القائمة الرئيسية

ما الذي يفسر اختلاف مساري النمو الاقتصادي في أوروبا والصين؟

ما الذي يفسر اختلاف مساري النمو الاقتصادي في أوروبا والصين؟
ملخص المقال

يرى الكتاب أن اختلاف المسار الاقتصادي بين أوروبا والصين خلال الألفية الماضية لم يكن نتيجة تفوق جوهري لأي منهما، بل نتج عن تراكم تدريجي لفروق اجتماعية ومؤسسية متجذرة في المسيحية والكونفوشيوسية. ففي أوروبا أسهمت الكنيسة، والقيود على زواج الأقارب، وانتشار الأسرة النووية، في إضعاف الروابط القرابية وتعزيز قدرة الغرباء على التعاون وتشكيل مؤسسات مستقلة، بينما اعتمدت الصين بدرجة أكبر على شبكات القرابة والثقافة الكونفوشيوسية ونظام الامتحانات الحكومية، بما عزز الاستقرار الاجتماعي لكنه حدّ من الحوافز على تحدي السلطة والتفكير الابتكاري. ويرى الطرح أن هذه الاختلافات لم تكن كافية وحدها لإحداث الثورة الصناعية، لكنها خلقت الظروف التي جعلت ظهورها في أوروبا ممكنًا، ثم تراكمت آثارها عبر القرون حتى أنتجت التباعد الاقتصادي الكبير. ومع ذلك، يترك هذا التفسير أسئلة أساسية بلا إجابة حاسمة، أبرزها لماذا وقعت الثورة الصناعية في توقيتها المحدد، ومدى أهمية عوامل مثل العبودية والسلطة السياسية والموارد، وما إذا كانت الصين وأوروبا ستواصلان مساريهما الحاليين. كما يشير إلى أن ازدهار الصين الحديث لم يكن مسارًا مستقلًا تمامًا، بل استفاد من التصنيع الأوروبي والتدفقات العالمية لرأس المال والتكنولوجيا، ما يقود إلى خلاصة مفادها أن الازدهار الإنساني ليس نتاج طريقين منفصلين بقدر ما هو حصيلة عملية تاريخية مترابطة أسهمت فيها حضارات ومؤسسات متعددة.

في كتاب مساران إلى الازدهار، يبحث الاقتصاديون أفنر غريف، وجويل موكير، وغويدو تابيلليني في الأسباب التي جعلت أوروبا والصين تسلكان مسارين مختلفين تمامًا في تطورهما الاقتصادي، ويربطون ذلك باختلاف المؤسسات الاجتماعية التي تشكلت جذورها في المسيحية والكونفوشيوسية. وعلى الرغم من أن عنوان الكتاب يثير بعض الإشكالات، وأن عددًا من الأسئلة التي يطرحها يظل من دون إجابات حاسمة، فإن الكتاب يقدم، في نظر جيمس هودجسون، تركيبًا بارعًا وسهل القراءة للتاريخ الاقتصادي.

مساران إلى الازدهار: الثقافة والمؤسسات في أوروبا والصين، 1000 إلى 2000.
أفنر غريف، جويل موكير، وغويدو تابيلليني. مطبعة جامعة برينستون، 2026.

التاريخ الاقتصادي لأوروبا والصين

لماذا تكمن جذور العالم الحديث في أوروبا وليس في الصين؟ هذا هو السؤال المحوري الذي ينطلق منه كتاب جديد لثلاثة من أبرز الاقتصاديين والمؤرخين الاقتصاديين، هم أفنر غريف، وجويل موكير، وغويدو تابيلليني. وكان موكير أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2025، تقديرًا لأعماله حول النمو المدفوع بالابتكار.

ينطلق الكتاب من الفكرة التي طرحها كينيث بوميرانز في كتابه الصادر عام 2000، التباعد الكبير، لكن المؤلفين يقترحون منذ البداية أوصافًا أخرى يرون أنها قد تكون أكثر دقة. فمن الممكن الحديث عن «الانقلاب الكبير» لوصف صعود أوروبا وتجاوزها للصين رغم أنها بدأت من موقع أقل ملاءمة، أو عن «الانقسام الكبير» باعتباره وصفًا أدق للطريقة التي تراكمت بها الاختلافات السياسية والاقتصادية والثقافية بين أوروبا والصين، حتى دفعت كل واحدة منهما في اتجاه مختلف جذريًا.

ومن الصواب أن يطالب المؤلفون بتفسير أعمق للسبب الذي جعل أوروبا تتحول إلى مختبر للعالم، في حين لم يحدث الأمر نفسه في الصين.

يكمن اللغز في أن الصين الإمبراطورية كانت، طوال جزء كبير من الألفية الماضية، الحضارة الأكثر تقدمًا من الناحيتين العلمية والتكنولوجية، قبل أن تتجاوزها أوروبا الغربية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في أعقاب الثورة الصناعية.

ويضع المؤلفون أطروحتهم ضمن الأدبيات البحثية القائمة، ويرون أن بعض التفسيرات السابقة لم تفعل أكثر من تأجيل السؤال إلى مستوى آخر. فالقول إن «الثورة الصناعية حدثت في أوروبا وليس في الصين» لا يقدم تفسيرًا حقيقيًا على الإطلاق. ولذلك يطالب المؤلفون، بحق، بتفسير أعمق يوضح لماذا أصبحت أوروبا مختبرًا للعالم، بينما لم تصبح الصين كذلك.

وقد يبدو الوصول إلى مصادر الطاقة في البداية مسارًا واعدًا لتفسير هذا الاختلاف، لكنه لا يصمد أمام التدقيق. فكلا المنطقتين كان يمتلك رواسب من الفحم، كما أن الفحم ظل موجودًا تحت الأرض في أوروبا قرونًا طويلة قبل أن يجري استغلاله لتشغيل التقنيات الصناعية.

وبالتالي، يصبح السؤال الحقيقي هو: ما الذي جعل أوروبا تطور تقنيات جديدة وتتبناها على نطاق واسع، بحيث أدت في نهاية المطاف إلى رفع مستويات المعيشة إلى ما يتجاوز بكثير المعدلات التاريخية المعتادة؟

الدين وشبكات القرابة

قد تبدو إجابة المؤلفين مفاجئة للوهلة الأولى، لكنها تختصر في المقارنة بين المسيح وكونفوشيوس. والمقصود بذلك أن أشكالًا مختلفة من التنظيم الاجتماعي، نشأت جذورها في منظومات دينية وفكرية مختلفة، أسهمت في تحديد الطريقة التي انتظمت بها الحياة الاقتصادية.

في أوروبا، كان الشكل الأهم هو المؤسسة الاعتبارية أو الشركة. ووفقًا للرواية التي يقدمها المؤلفون، أدت الكنيسة الكاثوليكية، بوصفها أول تنظيم عالمي يتجاوز الانتماءات المحلية وكان من حيث المبدأ مفتوحًا أمام الجميع، دورًا مهمًا في تقديم النموذج الذي استلهمته المؤسسات الاعتبارية اللاحقة.

وقد أتاحت هذه المؤسسات الانضمام لأشخاص جدد لا تربطهم ببقية الأعضاء روابط عائلية أو علاقات شخصية قائمة على الولاء. وأسهم هذا الانتشار الواسع لرأس المال البشري والمالي في تمكين المجتمعات الأوروبية من استيعاب الابتكارات الجديدة وتطبيقها على نطاق واسع.

كذلك، فإن القيود التي فرضتها الكنيسة الكاثوليكية على زواج الأقارب، وتشجيعها نموذج الأسرة النووية، أسهما في نشوء مجتمع أكثر تفككًا إلى وحدات مستقلة، أصبح فيه الغرباء مضطرين إلى تعلم كيفية التعاون مع بعضهم بعضًا.

أما في الصين، فقد انتظمت الحياة الاقتصادية على المستوى المحلي من خلال شبكات القرابة، التي وفرت لجزء كبير من السكان فرص العمل والحماية الاجتماعية. وكانت العشائر توفر الأساس الاجتماعي للثقة الضرورية لعمل الأسواق، بل كانت تؤدي في بعض الحالات دور جباة الضرائب نيابة عن الدولة، التي لم تكن سلطتها الفعلية تمتد في كثير من الأحيان إلى ما هو أبعد من المركز الإمبراطوري.

وتعزز نفوذ شبكات القرابة بفعل الثقافة الكونفوشيوسية التي شددت على احترام كبار السن والخضوع لسلطتهم، إلى جانب نظام صارم للامتحانات الخاصة بالخدمة المدنية كان يكافئ الإلمام بالنصوص القديمة أكثر مما يكافئ التفكير النقدي.

وباجتماع هذه العوامل، لم يكن لدى الشباب الصيني حافز كبير للتشكيك في السلطة أو التعلم من الآخرين أو الانخراط في التفكير الابتكاري، لأن حياتهم الاجتماعية والاقتصادية كانت تعتمد، في جانب كبير منها، على الامتناع عن القيام بهذه الأمور.

الكتاب عمل لافت أنجزه ثلاثة أكاديميين في قمة تخصصاتهم. وعلى الرغم من أن معظم الأفكار التي يقدمها ليست جديدة، فإنه ينجح في تقديم تركيب مدهش لأبحاث سابقة أنجزها المؤلفون أنفسهم، فضلًا عن أعمال عدد كبير من الباحثين المتخصصين في التاريخ الاقتصادي.

ومن الصعب في الواقع الإحاطة بالاتساع الهائل للمعرفة التي يستند إليها الكتاب. فهو يدخل في حوار مع عدد كبير من الباحثين والأصوات العلمية، ويجمعها في سرد واحد يحاول تفسير التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لأوراسيا خلال الألفية الماضية.

وهذا مثال متميز على البحث متعدد التخصصات في أفضل صوره، إذ يستفيد من أعمال تنتمي إلى مجالات مختلفة لبناء صورة متماسكة ومرتبطة بسياقها لتطور مناطق متعددة عبر الزمن.

وفي العلوم الاجتماعية، يجري كثير من البحث داخل مجالات أكاديمية منفصلة لا تتفاعل بما يكفي مع بعضها بعضًا. ولذلك فإن جمع هذه الأصوات المختلفة في إطار واحد يمثل بحد ذاته أمرًا مهمًا ومنعشًا.

والكتاب أيضًا سهل القراءة بدرجة لافتة، وربما يكون الأمر الأكثر إثارة للدهشة أن تعدد مؤلفيه لم يؤد إلى تعدد الأصوات داخله، إذ يبدو الكتاب في معظمه وكأنه يتحدث بصوت واحد، باستثناء بعض المواضع القليلة التي تتكرر فيها الأفكار.

ما الذي تسبب في الثورة الصناعية؟

يحرص المؤلفون على التأكيد أن أوروبا لا تتمتع بأي تفوق جوهري أو فطري يفسر صعود المؤسسات الاعتبارية ومن ثم ظهور الثورة الصناعية. فالشروط التي يحددونها كانت ضرورية لحدوث التصنيع، لكنها لم تكن كافية وحدها لإطلاقه.

وفي النهاية، يتبين أن أصول «التباعد الكبير» لم تكن عظيمة أو استثنائية إلى هذا الحد، بل كانت أقرب إلى تراكم تدريجي لاختلافات ثقافية محدودة. فقد بدأت حضارتان تتشابه كل منهما إلى حد بعيد مع الأخرى في معالمهما الاجتماعية العامة في نهاية الألفية الأولى، ثم تراكمت فروق صغيرة بينهما على مدى القرون، إلى أن أنتجت بحلول نهاية الألفية الثانية اختلافات مذهلة في النتائج.

ماذا يعني عودة الصين إلى الحكم الاستبدادي، مع رقابة صارمة وضعف في سيادة القانون، بالنسبة إلى استقرار نموها الاقتصادي مستقبلًا؟ وهل سيشكل الاندماج السياسي لأوروبا عائقًا أمام المزيد من النمو والابتكار، أم سيكون حافزًا لهما؟

إن هذا التركيز على دور الظروف والاحتمالات التاريخية أمر جدير بالتقدير، كما أنه يحمل قدرًا من التواضع أمام تعقيد التاريخ. غير أن هذا النوع من التحليل الواسع ينطوي أيضًا على مشكلة محتملة.

فإذا كانت التطورات التي يرويها الكتاب قد أوجدت فقط الظروف التي جعلت الثورة الصناعية ممكنة، من دون أن تكون هي التي تسببت فيها مباشرة، فما العامل الذي تسبب فيها إذن؟

هناك إجابة محتملة لا يطرحها المؤلفون، وهي أنه عندما تتوافر الظروف المادية والفكرية المناسبة، وتتجمع في الوقت نفسه مجموعة من القوى الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع جميعها في الاتجاه ذاته، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بسؤال «هل ستحدث؟»، وإنما بسؤال «متى ستحدث؟».

لكننا نعود هنا مرة أخرى إلى السؤال نفسه على مستوى أعمق. فإذا كان هذا التفسير صحيحًا، فإنه لا يوضح لنا لماذا حدثت الثورة الصناعية، بل لماذا حدثت في ذلك الوقت تحديدًا.

ولهذا السبب يثير الكتاب الفضول. فالسؤال المركزي الذي يطرحه يقود القارئ بصورة طبيعية إلى سلسلة طويلة من الأسئلة المتفرعة التي لا يتناولها المؤلفون، أو يلمحون إليها من دون أن يقدموا لها إجابات حاسمة.

بعض هذه الأسئلة تاريخي. فدور العبودية، على سبيل المثال، ربما يستحق مساحة أكبر في السرد مما يمنحه المؤلفون. كما أن تصوير الكنيسة الكاثوليكية بوصفها مؤسسة تقدمية ليس طرحًا يمكن قبوله من دون جدل.

وهناك أسئلة أخرى لا يمكن تقديم إجابة مؤكدة عنها لأنها تتعلق بمستقبل الجغرافيا السياسية.

فعلى الرغم من حملات مكافحة الفساد التي أطلقها شي جين بينغ، ماذا تعني عودة الصين إلى الحكم الاستبدادي، بما يصاحب ذلك من رقابة صارمة وضعف في سيادة القانون، ولا سيما في ظل التساهل مع حقوق الملكية، بالنسبة إلى استقرار النمو الاقتصادي الصيني في المستقبل؟

وهل سيؤدي الاندماج السياسي في أوروبا إلى وضع قيود على مزيد من النمو والابتكار، أم أنه سيحفزهما؟

ولعل من الصواب أن يترك المؤلفون هذه الأسئلة للقارئ ليستخلص منها نتائجه بنفسه.

طريق واحد، لا طريقان، إلى الازدهار

لكن عنوان الكتاب نفسه قد يكون، في نهاية المطاف، غير دقيق.

فصعود الصين اقتصاديًا في العصر الحديث حدث نتيجة عوامل عديدة، من بينها الدور الذي أدته الجاليات الصينية في الخارج بوصفها جسرًا بين الصين وبقية العالم، ولا سيما من خلال تدفقات رأس المال الأجنبي، وهو عامل يحدده المؤلفون بوصفه عنصرًا محوريًا.

لكن تصنيع الصين لم يكن ممكنًا إلا بعد أن سبقه تصنيع أوروبا والأجزاء من العالم التي استعمرتها، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

ومن ثم فإن المعجزة الصينية في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين كانت مرتبطة تاريخيًا بصعود أوروبا بوصفها قوة صناعية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

ومن ثم فإن المعجزة الصينية في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين كانت مرتبطة تاريخيًا بصعود أوروبا بوصفها قوة صناعية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وهذه الملاحظة تقود إلى فكرة أوسع: من منظور التاريخ العالمي، لا يوجد سوى طريق واحد إلى الازدهار.

ولا ينبغي أن يقودنا كون المرحلة الأولى من هذا الطريق قد اتخذت شكل عمليات تاريخية متعددة امتدت عبر قرون عدة في أوروبا في العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث إلى اتهام هذا التصور بالمركزية الأوروبية أو النظر إلى أوروبا باعتبارها استثناءً تاريخيًا.

بل على العكس، ينبغي أن يجعلنا ذلك أكثر وعيًا بمدى اعتماد نمط حياتنا الحالي على ظروف تاريخية عارضة ومتغيرة. فالتاريخ لا يشير إلى أن فردًا بعينه، أو دولة بعينها، أو مؤسسة محددة، أو موردًا معينًا، أو فكرة واحدة، يمكن أن يدعي احتكار عملية التطور البشري.

والأهم من ذلك، أنه لا يمكن لأي من هذه العناصر أن يدعي معرفة مسبقة بالوجهة التي ستتجه إليها عملية التطور الإنساني في المستقبل.

المصدر

مقالات ذات صلة