القائمة الرئيسية

لماذا يُظهر العاملون من بلدان مختلفة مستويات متفاوتة من القدرة على الصمود؟

لماذا يُظهر العاملون من بلدان مختلفة مستويات متفاوتة من القدرة على الصمود؟
ملخص المقال

تتجاوز القدرة على الصمود في بيئات العمل مجرد امتلاك الفرد للقوة العاطفية، إذ تتشكل بدرجة كبيرة وفق الثقافة والعلاقات والبيئة التنظيمية. وتُظهر دراسة شملت 605 متخصصين في الخدمات المصرفية الاستثمارية في نيجيريا وتركيا أن الكفاءة الذاتية العاطفية تساعد على التعامل مع الضغوط في البلدين، لكن آلية تأثيرها تختلف: ففي **تركيا** تتخذ القدرة على الصمود طابعًا علائقيًا وجماعيًا، إذ تتحول القوة العاطفية إلى مساعدة متبادلة ودعم اجتماعي، ويشكل السلوك الاجتماعي الإيجابي أكثر من نصف أثرها في القدرة على التعامل مع الضغوط؛ بينما تعتمد في **نيجيريا** بدرجة أكبر على الموارد الداخلية مثل تنظيم المشاعر وإعادة التقييم المعرفي، ولا يتوسط السلوك الاجتماعي سوى نحو 16% من هذا الأثر. وتكشف النتائج كذلك أن **التسامح مع الأخطاء والأمان النفسي** عاملان حاسمان، خصوصًا في نيجيريا، حيث تصبح القوة العاطفية غير ذات دلالة في البيئات العقابية، بينما تكون شديدة التأثير عندما يُنظر إلى الأخطاء بوصفها فرصًا للتعلم. لذلك تحتاج المؤسسات إلى الجمع بين تنمية المهارات العاطفية وبناء بيئة آمنة نفسيًا، وتعزيز الإرشاد ودعم الزملاء والعمل الجماعي، مع تكييف ممارسات إدارة الموظفين وفق الثقافة المحلية بدل افتراض وجود نموذج عالمي واحد للقدرة على الصمود. والخلاصة أن الصمود ليس سمة داخلية يمتلكها الفرد وحده، بل قدرة تتشكل عند **نقطة التقاء الفرد بالبيئة الاجتماعية والتنظيمية** التي يعمل فيها.

حتى في عالم الخدمات المصرفية الاستثمارية شديد التنافس، لا تكفي القوة العاطفية وحدها لتمكين العاملين من التعامل مع اضطرابات الأسواق. فالثقافة التنظيمية والتفاعلات الاجتماعية تؤديان دورًا مهمًا. ومن خلال مقارنة بيئات العمل في تركيا ونيجيريا، يجد إيمانويل أكايسو أن القدرة على الصمود ليست وصفة واحدة تناسب الجميع. ففي إحدى الثقافتين تتجه القوة العاطفية إلى الخارج، بينما تعتمد في الأخرى بدرجة أكبر على الموارد الداخلية للفرد.

الأسواق لا ترحم العاملين في الخدمات المصرفية الاستثمارية. فمن أزمات العملات التي تعصف بنيجيريا وتركيا إلى تداعيات جائحة كوفيد 19، اضطر العاملون في الخدمات المالية التي تتسم بضغط شديد إلى إيجاد سبل تمكنهم من الاستمرار في العمل واتخاذ القرارات والقيادة في ظل ظروف يسودها عدم اليقين الشديد. وعندما يتصاعد الضغط، نميل إلى افتراض أن الأشخاص القادرين على الصمود يمتلكون ببساطة قدرًا من الصلابة الشخصية يساعدهم على تجاوز هذه الظروف. لكن ماذا لو كانت القدرة على الصمود اجتماعية وتنظيمية بدرجة أكبر بكثير مما نعتقد؟

تتحدى دراستي التي شملت 605 من المتخصصين العاملين في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية في نيجيريا وتركيا الافتراض السائد في الإدارة، عبر مختلف البنوك الاستثمارية في البلدين، بأن القوة العاطفية مورد يمكن نقله من سياق إلى آخر ويكون فعالًا على نحو عالمي. فهذا الافتراض غير صحيح.

إن ما إذا كانت القوة العاطفية تساعد الموظفين على التعامل مع الأوقات الصعبة، وكيف تساعدهم، يعتمد بدرجة كبيرة على الثقافة والسياق التنظيمي. فالقوة العاطفية مفيدة، لكنها لا تعمل بالطريقة نفسها في كل مكان. وعلى المستوى الفردي، تساعد الكفاءة الذاتية العاطفية، أي اعتقاد الفرد بقدرته على التعرف إلى مشاعره وإدارتها والتعبير عنها بفاعلية، الموظفين بالفعل على التعامل مع الضغوط. وينطبق ذلك في كلا البلدين. لكن الآلية التي تعمل من خلالها هذه القوة مختلفة بصورة لافتة.

مقارنة القدرة على الصمود لدى العاملين النيجيريين والأتراك

وكما تؤكد الأبحاث المتعلقة بالتحقق عبر الثقافات لدى السكان النيجيريين، فإن الكفاءة الذاتية العاطفية مورد نفسي قوي وقابل للقياس، إلا أن التعبير عنها يختلف بصورة واضحة باختلاف السياقات الثقافية. وهذا أمر بالغ الأهمية عند تفسير النتائج المقارنة بين البلدان.

في تركيا، تميل القوة العاطفية إلى التوجه إلى الخارج، أي نحو العلاقات. فالموظفون الذين يتمتعون بقدرة عاطفية أكبر يكونون أكثر ميلًا بصورة ملحوظة إلى دعم زملائهم، وتقاسم الأعباء معهم، والانخراط في سلوكيات المساعدة.

أما في نيجيريا، فالتعامل مع الضغوط يعتمد بدرجة أكبر على الموارد الداخلية. ولا تزال القوة العاطفية مهمة، لكنها تعمل بصورة أكبر بوصفها موردًا شخصيًا. إذ يعتمد الموظفون على إعادة التقييم المعرفي، وتنظيم المشاعر، والاستراتيجيات الفردية، بدلًا من التوجه إلى زملائهم طلبًا للدعم. ولا يتوسط السلوك الاجتماعي الإيجابي سوى نحو 16 في المئة من هذا الأثر.

«عندما توقفت هذه الشركة عن معاقبة كل خطأ، وبدأت تسأل: ماذا تعلمنا؟ حدث شيء ما بداخلي. وجدت أنني أستطيع أخيرًا أن أثق بحدسي مرة أخرى، حتى عندما كان السوق شديد التقلب ولا يمكن التنبؤ به على الإطلاق».

مصرفي استثماري أول، نيجيريا

وتصبح هذه التفاعلات الاجتماعية المسار الأساسي الذي يتعامل الأفراد من خلاله مع ضغوط السوق. ويشكل «السلوك الاجتماعي الإيجابي»، أي مساعدة الآخرين، أكثر من 52 في المئة من الأثر الكلي للقوة العاطفية في القدرة على التعامل مع الضغوط لدى أفراد العينة التركية.

نمطان للتعامل مع الضغوط، ولماذا يهم ذلك؟

«كان التقلب شديدًا، وكان الجميع يدرك ذلك. لكننا ساعدنا بعضنا بعضًا على تجاوز الأمر. عندما ساعدت زميلًا على إعادة تفسير ربع سنة سيئ، أدركت أنني كنت أساعد نفسي أيضًا على التكيف. كانت تلك الروح الجماعية هي ما أبقانا قادرين على مواصلة العمل».

مصرفي استثماري، تركيا

تكشف هذه الأنماط عن وجود ما يمكن تسميته بنمطين مختلفين للتعامل مع الضغوط.

في تركيا، تتسم القدرة على الصمود بطابع علائقي وجماعي. إذ تتحول القوة العاطفية إلى دعم اجتماعي مشترك، وشبكات غير رسمية، وحل متبادل للمشكلات، وهي أمور تخفف من وطأة الضغوط حتى عندما تكون الهياكل التنظيمية الرسمية ضعيفة.

أما في نيجيريا، فتميل القدرة على الصمود إلى أن تكون فردية بدرجة أكبر. إذ يعتمد الموظفون بصورة أساسية على مواردهم العاطفية الشخصية، لكن هذا النظام شديد الحساسية للبيئة التنظيمية.

وتظهر مراجعة منهجية للعلاقة بين الكفاءة الذاتية العاطفية، والسلوك الاجتماعي الإيجابي، والقدرة التنظيمية على التعامل مع الضغوط، أن هذه المسارات راسخة في الأدبيات البحثية. لكن الوزن النسبي للآليات الاجتماعية مقارنة بالآليات الفردية نادرًا ما اختُبر بصورة مقارنة بين الثقافات.

وتسد هذه الدراسة هذه الفجوة. ولهذا التمييز أهمية بالغة في الطريقة التي تفكر بها المؤسسات في رفاه الموظفين، ولا سيما المؤسسات التي تعمل عبر سياقات ثقافية مختلفة. فالقدرة على الصمود ليست وصفة واحدة تناسب الجميع. وقد يؤدي المورد الداخلي نفسه إلى نتائج مختلفة جدًا تبعًا للبيئة التي يعمل فيها.

دور الثقافة التنظيمية: التسامح مع الأخطاء كنقطة تحول

ربما تتعلق النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام بالطريقة التي تستجيب بها المؤسسات للأخطاء. تقيس الدراسة مدى تسامح المؤسسة مع الأخطاء، أي الدرجة التي يتعامل بها مكان العمل مع الأخطاء بوصفها فرصًا للتعلم بدلًا من كونها إخفاقات تستوجب العقاب، وتجد أن هذا العامل يمكن أن يحدد ما إذا كانت القوة العاطفية ستكون فعالة أم لا.

«بغض النظر عن مدى اعتقادي بأنني أفهم مشاعري جيدًا، أو عن مدى محاولتي الحفاظ على هدوئي واتزاني، إذا كانت البيئة تعاقب على كل خطوة خاطئة، فإنك ببساطة تنغلق على نفسك. وتتوقف عن المحاولة. ولا تعني معرفة الذات شيئًا هنا عندما يكون الخوف هو الذي يدير كل شيء».

موظف في الخدمات المصرفية الاستثمارية، نيجيريا

في نيجيريا، يكون التأثير كبيرًا بصورة لافتة. فعندما يكون التسامح مع الأخطاء مرتفعًا، ويشعر الموظفون بالأمان النفسي الذي يسمح لهم بارتكاب الأخطاء، تتنبأ القوة العاطفية بقوة بالقدرة على التعامل مع الضغوط، حيث تبلغ قيمة معامل بيتا β = 0.804.

أما عندما يكون التسامح مع الأخطاء منخفضًا، فإن القوة العاطفية نفسها تصبح غير ذات دلالة إحصائية بوصفها عاملًا متنبئًا بالقدرة على التعامل مع الضغوط، حيث تبلغ قيمة معامل بيتا β = 0.200، وهي غير دالة إحصائيًا.

وبعبارة أخرى، في البيئات التنظيمية العقابية، يجري فعليًا كبح القدرة العاطفية. وقد ينسحب الموظفون من المشاركة، أو يتجنبون المبادرة، أو يحجمون تمامًا عن توظيف مواردهم العاطفية.

وفي تركيا، لا يزال التسامح مع الأخطاء يؤدي دورًا، لكنه يعمل بوصفه عاملًا مضاعفًا وليس شرطًا مسبقًا. فالبنية التحتية الاجتماعية القوية التي تدعم القدرة على الصمود أصلًا تعني أن الموظفين، حتى عندما تكون الثقافة التنظيمية أضعف، يمتلكون حواجز اجتماعية يمكنهم الاعتماد عليها.

وتتسق هذه النتائج مع أدلة حديثة تُظهر أن التسامح التنظيمي مع الأخطاء يعزز بصورة مباشرة الموارد العاطفية وقدرة الموظفين على التعامل مع الضغوط. فالأمان النفسي ليس مجرد سمة ثقافية لطيفة أو ميزة إضافية، بل هو آلية هيكلية تحدد ما إذا كانت القدرة على الصمود قادرة على العمل أصلًا. وفي البيئات العقابية، قد ينسحب حتى أكثر الأفراد استعدادًا من الناحية العاطفية، أو يحجمون عن توظيف نقاط قوتهم.

ما الذي ينبغي أن تفعله المؤسسات؟

تشير هذه النتائج، بالنسبة إلى القادة، إلى أربع أولويات عملية.

أولًا، الاستثمار في بناء القدرات العاطفية، ولكن مع توقعات واقعية. فبرامج التدريب التي تعزز الوعي بالمشاعر، وتنظيمها، والثقة بالقدرة على إدارتها، تستحق الاستثمار فيها، لكن تأثيرها سيعتمد على الظروف التي تهيئونها من حولها.

ثانيًا، بناء ثقافة تقوم على الأمان النفسي. فإذا كان الموظفون يخشون التعرض للوم بسبب الأخطاء، فإن قوتهم العاطفية تصبح عمليًا حبيسة ولا يمكن توظيفها. وإن خلق تسامح حقيقي مع الأخطاء، بحيث يجري فحص حالات الإخفاق والتعلم منها بدلًا من معاقبة أصحابها، هو ما يسمح للقدرة العاطفية بأن تتحول إلى قدرة فعلية على التعامل مع الضغوط.

«كانت هناك أسابيع بدا فيها الضغط خانقًا. وحتى عندما كنت أتوجه إلى زملائي طلبًا للمساعدة، كان القلق جماعيًا، وكنا جميعًا نغرق معًا. فمساعدة بعضنا بعضًا لا تذهب بعيدًا عندما يكون النظام نفسه في حالة انهيار».

موظف في الخدمات المصرفية الاستثمارية، تركيا

ثالثًا، تصميم هياكل تشجع على التواصل الاجتماعي. فبرامج الإرشاد والتوجيه، وشبكات دعم الزملاء، وحل المشكلات القائم على العمل الجماعي، كلها تساعد على بناء القدرة الجماعية على الصمود، وهي قدرة تتمتع بقوة خاصة في الثقافات التي تقوم على العلاقات. وحتى في البيئات الأكثر فردية، يمكن لهذه الهياكل أن توسع المسارات الاجتماعية التي يمكن من خلالها التعبير عن القوة العاطفية وتوظيفها.

رابعًا، لا تفترضوا أن ما ينجح في ثقافة معينة سينجح بالضرورة في ثقافة أخرى. فالمؤسسات متعددة الجنسيات تحتاج إلى فهم نمط التعامل مع الضغوط في كل سياق تعمل فيه، وتكييف استراتيجياتها المتعلقة بالموظفين وفقًا لذلك.

القدرة على الصمود تُبنى بين الناس، لا داخلهم فقط

هناك ميل مستمر إلى النظر إلى القدرة على الصمود باعتبارها سمة شخصية، أي شيئًا يمتلكه الأفراد أو يفتقرون إليه. وهذا التصور ليس ناقصًا فحسب، بل قد يكون ضارًا أيضًا، لأنه يلقي عبء البقاء والتكيف بالكامل على الفرد، ويعفي المؤسسات من مسؤوليتها.

وتروي الأدلة التي تقدمها هذه الدراسة قصة مختلفة. فالقدرة على الصمود تُبنى عند نقطة التقاء الفرد بالبيئة المحيطة به. وتظل القوة العاطفية مهمة، لكنها تحتاج إلى بنية تحتية اجتماعية وتنظيمية حتى تصبح فعالة حقًا.

ولكي يتمكن الموظفون من الازدهار في أوقات اضطراب الأسواق، فإنهم يحتاجون إلى الأمرين معًا: القدرة على الوقوف بثبات بمفردهم، والظروف التي تتيح لهم أن يقفوا بثبات معًا.

المصدر

مقالات ذات صلة