القائمة الرئيسية

ما تأثير الذكاء الاصطناعي في الشركات البريطانية والوظائف التي توفرها؟

ما تأثير الذكاء الاصطناعي في الشركات البريطانية والوظائف التي توفرها؟
ملخص المقال

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل البريطانية تدريجيًا عبر إعادة تنظيم الوظائف وتوزيع المهام وأتمتة الأعمال الروتينية، بدلًا من التسبب في إزاحة جماعية وفورية للعمالة. وبينما تستفيد الشركات من خفض التكاليف وزيادة الكفاءة، تتركز المخاطر بصورة خاصة في الوظائف المبتدئة والإدارية، ما قد يضعف مسارات اكتساب المهارات والتطور المهني والتعاقب القيادي داخل المؤسسات، فضلًا عن احتمال تعميق عدم المساواة بين الفئات الأكثر تعرضًا للأتمتة. وفي المقابل، قد يخلق الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة في مجالات مثل حوكمة البيانات والإشراف على الأنظمة والتدقيق والاستشارات، لكن الاستفادة منها تتطلب استثمارات كبيرة في التدريب وإعادة تأهيل العاملين. ولا تحدد التكنولوجيا وحدها نتائج هذا التحول؛ إذ تلعب مجالس الإدارة والاستراتيجيات المؤسسية والسياسات العامة دورًا حاسمًا في توجيهه. لذلك ينبغي أن تتجاوز حوكمة الذكاء الاصطناعي التركيز على مكاسب الإنتاجية قصيرة الأجل، لتشمل إدارة رأس المال البشري، والشفافية بشأن آثار الأتمتة، والاستثمار في المهارات، وبناء قدرة تنظيمية على الصمود، بما يضمن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في نمو أكثر شمولًا بدلًا من تعميق الانقسامات القائمة في سوق العمل.

حتى الآن، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل التوظيف في بريطانيا من خلال إعادة هيكلة تدريجية، وليس من خلال إزاحة جماعية ومفاجئة للوظائف. وبينما تستفيد الشركات من مكاسب الكفاءة وخفض التكاليف، فإن التداعيات على أسواق العمل، وعدم المساواة، والقدرة على الصمود التنظيمي كبيرة. ويرى إرهان كيلينجارسلان وجيافان لي أن التحدي لا يتمثل في معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العمل، بل في كيفية توجيه أطر حوكمة الشركات لهذا التحول.

لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية افتراضية داخل أماكن العمل البريطانية. فقد تسارع اعتماده في مختلف القطاعات، بما في ذلك الخدمات المهنية، والقطاع المالي، وتجارة التجزئة، ودعم العملاء. وبينما يركز النقاش العام غالبًا على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل العاملين، فإن الأثر الأكثر إلحاحًا والأهم اقتصاديًا يكمن في الطريقة التي تعيد بها الشركات تنظيم العمل، وإعادة توزيع المهام، وإعادة تشكيل هياكل التوظيف.

وبالنسبة إلى أسواق العمل البريطانية التي تواجه ضغوطًا بالفعل، يُستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة كأداة استراتيجية تستعين بها الشركات للاستجابة لارتفاع التكاليف، وقيود الإنتاجية، والضغوط التنافسية. وتثير هذه القرارات أسئلة مهمة ليس فقط بالنسبة إلى العاملين وصانعي السياسات، بل أيضًا بالنسبة إلى حوكمة الشركات.

تبني الذكاء الاصطناعي وتراجع قوة سوق العمل البريطانية

يتزامن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي مع تراجع قوة سوق العمل في بريطانيا. فقد بلغ معدل البطالة نحو 5.2 في المئة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يناير 2026، وهو أعلى مستوى له منذ الجائحة، في حين تباطأ نمو الأجور إلى نحو 3.8 في المئة. وتشير أحدث بيانات سوق العمل أيضًا إلى انخفاض عدد الوظائف الشاغرة وتبني الشركات نهجًا أكثر حذرًا في التوظيف، ولا سيما في الوظائف المبتدئة والإدارية.

وربطت عدة مؤسسات بارزة بصورة صريحة بين خفض أعداد العاملين وزيادة استخدام الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في الخدمات المهنية والوظائف المساندة. فعلى سبيل المثال، أقرت شركات محاماة كبرى علنًا بأن تبني الذكاء الاصطناعي أسهم في خفض عدد الوظائف المبتدئة ووظائف الدعم.

ومن منظور تمويل الشركات، فإن هذا النمط ليس مفاجئًا. فالذكاء الاصطناعي يتيح للشركات خفض تكاليف العمالة، والحفاظ على هوامش الربح، وتقليل تعرضها لتضخم الأجور. غير أن مثل هذه القرارات تمثل خيارات استراتيجية تشرف عليها مجالس الإدارة، ولها تداعيات طويلة الأجل على رأس المال البشري، والقدرة التشغيلية على الصمود، وسمعة الشركات.

ما الوظائف الأكثر تعرضًا للخطر؟

تختلف آثار الذكاء الاصطناعي في سوق العمل باختلاف المهن. وتظهر الأبحاث باستمرار أن الوظائف التي تتضمن مهام روتينية ومتكررة أو قائمة على قواعد محددة تواجه أكبر قدر من التعرض للأتمتة أو إحلال المهام.

وتقدر مؤسسة KPMG أن نحو 40 في المئة من الوظائف البريطانية قد تشهد قدرًا من الاضطراب المرتبط بالذكاء الاصطناعي في المهام التي تؤديها، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة فقدان الوظائف بالكامل.

وتركز دراسات أخرى على تراجع بعض المهن. وتتوقع المؤسسة الوطنية للأبحاث التربوية أن ما يصل إلى ثلاثة ملايين وظيفة، ولا سيما في المجالات الكتابية والإدارية وخدمة العملاء، قد تختفي بحلول عام 2035 مع تكثف استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة.

وبالمثل، يحذر معهد أبحاث السياسات العامة من أن ما بين 500 ألف وثمانية ملايين وظيفة قد تكون معرضة للخطر إذا جرى توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية كتقنية لإحلال العمالة، بدلًا من استخدامه أداة مكملة للعمل البشري.

وبالنسبة إلى مجالس إدارات الشركات، تؤكد هذه التوقعات أهمية وجود رقابة فعالة. فاعتماد الذكاء الاصطناعي يؤثر في تكوين القوى العاملة، ومتطلبات المهارات، والهيكل التنظيمي، وجميعها تقع بصورة مباشرة ضمن نطاق الحوكمة الاستراتيجية.

تآكل فرص العمل المبتدئة ومخاطر المهارات على المدى الطويل

من أكثر النتائج أهمية، وإن كانت أقل مناقشة، لتبني الذكاء الاصطناعي تأثيره في فرص العمل المبتدئة. فالمهام التي كان يؤديها الموظفون المبتدئون تقليديًا، بما في ذلك إعداد الوثائق، والتحليل الأساسي، ومعالجة البيانات، والتفاعل مع العملاء، تخضع بصورة متزايدة للأتمتة.

وتشير استطلاعات أصحاب العمل إلى أن خسائر الوظائف المتوقعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتركز في الوظائف الإدارية والمهنية المبتدئة أكثر من الوظائف العليا. ورغم أن ذلك قد يحقق مكاسب في الكفاءة على المدى القصير، فإنه يثير مخاوف تتعلق بالحوكمة على المدى الطويل. فإذا تراجعت الوظائف المبتدئة، فإن الشركات تخاطر بإضعاف المسارات الداخلية لتطوير المهارات، والتخطيط لتعاقب القيادات، وتكوين الكفاءات القيادية.

وتشير البيانات الحديثة أيضًا إلى أن ضعف سوق العمل يبدو أكثر وضوحًا بين العاملين الأصغر سنًا، إذ ارتفعت البطالة بين الفئة العمرية من 18 إلى 24 عامًا إلى نحو 14.5 في المئة. ويعزز ذلك المخاوف من أن تراجع فرص العمل المبتدئة قد يتفاقم بفعل كل من الظروف الدورية لسوق العمل وأتمتة المهام المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.

خلق وظائف جديدة، ولكن مع توزيع غير متكافئ للمنافع

من المرجح أيضًا أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى خلق وظائف جديدة، ولا سيما في مجالات مثل الإشراف على الأنظمة، وحوكمة البيانات، والتدقيق في أنظمة الذكاء الاصطناعي، والاستشارات المتخصصة. وتشير تحليلات أجرتها الحكومة إلى أنه بحلول عام 2035، قد يعمل نحو عشرة ملايين عامل بريطاني في وظائف يكون الذكاء الاصطناعي مدمجًا فيها ضمن المهام اليومية، بدلًا من أن يحل محل الوظائف بصورة كاملة.

غير أن هذه الوظائف تتطلب عادة مهارات رقمية أو تحليلية أو إدارية متقدمة. ومن دون استثمار مستمر في التدريب وإعادة تأهيل المهارات، قد يواجه العاملون الذين فقدوا وظائفهم صعوبة في الانتقال إلى المهن الناشئة. وهذا يثير تساؤلات حول مسؤوليات الشركات تجاه تطوير القوى العاملة وخلق القيمة على المدى الطويل.

آثار التوزيع وعدم المساواة

ينطوي تبني الذكاء الاصطناعي على خطر تضخيم أوجه عدم المساواة القائمة في سوق العمل. فالعاملون الأصغر سنًا، والموظفون الأقل مهارة، والنساء، والعاملون بدوام جزئي، ممثلون بصورة غير متناسبة في المهن الأكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي.

وتعكس المخاوف العامة هذه المخاطر. وتشير الاستطلاعات إلى أن نحو نصف البالغين البريطانيين يخشون أن يهدد الذكاء الاصطناعي وظائفهم، في الوقت الذي تؤكد فيه الشركات مكاسب الإنتاجية. ومن منظور الحوكمة، يثير ذلك قضايا تتعلق بإدارة أصحاب المصلحة، والقبول الاجتماعي لممارسة الشركات لأنشطتها، ومخاطر السمعة.

الذكاء الاصطناعي والإنتاجية والاقتصاد البريطاني

غالبًا ما يُطرح الذكاء الاصطناعي باعتباره حلًا لتحدي الإنتاجية المزمن الذي تواجهه بريطانيا. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على تحسين الكفاءة، فإن تحقيق مكاسب في الإنتاجية يعتمد على استثمارات مكملة في المهارات، وإعادة تصميم المؤسسات، والإدارة الفعالة.

ويشير تحليل صادر عن معهد توني بلير إلى أن الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي سيكون محدودًا إذا ركزت الشركات فقط على الأتمتة، بدلًا من إعادة هيكلة العمل لتعزيز التعاون بين الإنسان والآلة.

تداعيات الحوكمة والاستجابات السياسية

إن تأثيرات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل ليست محددة سلفًا بفعل التكنولوجيا وحدها. فهي تتشكل من خلال استراتيجية الشركات، وخيارات الحوكمة، والسياسات العامة.

وتشمل الاعتبارات الرئيسية المتعلقة بالحوكمة إشراف مجالس الإدارة على استراتيجية الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها في القوى العاملة، ودمج اعتبارات رأس المال البشري في إدارة المخاطر والتخطيط طويل الأجل، والشفافية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي وتأثيراته في التوظيف، والاستثمار في إعادة تأهيل المهارات والتنقل الداخلي للعمالة.

كما أن الدعم السياسي للتعلم مدى الحياة، والانتقال بين الوظائف، والتبني المسؤول للذكاء الاصطناعي، سيؤدي دورًا حاسمًا في تشكيل النتائج.

يعيد الذكاء الاصطناعي بالفعل تشكيل التوظيف من خلال إعادة هيكلة تدريجية، وليس من خلال إزاحة جماعية ومفاجئة للوظائف. وبينما قد تستفيد الشركات من مكاسب الكفاءة وخفض التكاليف، فإن التداعيات الأوسع على أسواق العمل، وعدم المساواة، والقدرة التنظيمية على الصمود، كبيرة.

وتشير الأنماط الحديثة في سوق العمل إلى أن هذه الديناميات بدأت تظهر بالفعل، ولا سيما في ظل ضعف ظروف التوظيف وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب. ولا يتمثل التحدي الأساسي في معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العمل، بل في كيفية توجيه أطر حوكمة الشركات لهذا التحول. وستحدد القرارات التي تتخذها مجالس الإدارة وكبار التنفيذيين اليوم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدعم النمو الشامل وخلق قيمة مستدامة، أم سيؤدي إلى تعميق الانقسامات القائمة في سوق العمل.

المصدر

مقالات ذات صلة