ما الغاية من وجود الشركة؟ هل يفسرها مبدأ أولوية المساهمين، الذي يضع تعظيم الأرباح في المقام الأول، أم نظرية أصحاب المصلحة، التي تدمج الأخلاق في غاية الشركة؟ في كتاب جديد، يرى ساندي بيبر أن أيًا من المنظورين لا يفي بالغرض تمامًا، لكن يمكن إنقاذ كليهما بالاستناد إلى أفكار الفيلسوف الراحل ألاسدير ماكنتاير.
طرح ليو تولستوي ذات مرة سؤالين مشهورين من الأسئلة الأساسية في الحياة: «ما الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله؟» و«كم نحتاج من المال؟». الأول سؤال للفلاسفة، والثاني سؤال لعلماء الاقتصاد. ويكتسب السؤالان أهمية على المستويين الكلي والجزئي، بالنسبة إلى الحكومات التي تضع السياسات العامة، والأفراد الذين يتعاملون مع تفاصيل الحياة اليومية، والمديرين التنفيذيين للشركات الذين يحددون كيفية إدارة شركاتهم.
ويضع كتابي الجديد الأخلاق في مواجهة الاقتصاد، ويتضمن حوارًا متخيلًا بين سقراط، الفيلسوف اليوناني القديم، وميلتون فريدمان، الاقتصادي الأمريكي الحديث.
المسؤولية الاجتماعية للشركات هي زيادة أرباحها
قدم فريدمان، الذي توفي عام 2006، إجابة واحدة عن السؤالين في مقالته المؤثرة المنشورة في «نيويورك تايمز» عام 1970، إذ رأى أن المسؤولية الوحيدة للمديرين التنفيذيين للشركات هي تعظيم الأرباح للمساهمين. ومنذ ذلك الحين، هيمن مبدأ «أولوية المساهمين» على استراتيجية الشركات.
لكن السعي المحموم وراء الأرباح أسهم في بعض أكثر التحديات إلحاحًا في القرن الحادي والعشرين، ومنها تغير المناخ، واتساع نطاق عدم المساواة، وتركيز قوة السوق في أيدي عدد قليل من الشركات العملاقة.
وتوجد عدة عيوب في حجة فريدمان، يكشف عنها سقراط في الحوار المتخيل. فالمساهمون لا يمتلكون الشركات، بل يمتلكون أسهمًا فيها، وهو تمييز مهم من الناحيتين القانونية والوجودية. والمديرون التنفيذيون ليسوا وكلاء للمساهمين، بل تقع عليهم واجبات ائتمانية تجاه الشركة نفسها.
كما أن المساهمين ليسوا كتلة موحدة تسعى بلا استثناء إلى تحقيق مكاسب مالية، إذ يسعى كثير منهم إلى تحقيق أهداف أخلاقية أوسع. وقد ادعى فريدمان أن الشركات لا تتحمل مسؤوليات أخلاقية لأنها ليست «أشخاصًا حقيقيين». لكن، مثلما تتمتع الشركات ببعض الحقوق والمسؤوليات القانونية، ألا ينبغي أن تكون لها أيضًا حقوق ومسؤوليات أخلاقية؟
والأسوأ من ذلك، من المنظور الفلسفي، أن مذهب فريدمان يتضمن خللًا منطقيًا جوهريًا. فهو يجعل تعظيم قيمة المساهمين مشروطًا بالامتثال للقواعد الأساسية للمجتمع «مع مراعاة القانون والعرف الأخلاقي». وبمصطلحات فلسفية، إنه «يفترض محل السؤال»، أي يفترض مسبقًا الإطار الأخلاقي نفسه الذي يسعى إلى تحديده.
مأزق أصحاب المصلحة
ظهرت نظرية أصحاب المصلحة في ثمانينيات القرن العشرين بوصفها بديلًا لمبدأ أولوية المساهمين، وحاولت دمج الأخلاق في غاية الشركة من خلال القول إن الشركات ينبغي أن تخلق قيمة لجميع أصحاب المصلحة، أي الموظفين والعملاء والموردين والممولين والمجتمعات.
لكن هذه النظرية تعاني بدورها من أوجه قصور. أولها مشكلة تحديد أصحاب المصلحة. فإذا كان صاحب المصلحة هو كل من يستطيع التأثير في الشركة أو يتأثر بها، تصبح الفئة واسعة إلى حد يجعلها غير مفيدة، بل إنها قد تشمل حتى جماعات معادية لوجود الشركة نفسه.
وثانيها مشكلة الفصل بين المطالب والمفاضلة بينها. ففي غياب تسلسل هرمي واضح للمطالب، كيف ينبغي تحقيق التوازن بين مصالح أصحاب المصلحة المتنافسة؟ يوفر مبدأ أولوية المساهمين على الأقل قاعدة بسيطة لتوزيع الأرباح المتبقية.
أما المشكلة الثالثة فتتمثل في أن وجود هدف قيمي واحد قد يكون، على حد قول البعض، شرطًا مسبقًا للسلوك الهادف. فقد كتب مايكل جنسن، الاقتصادي المالي الأمريكي الذي توفي عام 2004، أنه «من المستحيل منطقيًا تعظيم أكثر من بُعد واحد في الوقت نفسه، ما لم تكن الأبعاد عبارة عن تحويلات رتيبة لبعضها بعضًا».
وفي علم الاقتصاد، تشير التحويلات الرتيبة إلى التحويلات التي تحافظ على ترتيب القيم، وتتضمن مطابقة واحد لواحد، ولا تؤدي إلى تغيير الترتيب النسبي. وعندما يتعلق الأمر بشركة لديها أهداف متعددة، فمن غير المرجح أن يتحقق مثل هذا التوافق.
وفي كتابي، أجادل بأن مبدأ أولوية المساهمين ونظرية أصحاب المصلحة يمكن إنقاذهما والتوفيق بينهما من خلال الاستناد إلى النظرية الأخلاقية للفيلسوف الراحل ألاسدير ماكنتاير.
ويعيد ماكنتاير إحياء المفهوم الأرسطي لـ«التيلوس»، أي فكرة أن حياة الإنسان تتجه نحو غاية أو هدف. ويرى أن الاستدلال الأخلاقي لا يكون منطقيًا إلا إذا فهمنا غاية الإنسان، أو «التيلوس»، بوصفها «اليودايمونيا»، أي الازدهار الإنساني.
ومن وجهة نظره، فإن الثقافة الأخلاقية الحديثة مضطربة تحديدًا لأنها فقدت تصورًا مشتركًا لغاية الإنسان. ولا يمكن تأسيس الأخلاق ببساطة على القواعد أو التفضيلات، بل يجب أن تكون متجذرة في أنماط حياة تطورت تاريخيًا، وتمنح الأغراض الإنسانية شكلًا واتجاهًا.
ويميز ماكنتاير بين المنافع الداخلية، مثل الاستبصار العلمي أو الإتقان الفني، التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال المشاركة في ممارسة معينة، وتسهم في ازدهار الأفراد والمجتمعات على حد سواء، وبين المنافع الخارجية، مثل المال والسلطة والمكانة، التي تتسم بالندرة والتنافس ويمكن الحصول عليها بوسائل عديدة.
وتصبح المنافع الخارجية مصدرًا للفساد عندما تهيمن على السعي وراء المنافع الداخلية أو تشوهه.
وتتحقق المنافع من خلال الممارسات، وهي أنشطة معقدة وتعاونية وراسخة اجتماعيًا، مثل الطب والهندسة المعمارية أو الشطرنج، تحكمها معايير للتميز وتستمر عبر الزمن.
وتندرج الممارسات داخل المؤسسات، وهي الهياكل التنظيمية التي توفر الموارد والاستقرار والاعتراف الاجتماعي. لكن المؤسسات تركز بطبيعتها على المنافع الخارجية، وهو ما يخلق توترًا مستمرًا. فهي ضرورية لبقاء الممارسات، لكنها تخاطر بإفسادها عندما تعطي الأولوية للربح أو الكفاءة على حساب التميز.
وللتعامل مع هذا التوتر، يحتاج الأفراد إلى الفضائل، وهي سمات مستقرة في الشخصية مثل الحكمة العملية، والشجاعة، والعدالة، وضبط النفس، التي تمكنهم من السعي بأمانة وراء المنافع الداخلية ومقاومة الضغوط المؤسسية.
ولا تصبح هذه الفضائل مفهومة إلا ضمن تقاليد توفر السياق السردي لتطور الأخلاق.
سبعة مبادئ للأعمال المسؤولة
يؤدي تطبيق هذا الإطار على استراتيجية الشركات إلى سبعة مبادئ للأعمال المسؤولة.
أولًا، تتمثل غاية الشركة في السعي إلى الازدهار، بوصفه النظير المؤسسي لمفهوم «اليودايمونيا»، لصالح المستثمرين والمديرين التنفيذيين والموظفين وغيرهم من أصحاب المصلحة الذين يقدمون استثمارات محددة للشركة. ويعيد هذا التصور صياغة غاية الشركة باعتبارها مسعى تعاونيًا، بدلًا من كونها منافسة تقوم على أن مكسب طرف لا بد أن يكون خسارة طرف آخر.
ثانيًا، يُعرَّف أصحاب المصلحة بأنهم أولئك الذين يلتزمون بموارد ترتبط بالشركة ارتباطًا فريدًا. ويشمل ذلك رأس المال المالي الذي يقدمه المساهمون، ورأس المال البشري المتخصص الذي يقدمه الموظفون، ورأس المال المادي والبشري المخصص الذي يقدمه الموردون، والبنية التحتية الاجتماعية والمادية التي توفرها المجتمعات.
ويتجنب هذا التعريف الأضيق لأصحاب المصلحة مشكلة تحديدهم، كما يجعل مطالبهم قائمة على مساهمات ملموسة.
ثالثًا، ينبغي تقاسم القيمة بعدالة، وبما يتناسب مع مساهمة كل صاحب مصلحة. ويضيف هذا بُعدًا أخلاقيًا إلى حوكمة الشركات، إذ يتطلب إصدار أحكام حول ما يشكل توزيعًا عادلًا للمكاسب الاقتصادية.
رابعًا، ينبغي فهم تخصصات الإدارة، مثل الاستراتيجية والعمليات والتمويل والتسويق والهندسة وغيرها، باعتبارها ممارسات بالمعنى الذي يقصده ماكنتاير. فهي تتضمن معرفة متخصصة، ومعايير أخلاقية، وتوجهًا نحو تقديم الخدمة، واستقلالية، ومساءلة.
وتؤدي مؤسسات مثل الجامعات وكليات إدارة الأعمال والهيئات المهنية دورًا حاسمًا في الحفاظ على هذه الممارسات، وينبغي لها أن تعترف بمسؤولياتها الأخلاقية.
خامسًا، ينبغي السعي إلى التميز في جميع جوانب حياة الشركة، بدءًا من المنتجات والأفراد، وصولًا إلى العلاقات مع العملاء والموردين. وتُعد الأفعال التي تستغل الآثار الخارجية، أو تنشئ احتكارات، أو تؤدي إلى تفاقم عدم المساواة، أفعالًا غير أخلاقية، لأنها تعطي الأولوية للمنافع الخارجية على حساب المنافع الداخلية والصالح العام.
سادسًا، ينبغي تنمية فضائل مثل الحكمة العملية، والشجاعة، والذكاء العاطفي، والعدالة، والتواضع، وضبط النفس، والاحتفاء بها داخل المؤسسات. وتمكّن هذه الفضائل الأفراد من الحفاظ على التميز ومقاومة الضغوط المفسدة.
وأخيرًا، ينبغي فهم تطوير الاستراتيجية باعتباره صياغة للسردية المستقبلية للشركة. فالاستراتيجيون الذين يستخدمون السيناريوهات، والتي اشتهرت بها شركة شِل في سبعينيات القرن العشرين، يتخيلون بالفعل «ذكريات مستقبل متوقع»، إذ ينظرون إلى الوراء من نقطة تقع بعد عشرة أعوام أو عشرين عامًا لفهم الكيفية التي يمكن أن تتطور بها المؤسسة.
ويجب أن تحترم هذه السردية تاريخ الشركة، مع الاعتراف بأن هويتها تشكلت من خلال تقليد من الاختيارات والإنجازات السابقة.
وتقدم هذه المبادئ السبعة مجتمعة طريقة لدمج الأخلاق والاقتصاد، والتوفيق بين الرؤى التي يقدمها مبدأ أولوية المساهمين والطموحات الأخلاقية لنظرية أصحاب المصلحة، كما تقدم طريقة جديدة لتصور استراتيجية الأعمال.
صدر كتاب «ما غاية الشركة؟ مشكلة في أخلاقيات الأعمال، أو عندما التقى سقراط بميلتون فريدمان» بقلم ساندي بيبر عن دار نشر كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.
