تتفاوت الضغوط الاقتصادية التي تواجهها أفريقيا؛ فبينما تثقل الديون وعدم الاستقرار كاهل بعض الاقتصادات، تعمل اقتصادات أخرى على بناء قدراتها الصناعية وسلاسل القيمة الإقليمية، ما يخلق فرصاً جديدة للهند.
لطالما طاردت العناوين السلبية المتعلقة بالتراجع الاقتصادي والديون والاضطرابات الداخلية الدول الأفريقية، وبوتيرة أكبر من المعتاد في الآونة الأخيرة. ومع ذلك، فإن القصة الأهم لا تتمثل ببساطة في أن أفريقيا تتعرض للضغوط، بل في أن أزمتها ليست متجانسة. ففي حين تعاني عدة اقتصادات، مثل كينيا وموزمبيق وأوغندا، من تأثير الديون والتقلبات وعدم اليقين السياسي، تعمل اقتصادات أخرى على بناء القدرات الصناعية والبنية التحتية والأدوات المالية اللازمة للصمود أمام الصدمات المقبلة. وبالنسبة إلى شركاء مثل الهند، التي تواصل علاقاتها التجارية والتنموية مع القارة التوسع والتعمق، فإن هذا الاختلاف مهم للغاية.
والضغوط حقيقية بالفعل. ففي جنوب أفريقيا، أضرت أعمال العنف المرتبطة بالاحتجاجات المناهضة للمهاجرين بمكانة البلاد وادعائها بالقيادة على مستوى القارة. وفي الوقت نفسه، انفصل الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي عن عثمان سونكو وحزب «باستيف» الحاكم سابقاً، منهياً تحالفاً واسعاً في واحدة من أكثر دول أفريقيا استقراراً سياسياً. أما إثيوبيا، فقد واجهت أزمة في إعادة هيكلة ديونها بعدما تخلفت أديس أبابا عن سداد سندات دولية بقيمة مليار دولار أمريكي، ولم تتوصل إلى اتفاق أولي مع الدائنين إلا في يونيو 2026، بعد أكثر من عامين من المحادثات المتقطعة والخلافات مع صندوق النقد الدولي. كما ظل الاستثمار الأجنبي المباشر في إثيوبيا راكداً دون مستويات ما قبل الأزمة، في حين تتراجع المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة إلى المنطقة بشكل حاد مع تقليص الولايات المتحدة وجهات مانحة أخرى إنفاقها، وهو ما يؤثر بصورة أكبر في الدول الهشة. ومع ذلك، فإن نقاط الضغط هذه لا تعكس واقع القارة بأكملها.
بناء القدرة على الصمود من خلال التصنيع
أظهرت بعض الدول أن الطموح الصناعي والاستثمار في البنية التحتية وتعزيز الموقع الإقليمي لا تزال قادرة على عكس هذا الاتجاه. وهذه هي الدول التي ينبغي ألا تتجاهلها الهند وغيرها من الشركاء الخارجيين.
فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من صعوبة تمويل المشروعات العملاقة، فإن مسيرة التصنيع لم تتوقف في كل مكان. وتقدم مجموعة «دانغوتي» النيجيرية مثالاً واضحاً على ذلك. فعلى مدى ثلاثة عقود، بنى أليكو دانغوتي منظومة أعمال تمتد عبر قطاعات الأسمنت والسكر والأسمدة والخدمات اللوجستية والطاقة وتكرير النفط، وجميعها تستهدف استبدال الاعتماد على الواردات بالإنتاج المحلي.
ويتحدى هذا النموذج الافتراض القائل إن الاقتصادات الأفريقية ستظل عالقة في دور مصدّر المواد الخام، ومعرّضة للصدمات الجيوسياسية وتقلبات الأسعار.
وقد صُممت مصفاة دانغوتي في ليكي لإنهاء المفارقة التي تعيشها نيجيريا والمتمثلة في تصدير النفط الخام في الوقت الذي تستورد فيه الوقود الذي تستهلكه. ويتحدى هذا النموذج الاعتقاد بأن الاقتصادات الأفريقية محكوم عليها بالبقاء مجرد مصدّرة للسلع والمواد الخام، عرضة للصدمات الجيوسياسية وتقلبات الأسعار.
ولا يقل الأثر الإقليمي غير المباشر أهمية عن ذلك. فقد نجحت كينيا في استقطاب مشروع مقترح لإنشاء مصفاة تابعة لدانغوتي في لامو بقيمة 16 مليار دولار أمريكي، تستفيد من ممر النقل الرابط بين ميناء لامو وجنوب السودان وإثيوبيا، ومن المتوقع أن تزود كينيا والأسواق المجاورة بالوقود. وفي الوقت نفسه، شملت محادثات دانغوتي مع الحكومة التنزانية تطوير الموانئ، وتحسين الوصول عبر الطرق، وإنشاء منطقة تجارية خاصة، وتوليد الطاقة، وإنتاج الأسمدة، وتطوير البنية التحتية للنقل في جنوب البلاد.
التداعيات بالنسبة إلى الهند
بالنسبة إلى الهند، يفتح هذا التحول نحو إضافة القيمة محلياً فرصاً تتجاوز أسواق التصدير التقليدية. إذ يمكن للشركات الهندية أن تشارك ليس فقط من خلال تزويد الدول الأفريقية بالسلع النهائية، وإنما أيضاً عبر الاستثمار في إنتاج تلك السلع داخل أفريقيا نفسها. وتعد الهندسة والأدوية والأسمدة وتصنيع المنتجات الزراعية والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والمالية من بين القطاعات التي يمكن للقدرات الهندية فيها أن تكمل الطموحات الصناعية الأفريقية. كما تتماشى مثل هذه الشراكات مع التحول الأوسع في سياسة الهند تجاه أفريقيا، من علاقة تقودها التجارة إلى علاقة تركز بشكل أكبر على الاستثمار ونقل التكنولوجيا وخلق القيمة محلياً.
وبالنسبة إلى الهند، يتيح هذا التحول نحو إضافة القيمة محلياً فرصاً تتجاوز أسواق التصدير التقليدية.
وتترسخ هذه المشروعات في البلدان التي تمتلك حكوماتها رؤية طويلة الأمد للتغيير. ففي تنزانيا، وبعد الانتهاء عام 2012 من مشروع للاتصال الرقمي بقيمة 189 مليون دولار أمريكي، تعهدت الرئيسة سامية حسن في عام 2026 بتخصيص 48 مليون دولار إضافية لتطوير شبكة الألياف الضوئية الوطنية، كما تعمل على تعزيز الروابط الإقليمية من خلال الطرق والسكك الحديدية والموانئ. وعند الجمع بين ذلك وبين التوجه نحو التكرير والمعالجة محلياً، توفر هذه الاستراتيجية للدول أساساً عملياً لتعزيز القدرة على الصمود وتحقيق الاكتفاء الذاتي. ومع إعادة القوى العالمية تقييم شركائها التجاريين في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، تصبح هذه القدرة ذات قيمة متزايدة.
ويكتسب التوجه نحو المعالجة المحلية أهمية خاصة بالنسبة إلى الهند، في الوقت الذي تسعى فيه إلى تنويع سلاسل توريد المعادن الحيوية. ولذلك، ينبغي أن يتجاوز الانخراط الهندي في قطاع المعادن الأفريقي مجرد تأمين المواد الخام، ليتجه نحو الاستثمار في عمليات المعالجة والتكرير، بما يسمح للمنتجين الأفارقة والمصنّعين الهنود بالمشاركة في المراحل الأعلى قيمة ضمن سلسلة التوريد نفسها.
وينبغي بالتالي أن يتجاوز انخراط الهند في قطاع المعادن الأفريقي مجرد تأمين المواد الخام، ليتحول نحو الاستثمار في المعالجة والتكرير، بما يتيح للمنتجين الأفارقة والمصنّعين الهنود المشاركة في الأجزاء الأعلى قيمة من سلسلة التوريد ذاتها.
كما تعزز منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية هذا التوجه بصورة أكبر. فبالنسبة إلى المستثمرين الهنود، لم تعد جاذبية التصنيع في أفريقيا مقتصرة على الأسواق الوطنية لكل دولة على حدة. إذ تستطيع الشركات التي تقيم قواعد إنتاج في اقتصادات تتمتع بمواقع استراتيجية استخدامها منصات للوصول إلى أسواق إقليمية أوسع.
تمويل المرحلة المقبلة من النمو
يبقى التمويل المشكلة الأكثر صعوبة. فالطموح الصناعي واسع النطاق لا يزال يصطدم ببيئة تمويلية غير مستقرة في أفضل الأحوال. وأكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل في أفريقيا جنوب الصحراء تعاني بالفعل من ضائقة ديون أو تواجه مخاطر مرتفعة للوقوع فيها، فيما تمثل عملية إعادة هيكلة ديون إثيوبيا التي طال أمدها تذكيراً واضحاً بالمدة التي قد يستغرقها التوصل إلى حل بمجرد دخول دولة ما في حالة تخلف عن السداد.
وتستجيب بعض الحكومات لهذه الظروف من خلال تنويع مصادر التمويل بدلاً من مجرد امتصاص آثار الصدمة. ففي يوليو، أصدرت تنزانيا أول سند خارجي مقوّم بالشلن التنزاني في تاريخها، وأدرجته في لندن بدعم من مؤسسة التمويل الدولية. ويتم توجيه حصيلة الإصدار، البالغة 100 مليون دولار أمريكي، عبر البنك الوطني للتمويل الأصغر لتوسيع الإقراض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ويمكن تكرار هذا النموذج المبتكر في دول أخرى.
إن الأزمة الاقتصادية في أفريقيا ليست شاملة لكل القارة وليست دائمة. فعدة اقتصادات تعمل على بناء البنية الصناعية والمالية اللازمة للصمود أمام الصدمات المستقبلية.
وتواصل الصدمات الخارجية، مثل الحرب في الشرق الأوسط، اختبار قدرة الاقتصادات على الصمود. ومع ذلك، لا يزال هناك انقسام مهم بين الدول. فهذه التقلبات تضعف بعض البلدان، في حين تضاعف بلدان أخرى جهودها لتعزيز قدراتها المحلية. وفي عالم يتزايد فيه الانقسام والتجزؤ، ستتحول هذه القدرات إلى مصدر قوة، في وقت يسعى فيه الشركاء الخارجيون إلى تنويع سلاسل التوريد والحد من تعرضهم للصدمات الجيوسياسية.
إن الأزمة الاقتصادية في أفريقيا ليست شاملة ولا دائمة. فهناك عدة اقتصادات تعمل بالفعل على بناء البنية الصناعية والمالية اللازمة للصمود أمام الصدمات المستقبلية. أما بالنسبة إلى الهند، فتكمن الفرصة ليس في استنساخ نموذج أي طرف آخر، وإنما في بناء شراكات تتوافق مع الطموحات الصناعية الخاصة بأفريقيا.
