها، لكننا لا نعرف مدى نجاحها، لأن لدينا عددًا قليلًا جدًا من الدراسات التجريبية».
وترى سكانلون أن هذه الفوارق مثيرة للقلق.
وتقول: «لدينا نظام عدالة من مستويين. فإذا كانت الجريمة مؤسسية، تحصل على عقوبة بسيطة، وتدفع غرامة، ثم تواصل ارتكاب الجريمة مرة أخرى، وفي كثير من الأحيان. في المقابل، يُسجن الأفراد لفترات طويلة، لينتهي بهم الأمر إلى الوقوع في ظاهرة السجن الجماعي».
سجل لمخالفات الشركات
أُحرز بعض التقدم في إتاحة بيانات سوء السلوك المؤسسي أمام الجمهور. ففي يونيو 2024، أطلق مكتب الحماية المالية للمستهلك مبادرة لإنشاء سجل عام للشركات المالية غير المصرفية التي انتهكت قوانين حماية المستهلك.
وفي ذلك الوقت، أشادت قيادة المكتب بالسجل باعتباره وسيلة تساعد المستهلكين على تحديد ما إذا كانت الشركة جديرة بالثقة، كما تساعد المكتب على تحديد الشركات التي تكرر انتهاك القانون.
ولم يرد ممثلو المكتب على طلبات التعليق بشأن وضع البرنامج في ظل إدارة ترامب.
وفي عهد إدارة بايدن أيضًا، أنشأت وزارة العدل موقعًا إلكترونيًا يوثق أحدث تسويات القضايا المتعلقة بالشركات عبر مجموعة واسعة من أنواع الجرائم، بدءًا من مكافحة الاحتكار ووصولًا إلى غسل الأموال.
لكن البيانات لا تبدأ إلا من عام 2023، ولذلك فإن أي شخص يأمل في الرجوع إلى فترة زمنية أبعد لن يجد ما يبحث عنه. وفوق ذلك، تقتصر البيانات على القضايا التي انتهت أمام المحاكم، ما يعني أنها لا تشمل إجراءات إنفاذ القانون التي لا تمر عبر المحاكم الفدرالية، مثل الانتهاكات التي تلاحقها الهيئات التنظيمية فقط.
وفي الوقت نفسه، أحرزت بعض المنظمات غير الحكومية، مثل المؤسسات غير الربحية والجامعات، تقدمًا في تجميع قواعد بيانات متاحة للاستخدام العام، لكنها لا تشكل جزءًا من السجل الرسمي.
ويرى ييغر أن الطريقة الأكثر ضمانًا لتوفير الموارد اللازمة لإنشاء قاعدة بيانات حكومية مركزية تكمن في الكونغرس.
ولهذا الغرض، أعادت سكانلون تقديم قانون قاعدة بيانات الجرائم المؤسسية في يوليو 2025. ويدعو مشروع القانون الوكالات إلى تقديم معلومات عن إجراءات الإنفاذ التي تتخذها إلى مكتب إحصاءات العدالة، الذي سيتولى بدوره تجميع هذه المعلومات وتحليلها ونشر قاعدة بيانات متاحة للاستخدام العام.
وقد قُدمت نسخ سابقة من مشروع القانون في ثماني سنوات مختلفة، لكنها لم تنجح حتى الآن.
وترى سكانلون أن جماعات الضغط التابعة لقطاع الأعمال تشكل جزءًا من أسباب تعثر المشروع. أو كما تقول: «أشخاص يكسبون المال من عدم إخضاعهم للمساءلة».
كما تراجعت إدارة ترامب عن بعض مجالات إنفاذ القانون المتعلقة بجرائم ذوي الياقات البيضاء. لكن من المرجح أيضًا أن تكون هناك عوامل غير حزبية تؤدي دورًا في ذلك.
ويقول بيكيرو إنه واجه خلال عمله في مكتب إحصاءات العدالة نوعًا من الجمود المؤسسي التقليدي، عندما حاول قيادة مبادرة لتوحيد بيانات الجرائم المؤسسية في قاعدة مركزية.
ويقول: «هناك نوع من الجمود يتمثل في فكرة: هذه هي الطريقة التي اعتدنا دائمًا أن نفعل بها الأشياء».
ومن الناحية التقنية، يرى بيكيرو أن جمع بيانات أفضل أمر ممكن تمامًا.
ويقول: «لا يوجد سبب يمنع القيام بذلك. الأمر يتعلق فقط بأن يجتمع الناس حول الطاولة ويقولوا: حسنًا، هذا ما سنفعله».
