القائمة الرئيسية

قد تكون تعاني من الخمول الوظيفي، وليس الاحتراق الوظيفي

قد تكون تعاني من الخمول الوظيفي، وليس الاحتراق الوظيفي
ملخص المقال

يقدم المقال مفهوم "الخمول الوظيفي" كشكل من أشكال المعاناة الخفية في العمل، يختلف عن الاحتراق الوظيفي. ويصف الخمول الوظيفي حالة الموظفين الأكفاء والملتزمين، الذين يؤدون عملهم بكفاءة وموثوقية، لكنهم يشعرون بالركود الفكري وعدم الاستغلال الكامل لقدراتهم، مع إحساس عميق بعدم الإشباع المهني. ينشأ هذا الشعور عندما يفتقر العمل إلى المعنى أو التحدي الكافي، وغالبًا ما يمر دون اكتشاف لأنه لا يؤثر ظاهرًا على الأداء أو الإنتاجية. وتؤكد الكاتبة على ضرورة أن يقوم الأفراد بتقييم مدى إشباعهم المهني، وأن تتحمل المؤسسات مسؤولية توفير فرص النمو والتطور لموظفيها، بدلًا من الاعتماد عليهم كـ "أيدٍ آمنة" فقط، فالعلاج لا يكمن في تقليل العمل بل في توفير عمل مختلف وأكثر تحديًا وإشراكًا.

من السهل التعرف على بعض أشكال المعاناة في العمل، لأنها تعطل أداء الشخص اليومي وتؤثر في عمل من حوله. فعلى سبيل المثال، قد يصبح أحد أفراد فريقك مرهقًا بصورة واضحة، أو سريع الانفعال، أو كثير الغياب. لكن هناك أشكالًا أخرى من المعاناة يصعب اكتشافها، تحديدًا لأن العمل يستمر دون أي انقطاع ظاهر.

من الشائع أن نتحدث عن الاحتراق الوظيفي في بيئة العمل، وأن نتعرف عليه لدى الآخرين وفي أنفسنا. لكن ورقة بحثية جديدة أعددتها بالاشتراك مع ديفيد س. سميث تبحث في شكل أقل وضوحًا وأقل فهمًا من فقدان التفاعل في العمل، وهو الخمول الوظيفي.

وغالبًا ما ينطوي الخمول الوظيفي، كما درسناه، على عدم الاستفادة الكاملة من قدرات الشخص، والركود الفكري، والشعور العميق بعدم الإشباع. وقد يظهر عندما يشعر الأشخاص بأن عملهم لم يعد يوفر لهم قدرًا كافيًا من المعنى أو التحدي الذي يبقيهم منخرطين فكريًا وإبداعيًا. ولأنه يختلف عن الاحتراق الوظيفي، فإن الحلول تختلف أيضًا، سواء بالنسبة إلى الأفراد أو المؤسسات.

الخمول الوظيفي مقابل الاحتراق الوظيفي

قدمت هذا البحث في العديد من المؤتمرات، وفي كل مرة كان يقترب مني متخصصون ويقولون: «هذا بالضبط ما أمر به، لكنني لم أكن أملك اسمًا له حتى الآن».

هؤلاء الأشخاص، من الشباب وكبار السن، ملتزمون بعملهم، ويعملون بجد، ولم يتوقفوا عن الاهتمام بما يفعلونه. بل إنهم في كثير من الأحيان يهتمون بعملهم بدرجة كبيرة، ويلبون التوقعات الموضوعة أمامهم. وغالبًا ما يكونون الأشخاص الذين يُعتمد عليهم، لأنهم موثوقون ويتسمون بدرجة عالية من الالتزام والضمير المهني.

إذا نظرت حولك في مكان عملك، فمن المحتمل أنك تعرف كثيرًا من الأشخاص الذين تنطبق عليهم هذه الصفات. المشكلة ليست في فقدان الفرد لرغبته في بذل الجهد، بل في انهيار العلاقة بين الجهد والعمل ذي المعنى. ومن خلال دراستي لهذا الموضوع، وجدت أن الخمول الوظيفي يتعلق في جوهره بتراجع الحيوية المهنية، عندما لا تُستخدم قدرات الشخص بطرق يشعر أنها ذات معنى بالنسبة إليه.

وفي بحثنا، وصف المشاركون تجارب تأثرت بالعبء الإداري المفرط، وتراجع الاستقلالية، وعدم التوافق بين تطلعاتهم المهنية والمهام الموكلة إليهم. وأشار كثيرون إلى شعورهم بأنهم عالقون مهنيًا، فقال أحدهم: «للأسف، غالبًا ما تطغى الجوانب التي أحبها في عملي على الجوانب الإدارية الأخرى في الوظيفة»، وقال آخر: «أشعر وكأنني مجرد أداة لإبقاء الآلة تعمل»، وقال ثالث: «أنا مربع في حفرة دائرية».

وأشار المشاركون إلى شعورهم بأن العمل الذي يقومون به لم يعد يستفيد بما يكفي من مواهبهم، فقال أحدهم: «كلما كنت أفضل في أداء العمل، زادت المهام الإدارية التي تحصل عليها. إنه يفتقر إلى فرص الإبداع».

وقد يكون الخمول الوظيفي مربكًا للغاية من الناحية النفسية. فمن الخارج، قد يبدو الشخص ناجحًا وكفؤًا. ولا يوجد أي شك في إنتاجيته، فهو يحقق الأهداف المحددة له، لكنه قد يتمكن من القيام بذلك «وعيناه مغمضتان». ومع ذلك، قد يشعر بأنه يبتعد تدريجيًا عن العمل الذي كان يمنحه الحماس والحيوية ذات يوم. فمعاناته ليست درامية، بل هي عملية بطيئة من التآكل النفسي.

يتداخل الخمول الوظيفي مع الاحتراق الوظيفي في كثير من الجوانب، لكنهما ليسا الشيء نفسه. فالاحتراق الوظيفي ينطوي على ضغوط سلبية طويلة الأمد لا تتم إدارتها بصورة كافية. إنه يتعلق بوجود قدر مفرط من كل شيء، العمل أكثر من اللازم، والاهتمام أكثر من اللازم، والضغط المفرط، مع وقت قليل جدًا للتعافي. أما الخمول الوظيفي، فيرتبط بوجود قدر ضئيل جدًا من الضغط الإيجابي أو التحدي على مدى فترة طويلة، وقلة التحفيز، ومحدودية فرص النمو الشخصي.

ومع ذلك، وبينما أصبح الاحتراق الوظيفي جزءًا من الوعي المؤسسي بالصحة النفسية، نادرًا ما يُذكر الخمول الوظيفي. وهذا أمر إشكالي، سواء بالنسبة إلى الفرد أو المؤسسة. وقال أحد الأشخاص: «غالبًا ما أشعر بأنني لم أنجز شيئًا في نهاية الأسبوع، ولا أشعر بأي تطور».

سيستمر بعض الأشخاص في وظائفهم بدافع الشعور بالواجب، ولأسباب عملية أخرى مثل الراتب أو الأقدمية، بينما سيختار آخرون المغادرة. وقال شخص آخر: «أنا أؤدي عملي وأقوم بمهامي، لكنني لا أزدهر فيه، ولذلك بدأت أبحث عن فرص أخرى».

لماذا لا نتحدث عن الخمول الوظيفي؟

غالبًا ما يختبئ الخمول الوظيفي خلف الكفاءة، والشخص الموثوق به غالبًا ما يُكلف بالمزيد من العمل نفسه. ويُفترض أن الشخص الذي لا يشتكي قادر على التكيف وأن أموره تسير على ما يرام. كما نادرًا ما يُسأل الشخص الذي يساند الآخرين ويحافظ على استقرار الفريق ويؤدي دورًا جيدًا ضمنه عما إذا كان يشعر هو نفسه بأنه يتطور أو يواجه تحديات.

قال أحد الأشخاص: «لا أذكر أنني خضت يومًا أي نقاش مع أي شخص حول هذا الأمر. لم يسمه أي مدير مباشر، ولم يُذكر قط في أي سياق جماعي أو في اجتماع فردي. لم يسألني أحد قط: هل تشعر بالإشباع في عملك؟ أو هل لديك فرص لاستخدام مهاراتك ومواهبك بطريقة ذات معنى؟»

ومن السهل أن نرى كيف يمكن للعمل لساعات إضافية والاعتماد على الشخص الموثوق به أن يتحولا إلى فخ. ففي نهاية المطاف، يصبح الموظف موضع تقدير ليس بسبب ما يمكن أن يصبح عليه، بل بسبب ما يستطيع الاستمرار في تحمله واستيعابه من العمل. فهو لن «يهز القارب» بفتح موضوع عدم رضاه، الذي قد يؤدي إلى سلسلة من المشكلات.

وقال أحد الأشخاص: «تحمل الأمر، والتزم الصمت».

وفي الوقت نفسه، تُنظم العديد من أماكن العمل بطريقة تجعل اكتشاف أوجه القصور أو الإخفاق لدى الأفراد أو الفرق أسهل بكثير من اكتشاف حالة الركود. فإذا توقف شخص عن الأداء، تصبح المشكلة واضحة. أما إذا استمر شخص في أداء عمله بينما يفقد تفاعله معه من الداخل، فقد لا ترى المؤسسة أي مشكلة على الإطلاق. وحتى إذا لاحظ أحدهم عدم رضاه، فقد لا يتحدث عنه صراحة، كما قال أحد المشاركين في مقابلاتي: «من مصلحة الجميع ألا نتحدث عن الأمر. طالما أن الجميع يعملون ويؤدون وظائفهم، فلا داعي لإزعاج أي شيء. فكل شيء يسير بشكل مريح».

كيف ينشأ الخمول الوظيفي؟

وصف المشاركون الذين يعانون من الخمول الوظيفي عوائق حدت من قدرتهم على استخدام نقاط قوتهم أو السعي إلى التطور المهني، وهي أمور مهمة بصورة خاصة للشعور بالمعنى والإشباع في العمل.

بالنسبة إلى كثير من الأشخاص، تمنحهم حياتهم المهنية إحساسًا بالهوية والهدف، لكن عندما يتوقف العمل عن توفير هذا الشعور بالمعنى، يمكن أن تصبح علاقتهم بوظيفتهم متصدعة أو تبدو لهم «في غير مكانها». وفي بعض الحالات، لا يستطيعون تحديد ما يحدث لهم بدقة، وربما يكون هذا هو السبب الذي يجعلني أسمع كثيرًا بعد العروض التقديمية عبارة: «لم أكن أملك اسمًا لهذا الشعور».

لن يؤدي إطلاق اسم «الخمول الوظيفي» إلى حل المشكلة، لكنه قد يساعد الشخص على فهم سبب شعوره بأنه غير مستغل بالقدر الكافي أو غير راضٍ. كما يمكن أن يساعده على إدراك أن ما يمر به ليس فشلًا شخصيًا، بل تجربة تتشكل بفعل تصميم العمل أو ظروفه، على غرار الاحتراق الوظيفي. وتتأثر هذه التجربة أيضًا بثقافة العمل، ولا سيما عندما تكون هناك مقاومة للتغيير أو عدم إدراك لقيمة مساعدة الأشخاص على الازدهار والتطور.

ومن خلال نقاشاتي مع المشاركين والزملاء حول الخمول الوظيفي، أصبح واضحًا أنه ليس ظاهرة تسبق التقاعد. يبدو أنه يظهر لدى الأشخاص ذوي الخبرة، وربما في منتصف مسيرتهم المهنية، وكذلك لدى من أمضوا فترة طويلة في أدوارهم الوظيفية.

وأوضح أحد المشاركين: «أمضيت سنوات في أداء هذا الدور. لا بد أن هناك طرقًا أفضل لتنظيم الأمور بحيث نضمن استخدام خبرات الموظفين ذوي الخبرة بطرق أكثر فاعلية». وقال آخرون: «يبدأ الأمر عند السنة السابعة أو الثامنة أو التاسعة، عندما لا تعود هناك فرصة للحصول على التحفيز»، وقال آخر: «إنها حكة السنوات السبع، تكون قد أمضيت فترة في القيام بشيء إبداعي، ثم تصل إلى مرحلة تكرر فيها الشيء نفسه مرة بعد أخرى».

وبهذه الطريقة، لا يمكننا اعتبار الخمول الوظيفي مجرد نتيجة للتقدم في العمر في مكان العمل. فقد يحدث في أي وقت يُحصر فيه الأشخاص داخل نظام لم يعد يوفر لهم تطورًا ذا معنى. وعلى الرغم من أن قدرًا من التكرار والروتين جزء متوقع من كل وظيفة، فإنه ينبغي أيضًا أن يشعر الشخص بأن قدراته ومواهبه لها قيمة في دوره، وأن هناك مستقبلًا وفرصًا وأهدافًا مثيرة يمكن العمل من أجلها.

ماذا تفعل إذا كنت تعاني من الخمول الوظيفي؟

ساعدت لغة الاحتراق الوظيفي كثيرًا من الأشخاص على تسمية معاناة كان يُنظر إليها سابقًا على أنها أمر طبيعي أو كان يجري تجاهلها. كما ساعدت المؤسسات على التعامل مع رفاه الموظفين في مكان العمل بجدية أكبر. لكن أي مفردات سائدة للصحة النفسية يمكن أن تصبح محدودة عندما تبدأ في تمثيل المجال الكامل للتجربة الإنسانية. فإذا كان الاحتراق الوظيفي هو التصنيف الوحيد المتاح لمعاناة العمل، فإن التعافي غالبًا ما يُتصور على أنه الحصول على الراحة وبناء القدرة على التحمل.

قد تكون الراحة والقدرة على التحمل ضروريتين، لكنهما لا تكونان كافيتين دائمًا. فالشخص الذي يعاني من الخمول الوظيفي قد لا يحتاج ببساطة إلى عمل أقل، بل قد يحتاج إلى عمل مختلف، عمل يعيد إليه شعوره بالتفاعل الفكري والفضول. وكما قالت مايا أنجيلو ذات مرة: «لم نُصمم لنكون ساكنين»، ويمكن تطبيق هذه الفكرة على جميع جوانب الحياة، بما في ذلك مكان العمل.

إذا كنت تعاني من الخمول الوظيفي، فمن المفيد أن تقيّم ما يحدث معك. هل تشعر بالإشباع في دورك؟ هل لديك فرص لاستخدام مواهبك؟ هل تستمد قدرًا من المعنى من دورك؟ هل توجد طرق يمكنك من خلالها تجديد شعورك بالحيوية في عملك؟ كيف يمكن أن يبدو ذلك؟ وهل تستطيع إجراء هذا النقاش مع مديرك المباشر أو رئيسك؟

أما بالنسبة إلى المؤسسات، فهناك أسئلة مباشرة أيضًا. انظر حولك إلى فريقك. هل تمنح موظفيك الأكثر موثوقية فرصًا للتطور؟ هل تعتمد باستمرار على الأشخاص الذين يمثلون «اليد الآمنة» لأن ذلك أسهل من مطالبة شخص آخر بتعلم العمل؟ هل أنت مستعد لفتح باب النقاش حول عدم الرضا المهني؟ وكيف يمكنك مساعدة فريقك على الازدهار؟

هذه هي الحقيقة المقلقة التي تكمن في قلب الخمول الوظيفي. يمكن للشخص أن يكون ملتزمًا بعمله لكنه غير منخرط فيه، وموثوقًا به لكنه غير مستغل، وكفؤًا لكنه غير مُشبَع. ويمكن أن يكون بارعًا في عمله، ومع ذلك يشعر بأنه يبتعد عنه تدريجيًا.

إن الصمت المحيط بالخمول الوظيفي يسمح له بالاستمرار والازدهار، ولهذا السبب كثيرًا ما أسمع الرد نفسه بعد تقديم العروض في المؤتمرات: «كنت أعتقد أن المشكلة معي وحدي».

وأعتقد أن في هذه الجملة نوعًا خاصًا من الوحدة، إنها وحدة الاستمرار في أداء العمل، بينما يتساءل الشخص في داخله وبصمت عن السبب الذي جعل هذا العمل لم يعد يبدو وكأنه عمله.

المصدر

مقالات ذات صلة