القائمة الرئيسية

هل يمكن تكرار نجاح شنتشن، مركز الابتكار في الصين، في أماكن أخرى؟

هل يمكن تكرار نجاح شنتشن، مركز الابتكار في الصين، في أماكن أخرى؟
ملخص المقال

نجاح شنتشن لم يكن نتيجة تدخل الدولة أو قوى السوق وحدها، بل نتج عن منظومة متكاملة تجمع بين البحث والتطوير الذي تقوده الشركات، والحوكمة المحلية المرنة، وشبكات التصنيع والموردين، وتبادل المعرفة بين الشركات والمصممين والمستثمرين والمؤسسات التعليمية. وأسهم الحفاظ على التصنيع داخل المدينة في إبقاء التصميم وبناء النماذج الأولية والإنتاج متصلًا، ما سمح بتطوير المنتجات بسرعة وتراكم المعرفة والمهارات الصناعية. وفي الوقت نفسه، أعاد المسؤولون المحليون تعريف دورهم بوصفهم «بناة منصات» يهيئون البيئة التنظيمية والتمويلية للابتكار بدل فرض نتائجه من أعلى إلى أسفل، بينما عوضت شنتشن محدودية الجامعات البحثية التقليدية بشبكات أكاديمية ومؤسسات تقنية ومهنية مرتبطة باحتياجات الصناعة. غير أن النموذج يواجه نقاط ضعف، أبرزها انخفاض الاستثمار التاريخي في البحث الأساسي واعتماده على الوصول إلى التقنيات الخارجية، كما أن ظروف شنتشن الخاصة، مثل قربها من هونغ كونغ وحجم السوق الصينية ووضعها كمنطقة اقتصادية خاصة، تجعل استنساخ تجربتها بالكامل في دول أخرى أمرًا غير واقعي. لذلك تكمن قيمة التجربة في تفكيكها إلى آليات قابلة للتكييف، مثل دعم التصنيع المحلي، وربط التعليم والبحث بالإنتاج، وإنشاء بيئات تنظيمية تجريبية، بدل محاولة نسخ نموذج شنتشن كما هو.

في كتاب «ابتكار التنين: شنتشن، دروس للغرب ودول الجنوب العالمي من تجمع الابتكار الرائد في الصين»، تشرح غريس يويهـان وانغ التحول الذي شهدته شنتشن، من مقاطعة زراعية إلى ما يشبه وادي السيليكون الصيني، من خلال اجتماع عدة عوامل، في مقدمتها البحث والتطوير الذي تقوده الشركات، والشبكات المحلية الفعالة، وتبادل المعرفة بين مختلف الأطراف المعنية. ويقدم الكتاب قراءة طموحة ومتعددة الأبعاد للصيغة التي صنعت نجاح شنتشن، وإن كان السؤال حول إمكانية تطبيق هذه التجربة في أماكن أخرى لا يزال مفتوحًا.

ما الذي يفسر نجاح شنتشن؟

تحتل شنتشن موقعًا بارزًا في المنافسة التكنولوجية العالمية. فهذه المنطقة التي كانت في السابق مقاطعة زراعية تقع على الحدود مع هونغ كونغ، تحولت إلى واحدة من أبرز تجمعات العلوم والتكنولوجيا في العالم. وبينما ركز باحثون مثل إزرا ف. فوغل على دور الدولة المركزية في إنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة في شنتشن وحمايتها، سلط كتاب «التعلم من شنتشن»، الذي حررته ماري آن أودونيل وويني وونغ وجوناثان باخ، الضوء على التجارب اللامركزية والاستثناءات السياسية التي شهدتها المدينة. أما غريس يويهـان وانغ، الباحثة الزائرة في قسم الإعلام والاتصالات في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، فتقدم في كتابها «ابتكار التنين: شنتشن» الصادر عام 2026 قراءة تتحدى هذه الصورة الأحادية. وهي تدرس التكنولوجيا والابتكار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتنظر إلى شنتشن من زوايا تاريخية وسياسية ومؤسسية وتجارية واجتماعية، مستندة إلى مقابلات أجرتها مع مسؤولين وقادة أعمال ومستثمرين وأكاديميين ورواد أعمال.

وتضم شنتشن شركات تكنولوجية كبرى مثل هواوي وتينسنت وبي واي دي ودي جي آي، وهي شركات تنشط في مجالات الاتصالات وخدمات الإنترنت والمركبات الكهربائية والطائرات المسيّرة. وترى وانغ أن صعود شنتشن لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة مباشرة لتوجيه الدولة وحده، كما لا يمكن اختزاله في استقلال السوق عن الدولة. بل إن ما نشأ في المدينة هو نظام تتولى فيه الشركات جانبًا كبيرًا من البحث والتطوير، بينما تعمل السلطات المحلية على بناء منصات تساعد هذه الشركات، في الوقت الذي تتشارك فيه شركات التصنيع والموردون ورواد الأعمال المعرفة والموارد.

وتكمن قوة وانغ بصورة خاصة في كشفها عن الطبيعة التصاعدية لمنظومة البحث والتطوير في شنتشن، والتي تقودها الشركات، وفي توضيحها مدى الترابط بين تصميم المنتجات وتجميعها وتصنيعها. فهذه العلاقة الوثيقة بين الأفكار والتصميم من جهة والإنتاج الفعلي من جهة أخرى تمثل أحد العناصر الأساسية لفهم الطريقة التي تطورت بها قدرات شنتشن التكنولوجية.

ولا يعني ذلك أن السلطة العامة غابت عن المشهد. فالدولة المحلية ظلت عنصرًا محوريًا، لكنها أعادت تعريف دورها. وبدلًا من أن تحدد النتائج الصناعية بصورة مباشرة من أعلى، تحولت السلطات المحلية إلى جهة تهيئ المنصات والظروف التي تسمح للشركات بالابتكار. واستفادت في ذلك من الامتيازات التي منحتها المنطقة الاقتصادية الخاصة، ومنها معدلات الضرائب التفضيلية وشروط استخدام الأراضي، لتجربة سياسات محلية جديدة، بينما تولت شركات القطاع الخاص قيادة البحث والتطوير. وتقدم وانغ هنا تفسيرًا مقنعًا للديناميات التي تقودها الشركات من أسفل إلى أعلى داخل منظومة البحث والتطوير في شنتشن، وللعلاقة الوثيقة بين التصميم والتجميع. لكن مناقشتها الأوسع بشأن كيفية نقل الدروس التنموية التي تقدمها شنتشن إلى سياقات أخرى في الجنوب العالمي تبدو أقل حسمًا، بالنظر إلى الظروف التاريخية الفريدة التي ساعدت على نشوء تجربة المدينة.

وتوضح وانغ أيضًا أن بيئات الابتكار الإقليمية في الصين ليست متشابهة. ففي بكين، كان الإنفاق على البحث والتطوير موزعًا بصورة متقاربة بين الحكومة والشركات، وكانت الأموال العامة تدعم مشروعات التكنولوجيا الوطنية، ومنها مشروع «ريد فلاج لينكس». أما شنتشن فكانت منظومتها قائمة بدرجة كبيرة على الشركات. ويظهر هذا الطابع الذي تقوده الشركات في أربعة مؤشرات على مستوى البلدية، إذ إن أكثر من 90 في المئة من مؤسسات البحث والتطوير والباحثين والتمويل وطلبات براءات الاختراع في شنتشن تقودها الشركات.

وتسلط وانغ الضوء كذلك على دور المسؤولين المحليين الذين تصفهم بأنهم «رواد أعمال بيروقراطيون»، إذ تصرف هؤلاء باعتبارهم بناة للمنصات أكثر من كونهم مجرد مسؤولين إداريين يطبقون اللوائح. واستفادوا من شبكات المستثمرين من القطاع الخاص لتسهيل الابتكار، كما أجروا تجارب على فتح المجال التنظيمي أمام أنشطة جديدة. ومن الأمثلة المهمة على ذلك وثيقة صدرت عام 1987 سمحت لشركات التكنولوجيا الخاصة بالعمل. ومن الأمثلة الأخرى «مؤشر تصنيف المؤسسات التكنولوجية الصغيرة والمتوسطة»، الذي جرى تطويره بالتعاون مع معهد شنتشن للأبحاث التابع لجامعة بكين. ويستخدم هذا المؤشر آلية للتصنيف الائتماني تساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على الحصول على التمويل المصرفي، وتعالج مشكلات نقص المعلومات والقيود الائتمانية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية الشركات.

إعادة تشكيل الشبكات والمشاعات المعرفية

تتمثل الركيزة المادية الأساسية لهذه المنظومة في هوا تشيانغ بي، وهو سوق ضخم للإلكترونيات يقع في منطقة فوتيان في شنتشن. وتستعير وانغ مفهوم «الثقافة التشاركية» الذي طوره هنري جينكينز، وتعيد صياغته في مفهوم «الابتكار التشاركي الشعبي»، لتفسير الطريقة غير الرسمية التي يتبادل بها التجار والمبتكرون في شنتشن تصميمات الدوائر الإلكترونية والمكونات والمعارف التقنية. ومن خلال حالات مثل شركة سيد ستوديو، المتخصصة في الأجهزة مفتوحة المصدر، وبرنامج «هاكس» لتسريع الشركات الناشئة المتخصصة في الأجهزة، توضح وانغ كيف ساعدت الكثافة العالية لمنظومة الأجهزة في شنتشن على تقريب رواد الأعمال من الموردين والمصنعين، وهو ما أتاح تطوير المنتجات بسرعة كبيرة.

ويمكن فهم هذا الترابط الوثيق بين التصميم وبناء النماذج الأولية والإنتاج المادي بصورة أكثر عمقًا من خلال مفهوم «المشاعات الصناعية» الذي طوره غاري بيسانو وويلي شيه. ويرى الباحثان أن نقل الإنتاج المادي إلى الخارج يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الشبكة المشتركة من المعرفة التكنولوجية وشبكات الموردين والمهارات التشغيلية التي تعتمد عليها المناطق الصناعية. أما شنتشن، فقد حافظت على قاعدتها التصنيعية، وبذلك أبقت على البنية التحتية المادية والقدرات الهندسية التي تسمح بإجراء تعديلات سريعة ومتكررة على المنتجات. وتوضح تجربتها كيف يمكن الحد من تآكل هذه «المشاعات» عندما يبقى التصميم والتجميع في المكان نفسه.

ولم يقتصر أثر هذا التكامل المكاني على عملية الإنتاج، بل أعاد تشكيل شبكات المعرفة التي تعتمد عليها شنتشن. فبدلًا من الاعتماد على قاعدة تقليدية من الجامعات البحثية الموجودة داخل المدينة لتكون مركزًا للبحث والتطوير، أنشأت شنتشن روابط معرفية بديلة من خلال علاقات أكاديمية خارجية ومراكز متخصصة داخل المدينة. ومن بين هذه المؤسسات معهد الأبحاث التابع لجامعة تسينغهوا في شنتشن، ومعاهد شنتشن للتكنولوجيا المتقدمة، التي لعبت أدوارًا في نقل التكنولوجيا، إلى جانب مؤسسات التعليم المهني، مثل جامعة شنتشن للفنون التطبيقية، التي وفرت الكفاءات التقنية التي تحتاج إليها المنظومة الصناعية.

ولم تكن هذه المؤسسات مجرد بدائل عن وجود الجامعات التقليدية بصورة مادية داخل المدينة، وإنما أعادت تشكيل العلاقة بين الجامعات والصناعة. ويتوافق هذا الترتيب مع «نظرية القرب» التي طورها رون بوشما، والتي ترى أن القرب المكاني ليس شرطًا ضروريًا ولا كافيًا للتعلم التفاعلي. فهناك أبعاد أخرى للقرب، مثل القرب المعرفي والتنظيمي والمؤسسي، يمكنها أن تؤدي دورًا مهمًا في تسهيل التنسيق وتبادل المعرفة.

الجغرافيا السياسية وحدود إمكانية نقل التجربة

مع ذلك، يواجه هذا النموذج القائم بدرجة كبيرة على التطبيق تحديات مهمة عندما تزداد الضغوط الجيوسياسية. فقد تركز الإنفاق على البحث والتطوير في شنتشن تاريخيًا في مجال التطوير التجريبي، بينما حصل البحث العلمي الأساسي على نسبة محدودة للغاية من إجمالي تمويل البحث والتطوير، بلغت 0.2 في المئة عام 2009 و2.9 في المئة عام 2016، وفق تحليل وانغ لبيانات مكتب إحصاءات شنتشن. ويمثل هذا المستوى المنخفض تاريخيًا من الاستثمار في العلوم الأساسية نقطة ضعف محتملة في القدرة العلمية التأسيسية للمدينة.

وتكشف القيود المفروضة على التقنيات المتقدمة في ظل التوترات الجيوسياسية أهمية امتلاك قدرات تكنولوجية خارجية مستقلة. ولا يعني ذلك أن هناك سلسلة سببية مباشرة يمكن إثباتها بين انخفاض الاستثمار في العلوم الأساسية والضغوط التي تعرضت لها الشركات، لكن الضغوط التي واجهتها سلاسل توريد هواوي توضح هذه الهشاشة. فهي تبين أن شبكات الابتكار والتعاون التي تعمل بكفاءة كبيرة من أسفل إلى أعلى يمكن أن تواجه قيودًا شديدة عندما يصبح الوصول إلى التقنيات الخارجية مقيدًا.

وتحاول الدولة المحلية معالجة بعض هذه الاختناقات من خلال برامج موجهة لاستقطاب المواهب، وسياسات تشجع ما يعرف بالدوران العكسي للعقول، أي عودة أصحاب المهارات العالية الذين عملوا في الخارج للمساهمة بالمعرفة والخبرات في بلدانهم الأصلية. ومن بين هذه المبادرات برنامج «بيكوك» لاستقطاب المواهب، إلى جانب أكاديميات بحثية، منها أكاديمية شنتشن للطب والبحث والترجمة التي تقودها عالمة الأحياء البنيوية يان نينغ. وتهدف هذه المبادرات إلى تعزيز القدرات العلمية المتقدمة في منظومة الابتكار في المدينة.

أما الادعاء الأكثر طموحًا في عمل وانغ فيتمثل في أن شنتشن تقدم دروسًا يمكن أن تستفيد منها دول الجنوب العالمي. لكن عند تقييم هذا الادعاء في ضوء إطار ديفيد دولويتز وديفيد مارش لنقل السياسات، تظهر حدود واضحة أمام هذا النوع من النقل. فالأدلة التي تقدمها وانغ نفسها تظهر أن مسار شنتشن كان مرتبطًا بظروف تاريخية محددة، من بينها قربها من هونغ كونغ، وحجم السوق المحلية الصينية، والامتيازات السياسية التي وفرتها لها المنطقة الاقتصادية الخاصة. وهذه الظروف لا يمكن افتراض وجودها ببساطة في أماكن أخرى.

ومن ثم فإن محاولة استنساخ تجربة شنتشن بأكملها في دول نامية أخرى قد تؤدي إلى نقل سياسات لا تتناسب مع السياقات المحلية. والأكثر واقعية هو تكييف أدوات سياسية محددة بحيث تتلاءم مع الظروف الخاصة بكل دولة، بدلًا من محاولة استنساخ التجربة بكاملها. ويمكن أن يشمل ذلك تطوير مناهج التعليم والتدريب المهني، أو إنشاء تجارب محلية تسمح باختبار قواعد وسياسات جديدة على نطاق محدود قبل تعميمها على نطاق أوسع. وبذلك يكون نقل عناصر محددة من نموذج شنتشن أكثر قابلية للتطبيق من محاولة نقل النموذج بأكمله.

تجربة تتجاوز سرديات وادي السيليكون والدولة المركزية

يعقد كتاب «ابتكار التنين» صورة أكثر تعقيدًا من السرديات المبسطة التي تفسر النجاح التكنولوجي من خلال «استثنائية وادي السيليكون» أو من خلال الحتمية التي تقودها الدولة من أعلى إلى أسفل. وتتمثل أهم إسهامات الكتاب في توضيح أن القدرات التكنولوجية التي نشأت في شنتشن كانت نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، شملت البحث والتطوير الذي تقوده الشركات، والحوكمة المحلية النشطة، وشبكات التصنيع، والمؤسسات المعرفية التي أعيد تشكيلها لتلبية احتياجات المنظومة الصناعية.

كما يقدم الكتاب درسًا مهمًا للاقتصادات التي تحولت إلى اقتصادات ما بعد التصنيع، إذ يوضح أن إبقاء التصميم والبحث والتطوير منفصلين عن التصنيع قد تكون له تكاليف طويلة الأجل. فقد افترضت بعض الاقتصادات التي نقلت إنتاجها المادي إلى الخارج أنها تستطيع الاحتفاظ بقدرات البحث والتطوير بصورة مستقلة، لكن تجربة شنتشن توضح أهمية الحفاظ على الصلة الوثيقة بين المعرفة والتصميم والإنتاج الفعلي.

وبالنسبة إلى الباحثين في مجال التنمية وصانعي السياسات الصناعية، يقدم الكتاب وصفًا تفصيليًا للترتيبات المؤسسية والشبكات التي ساعدت على بناء أبرز تجمع تكنولوجي في الصين. لكن السؤال الذي تطرحه مناقشته لمسألة قابلية نقل التجربة يتجاوز شنتشن نفسها: إلى أي مدى يمكن أن تنتقل تجربة المدينة إلى أماكن أخرى بعيدًا عن الظروف التاريخية والمؤسسية والجغرافية التي جعلت نجاحها ممكنًا في المقام الأول؟ وربما تكمن قيمة تجربة شنتشن الحقيقية ليس في كونها نموذجًا يمكن نسخه، بل في كونها تجربة يمكن تفكيكها إلى مجموعة من الآليات والسياسات والعلاقات، ثم إعادة تركيب العناصر المناسبة منها بما يتوافق مع ظروف كل سياق محلي.

المصدر

مقالات ذات صلة