القائمة الرئيسية

التكنولوجيا الكبرى وصعود الاحتكارات الفكرية

التكنولوجيا الكبرى وصعود الاحتكارات الفكرية
ملخص المقال

تتحول قوة شركات التكنولوجيا الكبرى من نموذج الاحتكار التقليدي القائم على امتلاك الشركات ودمجها رأسيًا إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على «الاحتكارات الفكرية»، حيث تسيطر شركات مثل آبل وأمازون وغوغل ومايكروسوفت على شبكات واسعة من الشركات الناشئة والمطورين والجامعات والحكومات عبر امتلاك أو التحكم في البيانات والبرمجيات والملكية الفكرية والبنية التحتية السحابية. ويمنحها ذلك قوتين أساسيتين: المراقبة الواسعة من خلال جمع البيانات وتحليلها، والسيطرة على نقاط اختناق لا تستطيع مؤسسات أخرى الاستغناء عنها، مثل منصات التطبيقات والحوسبة السحابية وسلاسل توريد الرقائق. وتزداد هذه الهيمنة لأن المؤسسات التابعة للشبكة تحقق مصالحها الخاصة وفي الوقت نفسه تعتمد على البنية التي توفرها الشركات الكبرى، ما يؤدي إلى تآكل استقلاليتها تدريجيًا. لذلك فإن مواجهة هذه القوة لا تتطلب المنافسة والتنظيم التقليديين فقط، بل تستلزم تقليص اعتماد الحكومات على البنية التحتية الرقمية للشركات، وحماية استقلال البحث الأكاديمي، وإخضاع تطور التكنولوجيا لمداولات وقرارات ديمقراطية، مع استكشاف بدائل تعاونية وأكثر ديمقراطية للمنصات الرقمية.

في كتاب «الحكام: قوة الشركات في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية»، ترى سيسيليا ريكاب أن شركات التكنولوجيا الكبرى تجاوزت نموذج الرأسمالية الاحتكارية البيروقراطية التقليدية. فعمالقة التكنولوجيا اليوم يمارسون نفوذهم من خلال رأسمالية شبكية واحتكارات فكرية، ضمن منظومة واسعة من المؤسسات المرتبطة ببعضها، والتي تخضع لسيطرة مركزية على المعرفة والبنى التحتية الرقمية والبيانات. ويقدم الكتاب تفسيرًا لافتًا لما تعنيه القوة العالمية لشركات التكنولوجيا الكبرى بالنسبة إلى الاقتصاد السياسي المعاصر.

الشمول التكنولوجي

تغلغلت شركات التكنولوجيا الكبرى ومنتجاتها في معظم جوانب حياتنا اليومية تقريبًا، من الهواتف الذكية التي تنتجها آبل إلى خدمات توصيل البقالة التي تقدمها أمازون، ومن تشات جي بي تي التابع لشركة أوبن إيه آي ومنافسيه الكثر إلى النظارات الذكية التي أطلقتها ميتا مؤخرًا. والأهم أن وتيرة هذا التغلغل تتسارع باستمرار. فقد تمكن عدد محدود من شركات التكنولوجيا الأمريكية من التمدد داخل تفاصيل حياتنا اليومية إلى درجة تكاد لا تترك مجالًا خارج نفوذها.

تركز معظم الكتب الحديثة التي تناولت الذكاء الاصطناعي وهيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى على الطريقة التي تفرض بها وادي السيليكون نفوذها على العمال والمستهلكين والحكومات، أو على بعض هذه الفئات مجتمعة. وقد أسهمت أعمال باحثين مثل كيت كروفورد وجيمس مولدون وشوشانا زوبوف وكاثي أونيل في بناء هذا الحقل من الدراسات. لكن سيسيليا ريكاب تقدم في كتابها «الحكام: قوة الشركات في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية» تفسيرًا أعمق لنوع الهيمنة المؤسسية الكامن وراء هذه الأخبار والتطورات.

وتتمثل إحدى الثغرات المهمة في النقاش حول الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا الكبرى في عدم التركيز بما يكفي على الطريقة التي تستخدم بها هذه الشركات نفوذها للسيطرة على شركات أخرى، بما يسمح لها بتوسيع إمبراطوريتها المؤسسية. فما زلنا في كثير من الأحيان ننظر إلى «الشركات الكبرى» من خلال عدسة الرأسمالية الاحتكارية الفوردية، حيث كانت الشركات تفرض سيطرتها على الأسواق من خلال التكامل الرأسي. وفي ذلك النموذج، تحاول الشركة الواحدة امتلاك جميع عناصر سلسلة التوريد والتحكم فيها. وتنمو هذه الشركات من خلال إعادة استثمار أرباحها في توسيع عملياتها، والاستحواذ على الشركات المنافسة الأصغر، وإدارة مختبرات البحث الداخلية لإنتاج أبحاث وتطويرات تكنولوجية تبقي المنافسين خارج السباق.

صعود الاحتكارات الفكرية

لكن الرأسمالية الشبكية التي نعيش في ظلها اليوم لم تعد تفضل الشركات المندمجة رأسيًا. بل تفضل شركات أكثر مرونة وقدرة على الحركة، تتولى تنسيق مجموعة واسعة من المؤسسات التابعة لها، رغم أنها تبدو مستقلة من الناحية الرسمية. ولا تبني شركات التكنولوجيا الكبرى هيمنتها الاحتكارية على حياتنا اليومية من خلال تنمية شركة واحدة ضخمة، وإنما من خلال إدارة عالم واسع من المؤسسات التي تبدو مستقلة ظاهريًا.

فكما يمكن أن تشاهد أفلامًا مختلفة من عالم مارفل السينمائي، رغم أن جميعها في النهاية ملكية فكرية تابعة لشركة ديزني، يمكنك أيضًا أن تتعامل بصورة تبدو منفصلة مع غوغل ويوتيوب وقسم لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في إحدى جامعات النخبة الأمريكية وحكومتك المحلية، من دون أن تعرف أن هذه الأطراف جميعًا تمثل وجوهًا مختلفة لعالم أوسع تسيطر عليه شركة ألفابت.

وتستمد شركات التكنولوجيا اليوم جانبًا كبيرًا من قوتها من السيطرة على ما يسمى «رأس المال غير الملموس»، من دون أن تكون مضطرة بالضرورة إلى امتلاكه بصورة مباشرة. ويشمل هذا النوع من رأس المال أصول البيانات، وسمعة العلامة التجارية، والملكية الفكرية، وتطبيقات البرمجيات، والبنى التحتية للحوسبة السحابية، وغيرها.

وتمثل آبل مثالًا واضحًا على ذلك. فهي تمتلك البرمجيات الأساسية التي تسمح بتشغيل التطبيقات على أجهزة آيفون، كما تدير بعناية عملية توفير التطبيقات عبر متجرها، لكنها لا تنتج معظم هذه التطبيقات ولا تشغلها. وتتولى شركات خارجية تسويق هذه التطبيقات، وهي شركات مستقلة اسميًا عن آبل، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على موافقة آبل واستعدادها لاستضافة تطبيقاتها على أجهزتها وأنظمتها البرمجية. وتطلق ريكاب على هذه الترتيبات اسم «الاحتكارات الفكرية»، عندما يتحقق شرطان أساسيان.

شبكات الابتكار والمراقبة ونقاط الاختناق

أول هذه الشروط أن تتولى الشركات الرائدة، مثل آبل وأمازون ومايكروسوفت وألفابت، تنسيق شبكات من المؤسسات التابعة التي تنتج المعرفة، ثم تستخرج الشركة الرائدة عوائد اقتصادية من هذه المعرفة. وتقدم العمولات التي تحصل عليها آبل من متجر التطبيقات مثالًا واضحًا على ذلك.

وترى ريكاب أن هذه الممارسة منتشرة على نطاق واسع. فعندما تمول شركات التكنولوجيا الكبرى الشركات الناشئة من خلال رأس المال الجريء، فإنها لا تستثمر في شركات منفردة فحسب، وإنما تبني منظومة كاملة من محركات الابتكار التي تقع تحت نفوذها. وقد استثمرت أوبر، على سبيل المثال، في أكثر من 30 شركة تعمل في مجال المركبات ذاتية القيادة، بما يضمن لها موطئ قدم مبكرًا في سوق السيارات ذاتية القيادة.

ويمتد هذا النفوذ إلى المجال الأكاديمي أيضًا. فمن خلال تمويل الأبحاث المتعلقة بتطوير الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته، تستطيع شركات التكنولوجيا الكبرى التأثير في قطاعات واسعة من الأوساط الأكاديمية. فقد اشتهرت أنثروبيك بتوظيف فيلسوف خاص بها للتأثير في النقاش الأكاديمي حول وعي الذكاء الاصطناعي، كما توجه شركات التكنولوجيا تمويلًا مباشرًا إلى جامعات تعمل على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بطريقة تتوافق بدرجات متفاوتة مع مصالح شركات التكنولوجيا الكبرى.

وحتى الحكومات كثيرًا ما تجد نفسها مضطرة إلى استخدام تقنيات الحوسبة السحابية التي توفرها شركات التكنولوجيا الكبرى لتشغيل خدماتها. وتروج غوغل علنًا لاستخدام الحكومة البريطانية خدماتها السحابية في قطاعات مختلفة، من هيئة الخدمات الصحية الوطنية إلى وزارة النقل ومكتب الإحصاءات الوطنية. وفي نهاية المطاف، تعمل الاحتكارات الفكرية على بناء شبكة مرنة من المؤسسات التابعة التي تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة، لكنها تعتمد في الوقت نفسه على دعم الشركة صاحبة الاحتكار.

أما الشرط الثاني فيتعلق بالقوة التي تمنحها السيطرة على رأس المال غير الملموس. وترى ريكاب أن هذه السيطرة تنتج شكلين أساسيين من القوة. أولهما قوة المراقبة، إذ تجمع الشركة الرائدة البيانات القادمة من مختلف أجزاء شبكتها، ثم تستخدمها لمراقبة أعداد هائلة من السكان وتحليل سلوكهم. ومن الأمثلة اللافتة على ذلك أن أمازون تتعقب إحصاءات المبيعات على موقعها للتجارة بالتجزئة، وتستخدم هذه البيانات لمعرفة المنتجات التي تحقق نجاحًا لدى الشركات الأخرى، ثم تحديد المنتجات التي ينبغي لها تقليدها وبيعها بنفسها.

أما الشكل الثاني فهو السيطرة على نقاط الاختناق الأساسية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. فالاحتكارات الفكرية تستطيع التحكم في البنى أو الموارد التي لا تستطيع المؤسسات الأخرى الاستغناء عنها، وهو ما يمنحها نفوذًا واسعًا على المؤسسات والمستهلكين. وتقدم شركة تي إس إم سي مثالًا واضحًا على ذلك، إذ تسيطر بدرجة هائلة على إنتاج الرقائق الإلكترونية، بما يمنحها القدرة على الضغط على عملائها لدفع عوائد احتكارية.

هل يمكن تحدي شركات التكنولوجيا الكبرى؟

عرّف أنطونيو غرامشي مفهوم «الهيمنة» من خلال القول إن بعض الطبقات الاجتماعية تمارس السلطة ليس عبر إجبار الطبقات الأخرى على الطاعة، وإنما عبر إقناعها بأن التصرف وفق إرادة الطرف المهيمن يخدم مصالحها هي أيضًا. وبطريقة مماثلة، تبني شركات التكنولوجيا الكبرى هيمنتها على عالمها الممتد من خلال إقناع المؤسسات الأخرى بأن الخضوع لنفوذها ضروري لتحقيق أهدافها الخاصة.

وهكذا تجد الشركات الناشئة والأكاديميين والحكومات والشركات الأخرى نفسها داخل علاقات تبادل غير متكافئة، تضطر فيها هذه الأطراف إلى التضحية بجزء من استقلاليتها حتى تتمكن من تحقيق مصالحها.

وتوضح ريكاب أن الرهانات المتعلقة بالاقتصاد السياسي اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن الأساليب التقليدية للحد من نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى لن تكون فعالة إذا لم تتعامل مع ظاهرة الاحتكار الفكري نفسها. فالإجراءات التي تقوم على تعزيز المنافسة الحرة أو فرض التنظيمات أو تفكيك الشركات الكبرى، كما تحاول مؤسسات الاتحاد الأوروبي أحيانًا أن تفعل، غالبًا ما تفشل لأن عالم شركات التكنولوجيا الكبرى شديد المرونة والتعقيد، بحيث يصعب على القواعد الحكومية الإمساك به بصورة فعالة.

وفوق ذلك، أصبح المنظمون أنفسهم في موقع هش بسبب اعتمادهم المتزايد على منظومة شركات التكنولوجيا الكبرى العالمية. فكيف يمكن، مثلًا، توقع أن تتمكن الحكومة البريطانية من تنظيم غوغل بفاعلية إذا كانت هيئة الخدمات الصحية الوطنية تخزن بياناتها على السحابة التابعة لغوغل؟ ولهذا ترى ريكاب أن الأمر يتطلب حلولًا أكثر جذرية.

فالحكومات، وفقًا لرؤيتها، يجب أن تفصل نفسها بصورة كاملة عن شركات التكنولوجيا الكبرى حتى تتمكن من بناء سيادة رقمية حقيقية. كما ينبغي للأكاديميين حماية أبحاث الذكاء الاصطناعي وضمان استقلالها عن المصالح التجارية، بينما يجب أن يؤدي التخطيط الاقتصادي الديمقراطي دورًا في تفكيك قوة المراقبة ونقاط الاختناق التي تسيطر عليها الشركات الكبرى. وفي النهاية، ينبغي ألا يُترك التطور التكنولوجي لمصالح الشركات وحدها، بل يجب أن يصبح موضوعًا يخضع للمداولات والقرارات الديمقراطية.

تبدو هذه الحلول أقرب إلى الطموحات المثالية منها إلى السياسات القابلة للتنفيذ بسهولة، وهو ما يمثل مشكلة خاصة لأنها تأتي في نهاية كتاب يوثق بدقة مدى إحكام قبضة شركات التكنولوجيا الكبرى على السياسة العالمية. فإذا كانت الساحة السياسية نفسها قد أصبحت خاضعة بالكامل للرأسمالية القائمة على الاحتكارات الفكرية، فمن الصعب معرفة من أين يمكن أن تأتي القوة القادرة على الدفع نحو سيادة شعبية على المجال الرقمي.

ولهذا يمكن قراءة كتاب ريكاب بصورة مثمرة إلى جانب كتاب نيك سرنيتشيك «إمبراطوريات السيليكون» الصادر عام 2026، وكتاب تريبر شولتز «امتلك هذا! كيف تساعد التعاونيات القائمة على المنصات في بناء إنترنت ديمقراطي» الصادر عام 2023. فكلا الكتابين يسلط الضوء على هشاشة الإمبراطورية العالمية لشركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى الشقوق الموجودة داخل هذا النظام، وعلى الطريقة التي تمكنت بها الحركات الاجتماعية من استغلال نقاط الضعف هذه لبناء بدائل أكثر ديمقراطية.

وبعد قراءة كتاب ريكاب القوي عن الحكام الفعليين لعالمنا، يبدو من الواضح أن الرأسمالية القائمة على الاحتكارات الفكرية لن تختفي من تلقاء نفسها.

المصدر

مقالات ذات صلة