لطالما كان للسلام قيمة اقتصادية. ويكشف مؤشر السلام العالمي لعام 2026 أن استئناف الحرب في إيران قد يكبّد الاقتصاد العالمي خسائر تصل إلى 2.2 تريليون دولار أمريكي.
عندما بدأت عملية «إبيك فيوري» في 28 فبراير 2026، بشن الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية استهدفت البنية التحتية النووية والعسكرية والقيادية في إيران، انصب اهتمام العالم على البعد العسكري للصراع.
لكن خلف كل ضربة صاروخية وسرب من الطائرات المسيّرة، كانت هناك حرب موازية من الاضطرابات الاقتصادية تعيد، بصمت، تشكيل الاقتصاد العالمي. ويقدم مؤشر السلام العالمي لعام 2026 التقييم الأكثر شمولاً حتى الآن لتكلفة هذا الصراع على العالم، والأرقام مثيرة للقلق.
ولفهم الرهانات الاقتصادية لحرب إيران، لا بد أولاً من فهم أهمية مضيق هرمز. فعند أضيق نقطة فيه، لا يتجاوز عرضه 33 كيلومتراً، ومع ذلك يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية يومياً، أي ما يعادل تقريباً خُمس استهلاك النفط العالمي وأكثر من ربع إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً. كما يمر عبره نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، بما في ذلك كامل صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، التي لا يوجد لها بديل عبر خطوط الأنابيب.
وعندما أغلقت إيران المضيق في أوائل مارس 2026، أدى ذلك إلى ما وصفه رئيس وكالة الطاقة الدولية بأنه «أكبر تحدٍ لأمن الطاقة في التاريخ». وقد تعذّر فوراً تصدير نحو 13 مليون برميل يومياً من صادرات الخليج. وتمكنت السعودية والإمارات من إعادة توجيه ما مجموعه سبعة ملايين برميل يومياً عبر خطوط أنابيب بديلة، لكن ذلك لم يمنع حدوث عجز هائل، هو الأكبر في الإمدادات الذي سُجل على الإطلاق في سوق النفط العالمية. أما العراق والكويت وقطر والبحرين فلم تكن لديها طرق بديلة مماثلة، فتحولت صادرات النفط والغاز، التي تشكل عادة شرياناً حيوياً لاقتصاداتها، إلى موارد عالقة لا يمكن إيصالها إلى الأسواق.
والنتيجة هي ما يسميه مؤشر السلام العالمي «مفارقة هرمز». فقد قفز سعر خام برنت إلى أكثر من 100 دولار للبرميل في أواخر أبريل، ووصل إلى 110 دولارات بحلول منتصف مايو. وفي كل صدمة نفطية سابقة في التاريخ الحديث، كان ارتفاع الأسعار يعني على الأقل تحقيق أرباح استثنائية للدول المنتجة.
لكن هذه المرة كانت مختلفة. فالدول التي أسهم تعطل صادراتها في ارتفاع الأسعار لم تكن قادرة على إيصال منتجاتها إلى الأسواق. وهكذا تعرضت للضرر مرتين: فقدت عائدات التصدير في اللحظة نفسها التي ارتفعت فيها تكاليف وارداتها وتعرضت بنيتها التحتية للقصف.
نمذجة سيناريوهات الصراع في إيران
يحلل مؤشر السلام العالمي التأثير الاقتصادي لحرب إيران وفق ثلاثة سيناريوهات.
- السيناريو الأول، الذي يفترض انتهاء الحرب فوراً، لم يعد قائماً.
- السيناريو الثاني يرتبط بوقف إطلاق النار الذي أُعلن في أوائل أبريل، ويفترض استمرار هدنة ممتدة أو حالة جمود، مع إعادة فتح مضيق هرمز جزئياً، واستمرار المضايقات البحرية الإيرانية، وبقاء علاوات مخاطر الشحن عند مستويات مرتفعة.
- السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، يفترض استئناف الحرب، وإغلاق المضيق لمدة ستة أشهر أو أكثر، وانخراط أطراف إقليمية بصورة أكبر في الصراع.
في إطار السيناريو الثاني، الذي يُعد النتيجة الأكثر ترجيحاً على المدى القريب، تُقدّر خسائر الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2026 بنحو 1.3 تريليون دولار، أي ما يعادل 0.6% من الناتج العالمي. وقد يبدو هذا الرقم محدوداً مقارنة بالأزمة المالية العالمية، التي خفضت الناتج العالمي بنحو 3.5 نقاط مئوية خلال عامها الأول، أو بجائحة كوفيد-19 التي أدت إلى انكماش عالمي بنسبة 3.1% في عام 2020.
لكن خسائر حرب إيران لا تتوزع بالتساوي على الاقتصاد العالمي، بل تتركز في عدد محدود من البلدان والفئات ذات الدخل المنخفض التي هي الأقل قدرة على تحملها.
أما إذا استؤنفت الحرب وفق السيناريو الثالث، فسترتفع خسائر الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى نحو 3.5 تريليون دولار، وهو ما سيتجاوز الصدمة الاقتصادية التي أحدثتها الحرب الروسية الأوكرانية خلال عامها الأول. ويبلغ الفرق بين السيناريوهين الثاني والثالث نحو 2.2 تريليون دولار. وهذا الرقم، وفقاً لمؤشر السلام العالمي، يمثل «القيمة الدولارية للدبلوماسية».
وتواجه الدول المتأثرة مباشرة، وهي إيران وإسرائيل ودول الخليج، أكبر الخسائر مقارنة بحجم اقتصاداتها. ففي إطار السيناريو الثاني، قد تخسر إيران نحو 15% من ناتجها المحلي الإجمالي. ولا تستطيع إيران تصدير النفط، الذي يوفر عادة قرابة ربع دخلها الوطني، ما يكلفها نحو 435 مليون دولار يومياً. ومع الأضرار الواسعة التي لحقت بالمصافي والبنية التحتية النووية، تصبح الخسائر التراكمية شديدة للغاية.
أما قطر، التي أصبحت كامل طاقتها التصديرية من الغاز الطبيعي المسال عالقة، فتواجه خسائر تقدر بنحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي في السيناريو نفسه. وعلى مستوى دول الخليج مجتمعة، يشير السيناريو الثاني إلى خسائر في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ نحو 6.2%.
وبعيداً عن اقتصادات الدول الواقعة في قلب المواجهة، تنتقل تكاليف الحرب إلى الخارج عبر أربعة مسارات رئيسية: أسعار الطاقة، والتجارة وسلاسل الإمداد، والأسواق المالية، وتحويلات العاملين في الخارج.
فاضطراب التجارة وحده يخلّف تداعيات تتجاوز منطقة الخليج بكثير. إذ تضيف السفن التي تعيد توجيه مساراتها حول جنوب أفريقيا نحو أسبوعين إلى مدة التسليم. كما ارتفعت أسعار الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل حاد، وفي بعض الحالات بأكثر من عشرة أضعاف. وتشير النماذج التي تشمل 65 دولة إلى أن كل أسبوع إضافي من الاضطراب يؤدي إلى خسائر في الدخل لدى الدول النامية لا يمكن تعويضها لاحقاً.
أما تأثير تحويلات العاملين في الخارج فهو شديد الأهمية بالنسبة لبعض أكثر اقتصادات العالم هشاشة. فالعاملون في دول الخليج يرسلون إلى بلدانهم نحو 88 مليار دولار سنوياً، وتعد مصر وباكستان والأردن والهند من بين أكبر الدول المستفيدة من هذه التحويلات.
وقد تلقت مصر وحدها 41.5 مليار دولار من تحويلات العاملين في الخليج خلال عام 2025، أي ما يعادل نحو 10% من ناتجها المحلي الإجمالي. وخلال أسابيع من بداية الصراع، سحب المستثمرون الأجانب نحو 6 مليارات دولار من الأسواق المصرية، وانخفض الجنيه بأكثر من 8% أمام الدولار، فيما كانت الآثار الكاملة لانخفاض التحويلات لا تزال تنتقل تدريجياً إلى الاقتصاد.
ولا يقتصر ما يمر عبر مضيق هرمز على النفط والغاز. فدول الخليج توفر نحو 45% من صادرات الكبريت العالمية و50% من صادرات اليوريا العالمية، وهما مادتان أساسيتان في إنتاج الأسمدة. كما تنتج قطر نحو 40% من الهيليوم في العالم، وهو عنصر ضروري في صناعة أشباه الموصلات. وقد أصبحت كل هذه الإمدادات عالقة الآن.
ولن يظهر نقص الأسمدة فوراً في أسعار الغذاء. إذ يمتد تأثيره عادة على مدى يتراوح بين ستة وتسعة أشهر، ليظهر في المحاصيل بعد موسم الزراعة في الربع الثاني من عام 2026 في جنوب آسيا وشرق أفريقيا. كما أن ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 10% يرفع تكاليف توزيع الغذاء بما يتراوح بين 3% و5% في الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، مع وقوع العبء الأكبر على الأسر الأكثر فقراً، التي تستحوذ تكاليف الغذاء بالفعل على ما بين 50% و70% من دخلها.
وبعبارة أخرى، فإن أزمة الغذاء تسير وفق عدّ تنازلي، ومن المتوقع أن تبلغ ذروتها في الوقت نفسه الذي تواجه فيه عدة دول مثقلة بشدة بالديون مواعيد لإعادة تمويل ديونها السيادية.
وتواجه باكستان ومصر وكينيا استحقاقات ديون مجتمعة تبلغ 5.1 مليار دولار خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2026 فقط. وفي إطار السيناريو الثاني، تظل قدرة الدول الثلاث على إعادة تمويل هذه الديون بأسعار فائدة يمكن تحملها غير مؤكدة. أما في إطار السيناريو الثالث، فسيصبح ذلك شبه مستحيل عملياً.
الدول الهشة والمخاطر النظامية
يكشف تحليل مؤشر السلام العالمي للدول الهشة عن تركّز مقلق بشكل خاص للمخاطر. فصدمة الطاقة تأتي في وقت يبلغ فيه الدين الحكومي العالمي 93% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو مستوى أعلى من أي عام شهد حالة سلام منذ حقبة ما بعد الحرب، باستثناء فترة جائحة كوفيد-19.
وبالنسبة للعديد من الدول الأكثر تعرضاً لهذه الصدمة، فإن سلسلة الأزمات التي بدأت منذ عام 2020 استنزفت بالفعل الحيز المالي الذي كانت الحكومات تعتمد عليه عادة لامتصاص آثار الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية.
وتبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في سريلانكا 101%، فيما تبلغ درجة اعتمادها على استيراد الطاقة 60%. أما باكستان، التي ظلت في انخراط شبه مستمر مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2019، فتواجه صدمات متزامنة ناجمة عن ارتفاع تكاليف الوقود، وزيادة أسعار الغذاء، وانخفاض تحويلات العاملين في الخليج بما يعادل ما بين 4% و5% من ناتجها المحلي الإجمالي.
أما مصر، وهي أكبر مستورد للقمح في العالم، فتواجه أربعة مصادر للضغط في الوقت نفسه: ارتفاع تكاليف استيراد الطاقة، وانخفاض إيرادات قناة السويس بنحو 60% مع إعادة توجيه السفن عبر رأس الرجاء الصالح، وتراجع عائدات السياحة، وانخفاض تحويلات العاملين في الخليج.
وبالنسبة لسريلانكا، فإن السيناريو الثالث سيرفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى قرابة 143% بحلول عام 2028، وهو مستوى سيجعل أي برنامج لصندوق النقد الدولي غير قابل للتنفيذ ما لم يتم شطب نسبة كبيرة من الديون المستحقة للدائنين.
وما يميز صدمة عام 2026 ليس حجمها الإجمالي بحد ذاته، بل الطريقة التي تتفاعل بها قنوات الاضطراب المتعددة في الوقت نفسه وتعزز بعضها بعضاً. فجميع الصدمات النفطية الكبرى السابقة أوجدت رابحين في مكان ما؛ إذ كان بإمكان الدول المصدرة الاستفادة من ارتفاع الأسعار حتى في الوقت الذي كانت فيه الدول المستوردة تعاني.
أما هذه المرة، فتنتشر الصدمة في وقت واحد عبر الطاقة والغذاء والتجارة والتحويلات والأسواق المالية، في حين أن الدول التي كانت تقوم عادة بدور عوامل الاستقرار الإقليمي أصبحت هي نفسها من بين الأكثر تضرراً.
ويصف مؤشر السلام العالمي تقديراته بأنها متحفظة عمداً وتقع عند الطرف الأدنى من نطاق التوقعات المنشورة. كما أنها لا تأخذ بصورة كاملة في الحسبان العدوى المالية وتراجع الطلب على المدى الطويل، وهما من أكثر المصادر احتمالاً لإحداث تصعيد غير خطي في حجم الضرر.
لكن ما توضحه الأرقام بجلاء هو أن التكاليف لا تتوزع بما يتناسب مع حجم الاقتصادات. فالمجموعتان 4 و5، وهما الدول النامية المستوردة للطاقة والاقتصادات المتقدمة، تتحملان أكبر الخسائر بالقيمة المطلقة للدولار بسبب كبر حجم اقتصاداتها، إلا أن التأثير عليها كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يظل محدوداً نسبياً.
في المقابل، ستكون الاقتصادات الصغيرة المثقلة بالديون والمعتمدة على الطاقة في الخليج وبلاد الشام وجنوب آسيا هي التي ستتحمل أكبر عبء مقارنة بحجم اقتصاداتها.
القيمة الاقتصادية للدبلوماسية
يحسب مؤشر السلام العالمي لعام 2026 أن نجاح الجهود الدبلوماسية في إنهاء حرب إيران قد تكون قيمته أكثر من 2.2 تريليون دولار للاقتصاد العالمي خلال عام واحد فقط. وهذا هو العائد الاقتصادي المباشر الناتج عن الفارق بين السيناريوهين الثاني والثالث، أي بين وقف إطلاق نار هش واستئناف الحرب.
ولا يشمل هذا الرقم التكاليف طويلة المدى، مثل مستقبل قابلية استخدام مضيق هرمز كطريق تجاري، واستمرار الصدمات التي تتعرض لها سلاسل الإمداد العالمية للأسمدة والبتروكيماويات، أو الأضرار التي تلحق بأسواق الديون السيادية والتي ستظل آثارها ممتدة حتى عام 2027.
أما المقياس الأوسع الذي يعتمده معهد الاقتصاد والسلام للتأثير الاقتصادي العالمي للعنف، فقد بلغ 21.8 تريليون دولار في عام 2025، أي ما يعادل 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، محسوباً باستخدام تعادل القوة الشرائية وبالدولار الثابت.
ويضع هذا الرقم حرب إيران في سياق أوسع؛ فهي ليست حدثاً معزولاً، بل أسهمت في تسريع اتجاه مستمر منذ عقد يتمثل في ارتفاع تكاليف الصراعات، مدفوعاً بالإنفاق العسكري والنزوح وخسائر الناتج المحلي الإجمالي.
وقد تضاعف التأثير الاقتصادي للنزاعات المسلحة بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 2008.
