يستكشف كتاب «Our Dollar, Your Problem» كيف حافظ الدولار الأمريكي على مكانته بوصفه العملة المهيمنة في العالم. ومن خلال الجمع بين التاريخ الاقتصادي والجغرافيا السياسية والاقتصاد النقدي، يفسر كينيث روغوف هيمنة الدولار بالاستناد إلى المصداقية المؤسسية، وعمق الأسواق المالية، والقوة الأمريكية. ويقدم الكتاب رؤية نقدية شاملة للمشهد المالي العالمي المتغير.
كيف اكتسب الدولار قوته وحافظ عليها
يفتتح روغوف، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، هذا الكتاب عن هيمنة الدولار بشرح عنوانه. فقد استُعير العنوان من تصريح أدلى به وزير الخزانة الأمريكي جون كونالي عام 1971، بعدما علق الرئيس نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. وأمام وزراء المالية الأوروبيين المستائين في روما، قال كونالي ببساطة: «إنه دولارنا، لكنه مشكلتكم».
ومن هنا، يتتبع روغوف الكيفية التي وصل بها الدولار إلى هذه المكانة المتفوقة. فقد شهد النظام النقدي الدولي قبل ذلك صعود عملات احتياطية متعددة ثم أفولها، من البيزو الإسباني والفلورين الهولندي إلى الجنيه الإسترليني. ويشير إلى أن دورة الحياة المعتادة للعملة الاحتياطية تمتد من قرن إلى قرنين. ووفق هذا المقياس، لا يزال الدولار في منتصف عمره، وأمامه طريق طويل، وإن لم يكن طريقًا سلسًا.
في حقبة ما بعد الحرب، سعت كل الاقتصادات المتقدمة تقريبًا إلى إدارة علاقتها بالدولار بدلًا من تحديه.
يرى روغوف أن هيمنة الدولار هي نتاج الحظ والسياسة المتعمدة في آن واحد. فقد حاول المنافسون وفشلوا، كما أن الظروف نفسها عملت مرارًا لمصلحة الدولار. ومن أبرز المنافسين الجادين الاتحاد السوفيتي واليابان وأوروبا، والصين حاليًا.
فبعد سبعينيات القرن العشرين، لم يعد الاتحاد السوفيتي قادرًا على الحفاظ على وتيرة النمو والابتكار التي فرضتها عليه متطلبات الحرب الباردة. أما اليابان، التي تجاوزت أسعار العقارات وحصتها من سوق الأسهم فيها نظيرتها الأمريكية خلال ثمانينيات القرن العشرين، فقد أُجبرت على الدخول في اتفاق بلازا عام 1985، ولا يتردد روغوف في التشكيك في دور الولايات المتحدة في الضغط على طوكيو للموافقة على اتفاق دفع الين إلى مسار لم يتمكن من التعافي منه.
ونجحت أوروبا في إنشاء اليورو، لكن أزمة منطقة اليورو، وارتفاع التضخم، وتباطؤ النمو حدت من قدرتها على تحدي الدولار في المستقبل المنظور. أما الصين، فتشير في الوقت نفسه إلى تباطؤ بعد صعودها اللافت في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتقع فقاعة عقارية، شديدة التشابه مع تلك التي شهدتها اليابان، في قلب اقتصادها المتباطئ. وقد وصلت دولة تعاني من الإفراط في البناء وضعف الاستهلاك المحلي إلى الحدود الخارجية لنموذج نموها القائم على التصدير.
وعلى الصعيد الداخلي، تستند الهيمنة الأمريكية إلى كون الولايات المتحدة صاحبة المبادرة الأولى في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد وضع نظام بريتون وودز الولايات المتحدة في مركز النظام النقدي العالمي. كما تعزز مكانتها الحماية القانونية التي توفرها للمستثمرين، وعمق أسواق رأس المال فيها، وتسهيلات مبادلة الدولار، والتفوق العسكري الذي يضمن عدم جرأة أي خصم على مهاجمتها.
وحتى خلال الأزمات، تتدفق رؤوس الأموال إلى الدولار، وتنخفض أسعار الفائدة الأمريكية أكثر، ما يسمح للولايات المتحدة بالاقتراض من العالم بمبالغ أكبر وبتكلفة أقل. ويكتب روغوف أن تجاوز الدولار «يتطلب الكثير جدًا».
فخ تريفين والامتياز الأمريكي
يتناول الكتاب بصورة موسعة الكيفية التي سعت بها كل الاقتصادات المتقدمة تقريبًا في حقبة ما بعد الحرب إلى إدارة علاقتها بالدولار بدلًا من تحديه. وكان سعر الصرف الثابت من أبرز الإغراءات.
وقد نشأ جاذبية سعر الصرف الثابت من قدرة الدولار على ربط اقتصاد الدولة بمعيار خارجي مستقر وموثوق. وساعد ذلك البلدان على استيراد الموثوقية النقدية بصورة فعالة، والحد من الضغوط التضخمية، والتخفيف من تقلبات التجارة الدولية. وحتى في البلدان النامية، كان المواطنون يثقون بالدولار أكثر من ثقتهم ببنوكهم المركزية.
ويرى روغوف أن هذه الديناميكية تفعّل «معضلة تريفين»، ومفادها أن الدولة لا تستطيع في الوقت نفسه الحفاظ على سعر صرف ثابت، وأسواق رأسمال مفتوحة، وسياسة مستقلة لأسعار الفائدة.
فالدول التي تربط عملاتها بالدولار تتخلى عن قدر كبير من أدواتها في إدارة الاقتصاد الكلي. ويدعم روغوف هذه الفكرة بأمثلة تمتد من المكسيك وفنزويلا والبرازيل وروسيا إلى لبنان والأرجنتين.
ويخلص روغوف إلى أن سعر الصرف الثابت يمكن أن يكون حلًا مؤقتًا. لكنه يرى أنه «من الأفضل الخروج من موقع قوة نسبية بدلًا من الانتظار حتى تُجبر على الخروج عندما يطغى عليك المضاربون».
كما يتتبع الكيفية التي تكيفت بها الدول مع هذه المخاطر من أجل إدارتها. وبرز توافق طوكيو بوصفه حلًا وسطًا بين توافق واشنطن لعام 1989، الذي فضل مرونة السوق وأسعار الصرف العائمة، وتوافق بوينس آيرس لعام 2003، الذي فضل التحكم في السوق وأسعار الصرف الثابتة.
ويجمع نموذج طوكيو بين أسعار الصرف المُدارة، واحتياطيات كبيرة من الدولار لدى البنوك المركزية، وضوابط رأس المال، وهوامش تنظيمية قوية. وقد استُخلصت هذه الدروس بصعوبة من الأزمة المالية الآسيوية في تسعينيات القرن العشرين، عندما أخفق صندوق النقد الدولي بوضوح في أداء دوره.
ويناقش روغوف أيضًا البدائل التكنولوجية، مثل العملات الرقمية للبنوك المركزية، والعملات المشفرة، والعملات المستقرة، ويشير إلى أن العملات المشفرة يمكن أن تشكل تحديًا حقيقيًا للدولار، ولا سيما في الاقتصاد السري الضخم والمعتم الذي يصعب تتبعه.
إن كون الولايات المتحدة تمثل مرساة النظام المالي العالمي يمنحها مزايا هائلة. فالدولار يوفر نفوذًا جيوسياسيًا، وما يقرب من مليار دولار من المنافع الاقتصادية السنوية، وقدرة على الاقتراض بتكلفة تقترب من الصفر، وهي القدرة التي موّلت تاريخيًا الحروب الأمريكية.
كما يمنح الدولار الاحتياطي الفيدرالي القدرة على طباعة كميات غير محدودة من الدولارات أثناء الأزمات، وهو ما يمنح واشنطن نفوذًا واسعًا في تحديد مسار تطور نظام المدفوعات العالمي. ويمنح الولايات المتحدة كذلك القدرة على فرض عقوبات مالية على أي جهة تعمل ضد المصالح الأمريكية.
ومع ذلك، يحرص روغوف على الإشارة إلى أن هذه الهيمنة لم تُفرض بالقوة. فالولايات المتحدة اكتسبت «امتيازها الباهظ» ببساطة من خلال كونها الجهة الأكثر فاعلية في تخصيص رأس المال العالمي، والوسيط المالي الأكثر ثقة في العالم.
مستقبل الدولار
تأتي أكثر حجج روغوف حدة في نهاية الكتاب، حيث يحدد مصدر التهديد الحقيقي لهيمنة الدولار، ليس في بكين أو بروكسل، بل في واشنطن نفسها، ويتمثل ذلك في ارتفاع الديون، وتصاعد التضخم، وتزايد الضغوط على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تصل نسبة الدين الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 166 في المئة بحلول عام 2054. ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، تجاوزت الالتزامات الخارجية للولايات المتحدة في عام 2024 دخلها من الأصول الأجنبية.
وقد قفز صافي الالتزامات الأجنبية من 17 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2010 إلى 71 في المئة في الربع الأول من عام 2024. وهذا ما يسميه روغوف «معضلة تريفين الحديثة».
ففي حين كانت النسخة القديمة من المعضلة تحذر من احتمال عدم كفاية احتياطيات الذهب لتغطية الالتزامات المقومة بالدولار، تحذر النسخة الحديثة من أن القدرة الإجمالية على السداد قد تعجز عن مواجهة الالتزامات المتراكمة.
ويرى روغوف أن عقودًا من انخفاض أسعار الفائدة خلقت وهمًا خطيرًا مفاده أن الاقتراض في الولايات المتحدة يكاد يكون مجانيًا.
وفي الوقت نفسه، يواجه استقلال الاحتياطي الفيدرالي ضغوطًا من طرفي الطيف السياسي. وهذا الاستقلال هو الضمانة التي تقف وراء قيمة الدولار.
وفي الوقت نفسه، يواجه استقلال الاحتياطي الفيدرالي ضغوطًا من طرفي الطيف السياسي. وهذا الاستقلال هو الضمانة التي تقف وراء قيمة الدولار، وهو الأساس الذي تقوم عليه ثقة المستثمرين.
وإذا استمر الدين في الاصطدام بارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، وإذا أدى التدخل السياسي إلى تقييد قدرة الاحتياطي الفيدرالي على كبح التضخم، فإن العواقب ستكون وخيمة.
وعند النظر إلى الصورة بأكملها، يجادل روغوف بصورة مقنعة بأن الدولار سيظل في القمة، ولكن فوق تلة أصغر. ففي عالم أكثر تعددًا للأقطاب، ستتمكن عملات أخرى ببطء من الاقتراب منه.
وعندما يبدأ الدولار في نهاية المطاف بالهبوط عن مكانته، فإن الاستقرار المالي سيهتز معه. وترديدًا لعبارة كونالي، ستكون هذه بلا شك مشكلة الجميع.
