القائمة الرئيسية

البحث عن الازدهار الاقتصادي دون نمو

البحث عن الازدهار الاقتصادي دون نمو
ملخص المقال

يطرح جورجوس كاليس، عالم البيئة، تحديًا للفكرة السائدة بأن النمو الاقتصادي المستمر ضروري لازدهار المجتمعات وصحتها، ويدعو إلى مفهوم "تراجع النمو" (Degrowth) كاستجابة حتمية لأزمة المناخ الوشيكة. ويرى كاليس أن فكرة "النمو الأخضر" غير كافية، إذ يصعب فصل النمو عن استهلاك الموارد وانبعاثات الكربون بشكل فعال، وأن الاستمرار في النمو سيؤدي حتمًا إلى انهيار مناخي واقتصادي. لذا، يؤكد على ضرورة أن يركز الباحثون على دراسة كيفية عمل المجتمعات وازدهارها في غياب النمو الاقتصادي، مقترحًا استلهام الدروس من تجارب مجتمعات سابقة أو معاصرة، مثل كوبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أو اليونان الكلاسيكية، التي حققت الرفاهية دون نمو مستمر. ويتصور كاليس مستقبلاً يتميز بتقليل كبير في استهلاك المواد والطاقة، والاعتماد على المحلية، والتركيز على العلاقات والرفاهية المجتمعية بدلاً من الثراء المادي، مشددًا على أن أزمة المناخ تتطلب تحولاً جذريًا في التفكير الاقتصادي لطرح أسئلة جديدة حول كيفية الحفاظ على الرفاهية والتوظيف دون الارتهان لنموذج النمو.

يتفق الجميع تقريبًا اليوم على أن الاقتصاد المتنامي هو اقتصاد صحي. لكن جورجوس كاليس، عالم البيئة في الجامعة المستقلة في برشلونة بإسبانيا، لا يوافق على ذلك. ويرى كاليس وزملاؤه أن أزمة المناخ الوشيكة تهدد بإنهاء عصر النمو الاقتصادي المستمر الذي يميز العصر الحديث، وأن الوقت حان أمام الباحثين لدراسة الكيفية التي يمكن للمجتمع أن يعمل ويزدهر بها في غياب النمو، وهي حالة يسميها «تراجع النمو».

وقد ظهرت هذه الفكرة منذ عدة عقود، ولا سيما بين الناشطين البيئيين الراديكاليين، لكن الباحثين لم يبدأوا في الآونة الأخيرة إلا بجمع الجهود لدراسة تراجع النمو بطريقة منهجية.

وبفضل تدريبه في الهندسة البيئية والاقتصاد والسياسات البيئية، يجمع كاليس بين التخصصات المتعددة المرتبطة بتراجع النمو. وقد شارك مؤخرًا في تأليف مراجعة حول هذا الموضوع في مجلة Annual Review of Environment and Resources لعام 2018، وتحدث مع مجلة Knowable عن كيفية دراسة ما قد يحدث إذا تخلينا عن الافتراض المقبول على نطاق واسع بأن الازدهار يتطلب النمو.

تم تحرير هذه المقابلة من أجل الإيجاز والوضوح.

ما النمو الاقتصادي؟

من الناحية الرسمية، يُعرّف النمو الاقتصادي بأنه الزيادة السنوية في الناتج المحلي الإجمالي، ويُقصد بالناتج المحلي الإجمالي القيمة السوقية للسلع والخدمات في الاقتصاد. لكن بعيدًا عن هذا التعريف، فإن النمو الاقتصادي يمثل عملية أوسع تتمثل في زيادة أو تسريع تحويل البيئة، وتسريع وتيرة العمل والتواصل والإنتاج والاستهلاك وغير ذلك.

ما المشكلة في استمرار النمو الاقتصادي؟ يبدو الأمر وكأنه شيء جيد.

من الناحية البيئية، يمثل النمو مشكلة ضخمة. وفيما يتعلق بتغير المناخ، ترتبط انبعاثات الكربون ارتباطًا مباشرًا بسرعة نمو الاقتصاد. لقد شهدنا انخفاضات حقيقية في انبعاثات الكربون على مستوى العالم، لكن ذلك حدث فقط في السنوات التي تباطأ فيها الاقتصاد العالمي أيضًا. أما الآن فقد عاد الاقتصاد إلى النمو، وارتفعت انبعاثات الكربون خلال العامين الماضيين.

ألن يكون «النمو الأخضر» أو النمو المستدام هو الحل إذن؟

تكمن وراء فكرة النمو الأخضر فكرة «فصل النمو عن استخدام الموارد»، أي إمكانية تحقيق ناتج محلي إجمالي أعلى باستخدام موارد أقل فأقل. لكن قراءتنا للبيانات تشير إلى أن ذلك غير مرجح بدرجة كبيرة. يمكنك أن تجعل نمو استخدام الموارد أبطأ من نمو الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يُعرف بالفصل النسبي، لكن لا يمكنك الاستمرار في خفض انبعاثات الكربون مع زيادة الناتج المحلي الإجمالي.

قد يجادل البعض بأنه يمكننا التحول إلى الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الطاقة النووية والاستمرار في تنمية الاقتصاد. ومن المؤكد أن هذا التحول ضروري، لكننا نتساءل عما إذا كان سيكون متوافقًا فعلًا مع استمرار نمو الناتج المحلي الإجمالي. فالوقود الأحفوري يتميز بكمية الطاقة الصافية التي يستطيع توفيرها، بينما تتمتع مصادر الطاقة المتجددة بعائد أقل من الطاقة.

كما أن الاقتصاد الذي يعتمد على عوائد منخفضة للطاقة وإنتاجية منخفضة للعمل، نظرًا إلى أن موارد كبيرة ستُعاد توجيهها من القطاعات الأكثر إنتاجية إلى إنتاج الطاقة، من غير المرجح أن يكون اقتصادًا أكبر حجمًا ومتناميًا.

نحن نقول إنه ينبغي أن تكون لدينا مجتمعات أكثر خضرة وشمولًا، ومن المرجح أن ذلك لا يتوافق مع النمو. فإما أن يحدث انهيار اقتصادي خارج عن السيطرة نتيجة الانهيار المناخي، أو سيتعين علينا التكيف مع نوع مختلف تمامًا من الاقتصاد يكون متوافقًا مع تجنب تغير مناخي كارثي. وفي كلتا الحالتين، سيعني ذلك تحولًا جذريًا في الاقتصاد، سواء فُرض علينا هذا التحول أم جرى بصورة أكثر تعمدًا.

وسنجد أنفسنا بصورة متزايدة في سياق نحاول فيه الحفاظ على مستوى معين من الازدهار دون نمو. فما الذي سنفعله إذن؟ لم يعد ينبغي أن تكون هذه الأسئلة من المحظورات.

ما الأسئلة الأكثر إلحاحًا التي نحتاج إلى الإجابة عنها الآن؟

السؤال الأول هو: هل يمكننا أن نتعلم شيئًا من المجتمعات، سواء الحديثة مثل كوبا، أو القديمة مثل اليونان الكلاسيكية، التي تمكنت من تحقيق الرفاهية دون نمو؟ يمكننا أن نتعلم منها شيئًا ذا صلة بواقعنا اليوم.

والسؤال الثاني هو البدء في تطوير سياسات ونماذج اقتصادية توضح كيف يمكن لهذا الأمر أن يعمل. كيف يمكن أن يكون لديك اقتصاد مزدهر دون نمو؟

هناك بالفعل قدر كبير من التنوع داخل الاقتصاد الحالي. فهناك المنظمات غير الربحية، والمؤسسات الاجتماعية، والعملات المجتمعية، وهي هياكل بديلة ينتج الناس ويستهلكون من خلالها بطرق مختلفة. فلندرس هذه البدائل، لأنها تحمل بذور شيء مختلف.

لقد قلت إن كوبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تمثل مثالًا على مجتمع حافظ إلى حد ما على رفاهيته دون نمو. هل يمكنك توضيح ذلك؟

فجأة انهارت واردات كوبا من النفط القادم من الاتحاد السوفييتي، ودخلت البلاد في كساد اقتصادي هائل، تزامن مع الحظر الأمريكي. والطريقة التي تكيفت بها قطاعات معينة في كوبا مع هذه الصدمة الخارجية تقدم دروسًا يمكن الاستفادة منها في سياق كيفية تكيفنا مع صدمة مماثلة ناجمة عن تغير المناخ أو نقص الطاقة.

الفكرة ليست أن يصبح الجميع مثل كوبا. فكوبا لديها مشكلات كثيرة. لكن لا توجد أمثلة كثيرة على مجتمعات صناعية، وكانت كوبا مجتمعًا صناعيًا، تمكنت من التكيف مع انهيار من هذا النوع.

أُعيد توزيع الموارد بحيث لا يتضرر نظاما الصحة العامة والتعليم. ولم يتراجع مستوى الصحة ومتوسط العمر المتوقع، رغم الانخفاض الحاد في الاقتصاد. وقارن ذلك بالاتحاد السوفييتي السابق، حيث شهد متوسط العمر المتوقع انخفاضًا حادًا. وهذا يعني أن هناك أمرًا مثيرًا للاهتمام يستحق البحث في التجربة الكوبية.

ماذا عن الماضي؟ هل هناك دروس يمكننا تعلمها منه؟

هذه دعوة إلى البحث وليست نتيجة بحثية. نحن نعرف أن هناك حضارات ازدهرت خلال فترات لم تكن فيها بالضرورة توسعات اقتصادية. وكانت اليونان في العصر الكلاسيكي مثالًا على ذلك.

كما حاولت حضارات كثيرة وضع حدود لمقدار الأموال التي يمكن للفرد أن يراكمها، أو مقدار الأموال التي يمكن إقراضها، أو معدلات الفائدة. ولدينا أمثلة نعرف فيها أن المجتمع حاول الحد من الطبيعة ذاتية الاستمرار للنمو والسيطرة عليها. ونعرف أيضًا أن هناك مجتمعات ازدهرت دون تحقيق نمو مستمر.

والانتقاد السهل، لكنه غبي، لهذا الطرح هو: «هل تريد منا أن نعود لنعيش مثل الصيادين وجامعي الثمار أو مثل الرومان؟» لا، ليست هذه هي الفكرة. نحن لا نقول انظروا إلى الحضارات الأخرى باعتبارها أفضل منا، بل نقول لندرس الحضارات الأخرى لنستخلص أفكارًا حول كيفية إمكانية عمل الأمور بطريقة مختلفة في مجتمعنا.

كيف سيبدو مستقبل تراجع النمو؟ هل يمكنك تقديم بعض التصورات؟

من المؤكد أنه سيتضمن استخدامًا أقل بكثير للمواد والطاقة. وسيتعين علينا أن نعيش حياة أكثر تقشفًا من الناحية المادية.

سيأتي الغذاء من مسافات أقرب، ولن يُنقل جوًا من الجانب الآخر من العالم. وستُنتج الطاقة محليًا من مصادر متجددة.

وفي مجتمع مستقبلي بعد تغير المناخ، أو في مجتمع تمكن من الحد من تغير المناخ، لا أستطيع أن أتخيل أن الناس سيتمكنون ببساطة من ركوب الطائرة والسفر إلى أي مكان يريدونه.

ستكون حياتنا المادية أكثر تقييدًا، لكنها قد تكون أفضل، إذا ركزنا بدرجة أكبر على العلاقات والرفاهية والمجتمع.

يشعر الناس بالقلق من أن وظائفهم ومعاشات التقاعد تعتمد على النمو. ماذا تقول لهم؟

ليس لدي إجابة عن ذلك. ما أقوله هو أن الشيء المهم هو أن نتوقف عن اعتبار أن هذا هو الوضع الطبيعي والمسلم به، وأن نبدأ في طرح الأسئلة الصحيحة.

لذلك، علينا أن نسأل: كيف يمكن أن يكون نظام التقاعد مستدامًا دون نمو؟ كيف يمكن أن يكون لديك توظيف دون نمو؟

لا نعرف الإجابة، لكننا نعرف أنه من المرجح أن نضطر إلى الاستغناء عن النمو إذا كنا جادين بشأن تجنب انهيار مناخي شامل. وإذا حدث انهيار مناخي، فسوف نستغني عن النمو أيضًا، لأن الاقتصاد سيدمر.

لا نملك الإجابة، لكن لدينا معرفة متزايدة تشير إلى أجزاء صغيرة من الحلول المتعلقة بالتكنولوجيا والديمقراطية والحضارات الأخرى، تجعلنا نعتقد أن هناك بدائل هنا وهناك، مثل الاعتماد بدرجة أكبر على مشاركة السلع المادية، وربما تكون هذه البدائل ناجحة بالفعل وينبغي علينا دراستها.

كيف استقبل الباحثون الآخرون أفكارك؟

داخل الاقتصاد السائد، تُعد الانتقادات الجوهرية للنمو أمرًا مرفوضًا تمامًا. لكنني أعتقد أن معظم علماء المناخ يعرفون في أعماقهم أن فكرة حل مشكلة تغير المناخ مع استمرار نمو الاقتصاد تقترب من كونها ضربًا من الخيال.

ما مدى سرعة حاجتنا إلى القيام بذلك؟ هل نحن أمام حالة طوارئ؟

تغير المناخ حالة طوارئ مطلقة. يقول الناس إن علينا التحرك خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة.

لكنني لست متفائلًا جدًا. لا أرى أن هناك تحركًا يجري. ولذلك أفكر أكثر في كيفية اعتنائنا بأنفسنا بينما يصبح النظام أكثر فأكثر عرضة لعدم الاستقرار.

لقد بدأ ذلك بالفعل، وأعتقد أنه ستكون هناك اضطرابات كبيرة. لذلك من المهم إنتاج نوع جديد من المعرفة التي نحتاج إليها في هذا العصر، بدلًا من الإجابة عن أسئلة، خصوصًا في علم الاقتصاد، صيغت لعصر سابق.

نحن عالقون في أسئلة ترتبط بفترة التوسع في القرن التاسع عشر، بينما نفكر في القرن الحادي والعشرين في كيفية تحقيق هبوط سلس. إنه هدف مختلف تمامًا.

هل تعتقد أننا سنتمكن من حل هذه المشكلة في الوقت المناسب؟

لست متفائلًا. هل أعتقد أن الناس سيستيقظون غدًا ويعودون إلى رشدهم، ويدركون أن تغير المناخ مشكلة ضخمة وأن النمو الاقتصادي غير ضروري، ثم يتخذون إجراءات بناءً على ذلك؟ لا، لا أعتقد أن هذا سيحدث.

لكن هذا لا يجعلني متشائمًا. لقد كان التاريخ دائمًا مليئًا بالأزمات. ولا أعتقد أنني كنت سأكون في وضع أفضل لو كنت أعيش قبل 100 عام، مع حربين عالميتين تنتظرانني أو مع مواجهة المجاعات.

التاريخ لا يتوقف أبدًا، ودائمًا ما تكون هناك لحظة يتعين فيها النضال من أجل جعل الأمور أفضل.

خلال الـ200 عام الماضية، عشنا في مجتمع رأسمالي يمثل فيه النمو عنصرًا أساسيًا لاستقرار النظام. وربما لا يوجد بديل، وربما تكون الطريقة الوحيدة هي تحقيق النمو.

لكن إذا أصبح هذا الأمر كارثيًا، فماذا سنفعل؟ هل نطأطئ رؤوسنا أمام الكارثة والمأساة، أم يمكننا التفكير خارج هذا الإطار؟

نحن نعرف أن البشر يتمتعون بقدرة هائلة على الابتكار. فلماذا لا نستطيع التفكير في بدائل؟ لماذا يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي نعجز فيه عن التفكير بطريقة مختلفة؟

المصدر

مقالات ذات صلة