تحليل بقلم ديفيد غولدمان
تبدو آثار حرب إيران واضحة لمعظم الأمريكيين: فقد ظلت أسعار البنزين فوق مستوى 4 دولارات لأسابيع، فيما تقترب معدلات الرهن العقاري من 7%، وبدأت الشركات تفرض رسوماً إضافية على الشحن لتعويض تكاليف الديزل التي بلغت مستويات قياسية.
وقد استمرت هذه الزيادات في تكاليف المعيشة لفترة أطول مما كانت إدارة ترامب قد توقعت، رغم أنه يُفترض أن تتراجع في نهاية المطاف إذا ومتى توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
لكن هناك تغيرات اقتصادية أخرى لن يكون من السهل عكس مسارها. فقد غيّرت الحرب الاقتصاد العالمي بطرق دائمة أعادت تشكيل الكيفية التي يمارس بها العالم أعماله.
إيران تسيطر على مضيق هرمز
قبل الحرب، كان بإمكان السفن التي ترفع أعلام أي دولة عبور مضيق هرمز بحرية لنقل وتسليم السلع من الشرق الأوسط وإليه. وكان خُمس نفط العالم يمر يومياً عبر هذا الممر الضيق.
تغيّرت فكرة الجهة التي تسيطر على المضيق بصورة دائمة بعد أن هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في أواخر فبراير. وأعلنت إيران أن المضيق أصبح خاضعاً لسيطرتها، وهاجمت السفن التي حاولت الدخول إلى الخليج الفارسي أو الخروج منه. ومنح الإغلاق الفعلي للمضيق إيران ورقة ضغط اقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها من دول الخليج، بعد أن حرم الاقتصاد العالمي من إمدادات تبلغ 13 مليون برميل من النفط.
غيّرت إيران تكتيكها في المضيق خلال شهر مايو. فبدلاً من محاولة إغلاقه، بدأت في تنظيم استخدام الممر. وأنشأت «هيئة مضيق الخليج الفارسي»، وبدأت تطلب من السفن العابرة التسجيل لدى الهيئة، واتباع مسار ملاحي معتمد، ودفع رسوم مقابل العبور. وبعد توقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة في يونيو، وافقت إيران على تعليق تحصيل الرسوم لمدة 60 يوماً، لكنها واصلت مهاجمة السفن العابرة التي لم تسجل لدى الهيئة.
وبعد أن ألغت عملياً مذكرة التفاهم، بدأ الجيش الأمريكي في تنسيق ومرافقة عمليات عبور «مظلمة» ليلاً عبر المضيق، بهدف زيادة صادرات النفط من الخليج الفارسي وتجنب هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية. وقد نجحت هذه الجهود، لكن الحاجة إلى مثل هذه العملية الضخمة والمكلفة والمرهقة تُظهر حجم النفوذ الذي اكتسبته إيران على مضيق هرمز.
وقال روس مايفيلد، استراتيجي الاستثمار في شركة بيرد: «يبدو من المرجح أن تخرج إيران من الحرب وهي تتمتع بموقف أقوى فيما يتعلق بالسيطرة على المضيق، وهذا سيجبر الدول التي تعتمد على خام الشرق الأوسط على التكيف. فقد انتقل إغلاق هرمز من كونه خطراً افتراضياً نادراً إلى تكتيك أثبت فعاليته عملياً».
ويرى محللو النفط أن التسوية النهائية للصراع قد تتضمن في نهاية المطاف نوعاً من الاتفاق الذي يسمح لإيران بفرض رسوم مقابل المرور الآمن عبر المضيق. ويخشى بعض المنتقدين من أن يشكل ذلك سابقة تسمح لدول أخرى بفرض رسوم على السفن مقابل عبور الممرات المائية الدولية.
لكن ناتاشا كانيفا، رئيسة تحليل السلع في «جيه بي مورغان»، أشارت إلى أن مثل هذه السابقة موجودة بالفعل. فالأمم المتحدة تسمح للدول بفرض رسوم مقابل الخدمات، لا مقابل مجرد عبور الممرات المائية، وإنما مقابل خدمات السلامة الملاحية وإدارة حركة المرور والمرافقة الأمنية والاستجابة للطوارئ وحماية البيئة. وأوضحت كانيفا أن تركيا والدنمارك والسويد وروسيا وإندونيسيا تفرض جميعها رسوماً مقابل خدمات العبور في عدد من المضائق.
وقالت كانيفا إن هذا التغيير قد يضيف نحو دولار واحد إلى سعر برميل النفط إذا تبنت إيران هيكلاً للرسوم مشابهاً لما تفرضه تركيا مقابل العبور عبر المضائق التركية. وقد تدفع ناقلة نفط خام عملاقة نحو 260 ألف دولار مقابل رحلة ذهاب وإياب عبر المضيق.
الصين ترسخ دورها كقوة رئيسية في سوق النفط
لا تنتج الصين كميات كبيرة من النفط، لكنها أثبتت خلال حرب إيران أنها القوة الأكثر تأثيراً في سوق النفط.
ويعود ذلك إلى أن الصين أظهرت قدرة فريدة على تعديل حجم طلبها، وفقاً لجو بروسويلاس، كبير الاقتصاديين في شركة «RSM US».
فقد أدى اعتماد الصين الكبير على مخزونات النفط الضخمة التي راكمتها قبل الحرب إلى خفض وارداتها من الخام بنحو 5 ملايين برميل يومياً. وفي مرحلة ما، ستحتاج إلى إعادة ملء تلك المخزونات، وعندها سيرتفع الطلب مجدداً.
لكن بعض التغيرات في سلوك المستهلكين الصينيين ستصبح دائمة.
فعلى سبيل المثال، خلال عطلة عيد العمال التي استمرت خمسة أيام، ارتفع استخدام محطات شحن السيارات الكهربائية على الطرق السريعة في الصين بنسبة 55.6% مقارنة بالعام السابق، وفقاً لوزارة النقل الصينية. وخلال العطلة، كانت السيارات الكهربائية تمثل أقل بقليل من ربع السيارات التي تسير على الطرق السريعة الصينية، بزيادة قدرها 33% مقارنة بالعام السابق.
كما تمكنت الصين من التحول بسرعة من محطات توليد الكهرباء التي تعتمد على النفط والغاز إلى الفحم، وهو ما أظهر قدرة لا مثيل لها على الصمود في مواجهة صدمة نفطية غير مسبوقة.
وانخفض الطلب على النفط بشدة خلال الحرب، وبمعدل أكبر بكثير مما توقعه محللو صناعة النفط، ما أثبت أن العالم أكثر مرونة في كيفية استخدامه للنفط مما كان يُعتقد سابقاً.
ومن أصل 1.9 مليار برميل من خام الشرق الأوسط فقدها السوق خلال فترة الحرب، تم تعويض 800 مليون برميل، أي أقل بقليل من النصف، من خلال انخفاض استهلاك الأفراد والشركات للنفط، وفقاً لـ«جيه بي مورغان».
وليس من الواضح مقدار هذه المرونة الذي سيصبح دائماً، ومقدار ما هو مؤقت. لكن الانخفاض الدائم في استهلاك النفط، حتى لو جاء من الصين وحدها، قد يؤدي إلى تراجع الطلب بدرجة تمنعه من التعافي بالكامل مرة أخرى. وربما نكون قد بلغنا ذروة الطلب على النفط.
وقالت كانيفا: «يشير التاريخ إلى أن صدمات النفط السابقة غالباً ما خلفت وراءها انخفاضات دائمة في الطلب على البنزين، وقد لا تكون هذه المرة مختلفة».
ارتفاع الإنتاج خارج الشرق الأوسط
كان من أبرز التعديلات الأخرى خلال حرب إيران الزيادة في إنتاج النفط من مصادر لم تكن متوقعة.
وأشار آندي ليبو، رئيس شركة «ليبو أويل أسوشيتس»، إلى أن أنشطة الاستكشاف وتطوير مصادر الطاقة البديلة خارج الشرق الأوسط تتسارع. كما رفعت مشروعات النفط القائمة وتيرة عمليات الحفر. ووفقاً لـ«جيه بي مورغان»، أضافت البرازيل 800 ألف برميل يومياً إلى إنتاجها من الخام، وأضافت غيانا 300 ألف برميل، وكندا 200 ألف برميل، والنرويج 150 ألف برميل.
أما الولايات المتحدة، التي قاومت في البداية زيادة إنتاجها خشية التعرض لخسائر في حال كان ارتفاع أسعار النفط مؤقتاً، فقد أصبحت الآن تنتج أكثر بنحو 900 ألف برميل يومياً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وجاء معظم ارتفاع الإنتاج الأمريكي من منصات حفر تديرها شركات خاصة، ترسل إنتاجها إلى المصافي لإنتاج وقود الطائرات والغاز الطبيعي المخصص للسوق الأوروبية، التي تعاني من انخفاض الإمدادات. وقد يتراجع الإنتاج الأمريكي قليلاً بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، لكن «جيه بي مورغان» يتوقع أن يظل الإنتاج الأمريكي قريباً من مستوياته الحالية.
وفاجأت البرازيل محللي النفط بعدما أنتجت كميات أكبر بكثير مما كان يُعتقد أنها قادرة على إنتاجه في هذه المرحلة، ومن المرجح أن يؤدي الأداء القوي في مشروعاتها النفطية إلى زيادة الإنتاج بصورة أكبر. كما ستساعد سفينة إنتاج بحرية جديدة تصل إلى سواحل غيانا هذا الشهر البلاد على تسريع وتيرة الإنتاج من حقولها النفطية العملاقة.
وللتعويض عن هذه التحولات، تعمل الدول المنتجة في الشرق الأوسط على تغيير أساليب نقل الخام وتطوير مسارات بديلة. فقد استعانت السعودية بقوافل ضخمة من الشاحنات لنقل السلع عبر البلاد إلى البحر الأحمر، وشغّلت خط أنابيب الشرق-الغرب بأقصى طاقته لتجاوز المضيق. كما يجري العراق محادثات مع شركة شيفرون لبناء خط أنابيب يصل إلى البحر الأبيض المتوسط.
وفي الوقت نفسه، تخوض منظمة «أوبك» معركة من أجل بقائها بعد إعلان الإمارات العربية المتحدة، وهي واحدة من أبرز أعضاء المنظمة، في أبريل أنها ستغادر المجموعة.
ويُقال إن العراق، ثاني أكبر منتج للنفط داخل المنظمة، قد يكون الدولة التالية التي تنسحب. فقد صرح وزير النفط العراقي لوكالة بلومبرغ بأن العراق سيضطر إلى اتخاذ قرار بشأن البقاء في «أوبك» من عدمه إذا لم تتم زيادة أهداف الإنتاج بصورة كبيرة. ويريد العراق الحصول على إذن لإنتاج مستوى قياسي يبلغ 5 ملايين برميل يومياً بعد انتهاء الحرب، مع هدف طويل الأجل يصل إلى 7 ملايين برميل يومياً، وفقاً لما أوردته بلومبرغ.
وقد يجبر ذلك السعودية على السماح لدول أخرى بإنتاج كميات من النفط تفوق احتياجات العالم. وقد يكون هذا جيداً بالنسبة لأسعار المستهلكين، إذ قد يدفعها إلى الانخفاض. لكنه قد يؤدي أيضاً إلى فائض نفطي دائم يمكن أن يقلص أرباح النفط بصورة كبيرة.
