تخيل نفسك في متجر البقالة القريب منك، وأنت تشتري حاجياتك المعتادة. في ممر تلو الآخر، تتنافس عشرات العلامات التجارية على أموالك وانتباهك. معاجين أسنان كولجيت، وكريست، وأكوافريش. مربيات الفراولة من سموكرز، وويلشز، وديكنسونز. ومشروبات كوكاكولا، وبيبسي، وRC Cola.
مثل معظم المستهلكين، ربما تفضل علامة على أخرى في عشرات الفئات التي تُعرف مجتمعة باسم السلع الاستهلاكية المعبأة. وتشمل هذه الفئة منتجات ذات دورة حياة قصيرة نسبيًا، مثل الأطعمة والمشروبات ومستحضرات التجميل ومنتجات التنظيف. تُستخدم هذه المنتجات وتُستبدل بسرعة، مقارنة بالسلع المعمرة مثل الأجهزة المنزلية والسيارات. والابتكارات الحقيقية في هذه الفئة نادرة، كما أن الفروق الفعلية بين العلامات التجارية غالبًا ما تكون محدودة جدًا. ومع ذلك، فإن مد يدك إلى منتجاتك المفضلة يحدث بصورة شبه تلقائية، ولهذا حاول الاقتصاديون منذ فترة طويلة معرفة السبب.
والأمر أكثر إثارة للفضول لأن الأبحاث أظهرت مرارًا أن المستهلكين يفشلون بصورة منتظمة في اختيارات اختبارات التذوق الأعمى، فلا يستطيعون تحديد العلامات التجارية التي يفضلونها. كما أنهم يشترون بسعادة منتجات تحمل أسماء تجارية معروفة، مثل أدفيل، حتى عندما تكون المنتجات العامة المطابقة لها تمامًا موضوعة إلى جانبها على الرف وبسعر أقل بكثير.
تتسم تفضيلات الناس للعلامات التجارية بالعمق والاستمرارية. لكن الأمر لا يتعلق ببساطة بعلامة تجارية واحدة تحظى بالشعبية في كل مكان. إذ تهيمن علامات تجارية مختلفة على حصص السوق في مناطق جغرافية مختلفة. وفي بعض الحالات، ظل هذا التفوق في حصص السوق مستقرًا على مدى فترات زمنية طويلة بصورة لافتة، كما حدث مع كوكاكولا، وعلكة ريغلي، وشفرات الحلاقة من جيليت. ومن بين العلامات التجارية للأطعمة والمشروبات، ظلت قرابة 50 في المئة من العلامات التي كانت مهيمنة في الولايات المتحدة عام 1923 ضمن المراكز الخمسة الأولى في عام 1997.
يقول بارت بروننبرغ، أستاذ التسويق في جامعة ستانفورد، إن معرفة السبب الدقيق وراء تكوين الناس ارتباطات طويلة الأمد بمنتجات متشابهة إلى حد كبير تمثل سؤالًا معقدًا. وخلصت دراسة نشرت عام 2017 في Annual Review of Economics، أعدها بروننبرغ وجان بيير دوبيه، أستاذ التسويق في كلية بوث لإدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، إلى أن علم النفس والجغرافيا وتجارب الطفولة والإعلانات تؤثر جميعها بدرجات متفاوتة في هذه التفضيلات. لكن الباحثين يشيران إلى أن الوصول إلى إجابات حاسمة يصبح أكثر صعوبة بسبب صعوبة الحصول على بيانات شراء طويلة الأمد تمتد لعقود، للأفراد والأسر على حد سواء.
يقول بروننبرغ: «ما زلنا في بداية الطريق. أعتقد أن الآلية الدقيقة التي تجعل هذه التفضيلات تستمر بهذه القوة لا تزال مجهولة، لكن الباحثين يدرسونها، ولدينا بالفعل عدة إجابات جيدة».
ومع أن الباحثين اكتسبوا فهمًا أفضل لكيفية تشكل الولاء للعلامات التجارية واستمراره في عالم المتاجر التقليدية، فإن مشهد التسوق يتغير بسرعة. وقد تكون الأسئلة المتعلقة بكيفية تغير عادات الشراء، وما سيحدث بالتالي لولاء المستهلكين للعلامات التجارية، أكثر تعقيدًا في عصر التسوق عبر الإنترنت.
فيما يلي بعض أفضل التفسيرات التي توصل إليها الباحثون بشأن سبب عودتك مرة بعد أخرى إلى كريست، أو سموكرز، أو تايد، وكيف يمكن أن تتغير هذه العادات مع ازدياد ذكاء التسوق واتصاله بالعالم الرقمي.
«استهلاك» العلامة التجارية
استخدمت العلامات التجارية في الأصل رموزًا للجودة. فقد كانت توصل إلى المستهلك أن هذه البقرة رعاها مزارع موثوق، وأن هذا المشروب صُنع باستخدام مياه نقية، وأن رغيف الخبز هذا خالٍ من نشارة الخشب والحشوات الأخرى.
يقول دوبيه: «قبل قرن من الزمن، عندما بدأ مفهوم العلامة التجارية في الظهور، كان الخبراء يميلون إلى النظر إليها بوصفها وسيلة لتحديد مورد السلعة. لكننا تعلمنا لاحقًا أن المستهلكين يحصلون على فوائد أخرى من العلامة التجارية».
في دراسة كلاسيكية أجريت عام 1964، طُلب من مئات المشاركين تقييم أنواع مختلفة من البيرة. وعندما ظهرت أسماء العلامات التجارية على زجاجات البيرة، منح المشاركون علامتهم المفضلة تقييمًا أعلى من العلامات الأخرى. لكن عندما أزيلت الملصقات، لم يظهر المشاركون أي تفضيل. وبعبارة أخرى، جعلت العلامة التجارية وحدها البيرة تبدو ألذ. يقول بروننبرغ: «الأمر يشبه أن تكون العلامة التجارية مكملًا للمنتج نفسه. فهي تضيف قيمة، أو تزيد المتعة التي يحصل عليها المستهلك».
ويمكن لهذه القيمة المضافة أن تمتد من التأثيرات النفسية إلى التأثيرات الفسيولوجية أيضًا. فعلى سبيل المثال، أثبتت دراسة أجريت عام 2013 أن مضاد الهيستامين كلاريتين كان أكثر فاعلية في تخفيف الأعراض لدى المشاركين الذين تناولوا الدواء ثم شاهدوا إعلانًا لكلاريتين، مقارنة بمن تناولوا كلاريتين ثم شاهدوا إعلانًا لزيرتك. ويقول دوبيه إن هذا يمثل دليلًا على أن «شراء العلامة التجارية يجعلني أشعر بتحسن. أنا حرفيًا أستهلك العلامة التجارية نفسها».
«المقتصد معرفيًا»
في حالات أخرى، قد لا يكون اختيار العلامة التجارية أكثر من مسألة تتعلق بالراحة والسهولة. عندما تكون في متجر البقالة وتحاول العثور على جميع المنتجات الموجودة في قائمة مشترياتك، بينما يطلب الأطفال منك شراء الحلوى، وتحاول في الوقت نفسه التفكير في وجبات العشاء للأسبوع المقبل، كم من القدرة الذهنية لديك لتخصصها لهذه القرارات؟
يصف علماء النفس البشر بأنهم «مقتصدون معرفيًا». فنحن نميل إلى التفكير وحل المشكلات بأبسط الطرق الممكنة. ولتسهيل الاختيارات، نكوّن ما يُعرف بالاستدلالات، أو الاختصارات الذهنية.
يقول بروننبرغ: «في متجر البقالة، تتخذ أحيانًا قرارات بشأن 40 أو 50 فئة، وفي كل فئة منها نحو 40 أو 50 خيارًا. ومن المستحيل القيام بذلك في وقت مناسب ما لم تكن لديك هذه الاختصارات، مثل العلامات التجارية». وعندما يتعلق الأمر باختيار ورق الحمام أو المياه المعبأة، فقد تكون أسرع طريقة لاتخاذ القرار هي ببساطة شراء العلامة التجارية التي تعرفها، أو تلك التي اشتريتها في المرة السابقة. ويقول دوبيه إن العلامة التجارية تعمل هنا بمثابة منارة، توجهك نحو الأشياء التي اشتريتها من قبل.
وقد تتحول هذه القرارات السريعة إلى نمط سلوكي. وطالما أن المنتج لم يخيب ظنك، فقد يكون ذلك كافيًا لكسب ولائك. أو، بصورة أدق، قد لا ترى أن عدم الولاء يستحق عناء البحث. يقول دوبيه: «لقد جربت علامة تجارية ونجحت معك. فلماذا تضيع وقتك في البحث عن شيء آخر؟»
المنزل هو موطن العلامة التجارية
هناك احتمال آخر طرحته دراسة أجراها بروننبرغ ودوبيه وسانجاي دار عام 2009، وهو أن تفضيل العلامة التجارية قد ينبع من المكان الذي تعيش فيه. درس الفريق العلامات التجارية التي تهيمن على حصص السوق في مناطق مختلفة، وتتبع منشأ كل علامة تجارية والوقت الذي دخلت فيه إلى الأسواق الأخرى.
وجد بروننبرغ وزملاؤه أن العلامة التجارية المهيمنة في منطقة معينة غالبًا ما تعكس العلامة التي وصلت إلى رفوف المتاجر هناك أولًا، حتى لو حدث ذلك قبل أكثر من قرن. وفي الواقع، تكون حصة العلامة التجارية في مدينة منشئها أعلى بنحو 20 في المئة تقريبًا من حصتها في مدينة تبعد عنها 2500 ميل.
ورغم أن هذه الأفضلية تتراجع كلما ابتعدنا عن مدينة المنشأ، فإنها تتراجع تدريجيًا فقط. فعلى سبيل المثال، يفضل سكان بورتلاند قهوة فولجرز، التي بيعت للمرة الأولى على الساحل مباشرة في سان فرانسيسكو عام 1872، بينما يفضل سكان كليفلاند قهوة ماكسويل هاوس، التي أطلقت في ناشفيل القريبة عام 1892. وظهر هذا النمط عبر عشرات الفئات المختلفة من السلع الاستهلاكية المعبأة، من الكاتشب والخردل إلى خبز البيغل ونقانق الإفطار.
لكن ماذا يحدث لشخص ينتقل من مدينة يفضل سكانها ماكسويل هاوس إلى مدينة يفضل سكانها فولجرز؟ كشفت دراسة متابعة أجريت عام 2012، أعدها بروننبرغ ودوبيه وماثيو جنتزكو، كيف تتطور تفضيلات العلامات التجارية عندما ينتقل الناس من مكان إلى آخر. كما بحثت الدراسة في مدى «ثبات» هذه التفضيلات طوال حياة المستهلك.
يقول بروننبرغ: «الانتقال من لوس أنجلوس إلى نيويورك، على سبيل المثال، يحدث صدمة في بيئة التسوق الخاصة بك، وفي بيئتك الإعلامية، وفي المنتجات التي تحصل على مساحة كبيرة على الرفوف وتلك التي تحصل على مساحة صغيرة. ولذلك تغير بعض تفضيلاتك بسرعة».
تحولت نحو 60 في المئة من تفضيلات المشاركين بسرعة نحو المنتجات الأكثر شعبية في موطنهم الجديد. لكن الـ40 في المئة الأخرى من التفضيلات ظلت متوافقة مع المدن أو الولايات التي نشأ فيها المشاركون، حتى لدى الأشخاص الذين انتقلوا قبل عقود. ورغم أن هذه النسبة البالغة 40 في المئة تتراجع مع مرور الوقت، فإن بروننبرغ يقول إنها تتراجع «ببطء شديد جدًا».
ويشير بروننبرغ إلى أن التفضيلات التي يتمسك بها الناس تختلف بصورة فردية ولافتة. ويقول: «ليس الأمر أن جميع المستهلكين يتمسكون بتفضيلاتهم للقهوة، لكنهم يغيرون تفضيلاتهم للسكر أو صلصة المعكرونة. أعتقد أن لكل شخص بعض الأشياء المفضلة التي يراها مهمة بالنسبة إليه، فيتمسك بها، بينما لا يفعل ذلك مع أشياء أخرى». فقد يكون نوع معين من خليط الفطائر أقرب إلى قلبك من نوع الشراب الذي تضعه فوقها، على سبيل المثال.
العائلة بأكملها
يقول بروننبرغ إن قدرة الناس على الاحتفاظ بتفضيلاتهم الأصلية للعلامات التجارية لعقود توضح مدى أهمية بناء العلامة التجارية. ويضيف: «إذا كانت هذه التأثيرات ثابتة إلى هذا الحد، وإذا استطعت جعل الناس يشترون علامتك التجارية في وقت مبكر من حياتهم، فإن ذلك يصبح ذا قيمة كبيرة».
وهناك أدلة تشير إلى أن بعض تفضيلات العلامات التجارية قد تتشكل في مرحلة الطفولة المبكرة وتستمر حتى مرحلة البلوغ.
يقول بروننبرغ: «إذا حصلت على مستهلكين لم يجربوا المنتجات بعد، فإن تفضيلاتهم تكون مثل صفحة بيضاء. عندما تكون طفلًا، فإن أول شيء تتعرض له، في وقت لا تعرف فيه أيًا من العلامات التجارية، هو هذه العلامة، وهي التي تشغل حيزًا في ذهنك حول هذه الفئة». هل نشأت في منزل كانت فيه عبوات تايد دائمًا بجوار الغسالة، وليس غين؟ هل كانت شطائر زبدة الفول السوداني والمربى تُحضّر بمربى ويلشز ولا تُستخدم فيها سموكرز أبدًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد تبدأ ببساطة في ربط الفئة بأكملها، منظف الغسيل أو المربى، بالعلامة التجارية التي صادفتها أولًا.
كما أن تفضيلات الوالدين تؤثر غالبًا بدرجة كبيرة في تفضيلات أطفالهم، حتى بعد بلوغهم سن الرشد. فقد وجدت إحدى الدراسات ارتباطًا قويًا بين العلامات التجارية للسيارات التي يشتريها الآباء وتلك التي يشتريها أبناؤهم البالغون. ورغم أن السيارات تختلف كثيرًا عن حبوب الإفطار، فإن هذه الأدلة تشير إلى أن تفضيلات العلامات التجارية يمكن أن تنتقل عبر الأجيال، أو على الأقل تتسرب من جيل إلى آخر داخل شجرة العائلة.
التعلم الصعب والخبرة
في بعض الحالات، قد تقف أدمغتنا نفسها عائقًا أمام إدراك عدم وجود فرق موضوعي في الجودة بين العلامات التجارية.
في عام 2008، وثّق ستاين فان أوسيلار، عالم نفس المستهلك في جامعة كورنيل، ظاهرة أطلق عليها اسم «الحجب». فإذا تعلمت أولًا عن علامة تجارية مثل تايلينول، قبل أن تتعلم عن مادتها الفعالة، أسيتامينوفين، فإن معرفتك بالعلامة التجارية تحجب فعليًا فهمك للمادة الفعالة، بحسب فان أوسيلار. وباختصار، تربط النتيجة، أي زوال الصداع، بالعلامة التجارية، أي تايلينول، ما يجعل تعلم أن الأسيتامينوفين هو الذي أدى الوظيفة أكثر صعوبة.
ويزداد هذا التعلم صعوبة لأن المستهلكين نادرًا ما يجرون اختبارات مقارنة مباشرة بين المنتجات ذات العلامات التجارية المعروفة والمنتجات العامة، بحسب فان أوسيلار. كما أن تأثير كثير من المنتجات طويل الأمد، ولذلك يصعب التحقق منه، مثل الحماية من تسوس الأسنان التي تروج لها معاجين الأسنان. ونتيجة لذلك، قد نحمل مشاعر قوية تجاه منتج ذي علامة تجارية معروفة دون مبرر حقيقي، استنادًا إلى المشاعر أو التجارب بدلًا من المعلومات. وحتى إذا كنت تشك في وجود فرق بسيط جدًا في الجودة بين العلامة التجارية المعروفة والمنتج العام، فقد يكون مجرد قدر ضئيل من عدم اليقين كافيًا لإقناعك بدفع السعر الأعلى.
يقول فان أوسيلار: «لنفترض أنك تعتقد أن الأسيتامينوفين العام جيد بقدر تايلينول، لكنك لست متأكدًا بنسبة 100 في المئة. لديك صداع نابض، أو أن طفلك يبكي ويعاني الحمى. هل تخاطر بتجربة المنتج العام؟»
على الأرجح لا. وفي الواقع، أظهرت أبحاث سلوك المستهلك أن الناس نادرًا ما يذهبون إلى حد إجراء مقارنات للأسعار داخل المتجر. ففي دراسة أجريت عام 1984، وجد عالم نفس المستهلك واين هوير أن 8 في المئة فقط من المستهلكين في ممر منظفات الغسيل في أحد المتاجر نظروا حتى إلى بطاقة السعر. ولم ينظر أكثر من منتج واحد سوى 3 في المئة من المتسوقين. وهم يدفعون ثمن ذلك. ففي دراسة أجريت عام 2015، حلل بروننبرغ ودوبيه بيانات قرابة 38 ألف متجر تابع لأكثر من 100 سلسلة، ووجدا أن المستهلكين الأمريكيين يمكن أن يوفروا 44 مليار دولار سنويًا إذا اختاروا العلامة التجارية الخاصة بالمتجر كلما أمكن ذلك.
ووجدت الدراسة نفسها أن الأشخاص العاملين في المهن الصحية أكثر ميلًا بدرجة كبيرة إلى شراء المنتجات الصحية العامة مقارنة بالمستهلك العادي. فهم يعرفون أنها ليست أقل فاعلية. وبالمثل، يميل الأشخاص الذين يعملون في وظائف مرتبطة بالطعام إلى شراء المنتجات الأساسية غير المرتبطة بعلامات تجارية، مثل السكر والملح والدقيق. فقد أظهرت لهم خبرتهم الخاصة أن هذه المكونات تؤدي الوظيفة نفسها بالقدر نفسه من الكفاءة.
يقول بروننبرغ: «تتيح لك الخبرة التمييز بين الخصائص الحقيقية للمنتج والإشارة التي ترسلها العلامة التجارية». لكن هذه الخبرة لا تنتقل بالضرورة بين المجالات. فالصيدلي ليس أكثر ميلًا إلى شراء دقيق العلامة الخاصة بالمتجر، كما أن الطاهي ليس أكثر ميلًا إلى شراء مسكنات الألم من علامة المتجر.
تأثير الإعلانات
هنا يأتي دور الإعلانات في محاولة تغيير كل ذلك. فمن خلال الإعلانات، تستطيع العلامات التجارية محاولة إقناع المستهلكين بتكوين تفضيل لمنتج ما أو تغييره. وأحيانًا يكون الهدف عمليًا، إذ تكتفي الإعلانات بإخبار المشترين المحتملين بوجود منتج أو سعره أو مكان بيعه. لكن بعض الإعلانات تسعى إلى ما هو أبعد من ذلك، فتحاول إضفاء قيمة إضافية على المنتج، مثل المكانة الاجتماعية.
وفي المشتريات الكبيرة، مثل السيارات والهواتف الذكية، حيث تحدث الابتكارات بسرعة وتحظى المكانة الاجتماعية بأهمية كبيرة، من السهل رؤية قيمة الإعلانات في إقناع المستهلكين بالولاء للعلامة التجارية، وإطلاعهم على الخصائص الجديدة، ومخاطبة غرورهم. لكن ماذا عن ورق الحمام أو حبوب الإفطار؟ تركز معظم الإعلانات الخاصة بهذه الأنواع من السلع الاستهلاكية المعبأة على خصائص أساسية، مثل أن المنتج ناعم أو أنه جزء من إفطار متوازن، وهي خصائص يشترك فيها جميع المنافسين. ومن الصعب تصور أن تصبح شارمين أو سبيشل K يومًا ما رمزين للمكانة الاجتماعية.
هنا يمكن للإعلانات أن تساعد في حل حالة عدم اليقين التي يشعر بها المستهلك بشأن جودة المنتج، حتى عندما لا توجد فروق موضوعية في الجودة أصلًا. ويقول بروننبرغ إن الإعلان يمكن أن يكون وسيلة تنفق بها العلامات التجارية الأموال أمام الجمهور، وهو ما يصبح نوعًا من البديل عن دليل مباشر على موثوقية المنتج. وقد يفترض المستهلكون أن العلامات التجارية «الجيدة» وحدها لديها حافز لتحمل تكاليف الإعلان. وفي المقابل، سرعان ما سيكتشف المستهلكون عيوب العلامة التجارية الرديئة، ما سيدفعهم إلى التحول بسرعة إلى علامة أخرى من ورق الحمام.
يقول بروننبرغ: «إنفاق الأموال على الإعلان يصبح إشارة يستطيع المستهلكون استخدامها بدلًا من حقيقة أنهم لا يستطيعون معرفة الجودة مسبقًا، أو إلى جانبها. وطالما أن المستهلكين يدركون أن المنتجات الجيدة وحدها لديها حافز للإعلان عن علامتها التجارية، فإن بناء العلامة التجارية ينجح».
مرحبًا بالعالم الجديد
بينما تركز معظم الأبحاث الأكاديمية حول الولاء للعلامات التجارية بطبيعة الحال على الاتجاهات التي شكلت القرن الأول من تفاعل المستهلكين مع العلامات التجارية، فمن المنطقي أن نتساءل عن مقدار ما نعرفه اليوم الذي سيظل قائمًا خلال المئة عام المقبلة.
وعلى الرغم من شهرتها وجذورها الراسخة، فإن العلامات التجارية للسلع الاستهلاكية المعبأة ليست بمنأى عن التحول الرقمي الذي يقلب قطاعات كثيرة أخرى من الاقتصاد رأسًا على عقب. يكفي النظر إلى ملايين الدولارات من رأس المال الاستثماري التي تتدفق إلى صناعة شفرات الحلاقة. وبينما تواجه العلامات التجارية للسلع المعبأة على الأرجح أكبر اضطراب منذ ظهورها قبل قرن، قد يوفر التسوق عبر الإنترنت أخيرًا بيانات الشراء التي ظل الباحثون يبحثون عنها.
تتمثل إحدى المشكلات الأساسية التي واجهها الباحثون في معرفة سبب تعلق الناس بمنتجات قابلة للاستهلاك والاستبدال بطبيعتها. لطالما كان تتبع سلوكيات الشراء لدى المستهلكين الأفراد لفترة تكفي لمعرفة كيفية تشكل ارتباطاتهم أو تخليهم عنها أمرًا غير عملي.
ففي الماضي، كان من الممكن مثلًا العثور على بيانات على مستوى الأسرة تمتد لعامين، أو عقد من الزمن في أفضل الأحوال، بحسب بروننبرغ. لكن ذلك يمثل إلى حد كبير قيدًا ناتجًا عن تتبع التسوق في المتاجر التقليدية. وليس من الصعب تصور أن تكون منصات مثل أمازون في المستقبل مزودة بسجلات دقيقة لسلوكيات الشراء الفردية تمتد لعقود، أو حتى طوال حياة المستهلك، في عالم يزداد اعتماده على التجارة الإلكترونية.
فهل ستبقى الآليات التي قادت تاريخيًا إلى التعلق بالعلامات التجارية، سواء كانت ناتجة عن الاختصارات الذهنية، أو متجذرة في الجغرافيا، أو انتقلت عبر العائلات، قائمة مع اعتماد المستهلكين بصورة متزايدة على التسوق عبر الإنترنت بدلًا من المتاجر؟ وماذا سيحدث عندما يبدأ الناس في تفويض قرارات شراء المسكنات إلى تطبيق صحي مدعوم بالذكاء الاصطناعي، أو يتركون مهمة إعادة شراء المياه المعبأة بالكامل لثلاجة ذكية؟
يشير تقرير صادر عن شركة كوجنيزانت إلى أن المبيعات عبر الإنترنت تمثل اليوم 5 في المئة فقط من سوق السلع الاستهلاكية المعبأة، لكنها قد ترتفع إلى 40 في المئة بحلول عام 2025. ويرى خبير بناء العلامات التجارية للمستهلكين مارتن ليندستروم أن هذا التحول قد ينذر بنهاية العلامات التجارية الوطنية والدولية.
ويتوقع أن تكون علاقة الجيل المقبل من المستهلكين بالعلامات التجارية مختلفة تمامًا.
وكتب ليندستروم في منشور عام 2016 بعنوان «نهاية العلامات التجارية العالمية»: «إذا كنت من أولئك الأطفال الذين كانت حبوب الإفطار من كيلوجز على مائدة إفطارهم، ويشربون كوكاكولا من حين إلى آخر، ويستمتعون بقطعة كيت كات المفضلة لديهم، ثم يستخدمون تايد دائمًا بعد أن يكبروا قليلًا، فلا تتوقع أن يتبعك الجيل القادم».
ويعتقد أن المتاجر الكبرى ستقلل من تركيزها على العلامات التجارية الوطنية أو الدولية لصالح منتجات العلامات الخاصة والعلامات الإقليمية التي لا يمكن العثور عليها بسعر أرخص على أمازون. ويقول: «لا يمكنها المنافسة على أساس السعر والحجم، لذلك يتعين عليها أن تنافس على شيء أكثر عاطفية»، مثل التفاعل مع المجتمعات المحلية أو الارتباط بإحساس المستهلك بالهدف والمعنى. فعلى سبيل المثال، تتيح الشفافية المتزايدة التي يوفرها الإنترنت للمستهلكين، الذين أصبحوا أكثر وعيًا بالقضايا البيئية، التدقيق في طرق إنتاج المنتج وبصمته الكربونية ومكوناته.
ويتوقع ليندستروم: «هذا لا يعني أن شركات مثل كوكاكولا ستختفي بين ليلة وضحاها، لكن ينبغي أن نتوقع رؤية عدد أقل من العلامات التجارية العالمية الجديدة على رفوف المتاجر في المستقبل. وسنلاحظ ظهور آلاف العلامات التجارية المحلية جدًا، التي لم تكن معروفة من قبل، والموسمية، والمرتبطة بموضوعات محددة، والمصممة وفق احتياجات المستهلكين».
ولا تزال الصورة التي ستتبلور عندما يشكل الجيل القادم من المستهلكين تفضيلاته للعلامات التجارية في عالم قائم على الإنترنت غير واضحة حتى الآن. لكن من المؤكد أنها مسألة ستبقي جيلًا آخر من الباحثين منشغلًا بها كما هي الحال دائمًا.
