جون هـ. كوكرين، ولويس غاريكانو، وكلاوس ماسوش في كتابهم دورة الأزمات، يحللون تطور اليورو من مثاليته التأسيسية إلى هشاشته المؤسسية الراهنة. ومن خلال الجمع ببراعة بين المكانة الأكاديمية والخبرة المباشرة في مجال السياسات، يكشف المؤلفون عن اتحاد نقدي عالق في فخ يعزز نفسه بنفسه، قوامه الأزمات والارتجال، كما يكتب لوتشيانو ماغالدي سارديلّا.
دورة الأزمات: تحديات اليورو وتطوره ومستقبله.
جون هـ. كوكرين، ولويس غاريكانو، وكلاوس ماسوش. مطبعة جامعة برينستون. 2025.

قلما شهد التاريخ الحديث تجارب نقدية طموحة، أو ذات عواقب بعيدة المدى، كتجربة اليورو. فقد أُطلق اليورو في عام 1999 على أساس افتراض مفاده أن العملة الموحدة يمكن أن تكون ركيزة للتكامل الأوروبي، وأن تعزز النمو، وأن تربط ديمقراطيات القارة في سلام دائم. ومنذ ذلك الحين، صمد أمام الانهيار المالي العالمي في الفترة من 2007 إلى 2010، وأزمة الديون السيادية في الفترة من 2010 إلى 2012، وجائحة كوفيد 19، والموجات الصادمة التي أصابت الاقتصاد نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا. وبقاء اليورو حتى الآن أمر لافت بحد ذاته. لكن كتاب دورة الأزمات: تحديات اليورو وتطوره ومستقبله يرى أن كل مرة نجا فيها اليورو جاءت على حساب تعميق التشوهات المؤسسية.
ويمثل مؤلفو الكتاب مزيجًا غير مألوف وقويًا من الخبرات. فجون هـ. كوكرين، الزميل الأول في مؤسسة هوفر بجامعة ستانفورد ومؤلف العمل المؤثر النظرية المالية لمستوى الأسعار، يوفر الإطار النظري للكتاب. أما لويس غاريكانو، أستاذ السياسات العامة في كلية لندن للاقتصاد وعضو سابق في البرلمان الأوروبي، فيقدم منظور الاقتصاد السياسي. في حين يزود كلاوس ماسوش، الذي أمضى مسيرته المهنية بأكملها في البنك المركزي الأوروبي، بما في ذلك عمله عضوًا في «الترويكا» التي تفاوضت بشأن برنامج التكيف الاقتصادي اليوناني، الكتاب بمعرفة مؤسسية عميقة ومباشرة. وتمنح وجهات النظر المتكاملة بين المؤلفين الكتاب عمقًا قلما تستطيع الدراسات التي يكتبها مؤلف واحد عن منطقة اليورو أن تضاهيه.
التصميم التأسيسي في مواجهة المراجعة التي فرضتها الأزمات
يبدأ كتاب دورة الأزمات بإعادة بناء المنطق الفكري والمؤسسي الذي قامت عليه البنية الأصلية لليورو. فقد مُنح البنك المركزي الأوروبي تفويضًا ضيقًا وواضحًا يتمثل في السعي إلى تحقيق استقرار الأسعار من خلال سياسة أسعار الفائدة، والامتناع عن شراء الديون السيادية. وكانت الدول الأعضاء ملتزمة بسقوف للديون والعجز بموجب ميثاق الاستقرار والنمو. كما نص بند «عدم الإنقاذ المالي» رسميًا على حظر التحويلات المالية بين الدول الأعضاء. وكما يوضح المؤلفون، كان مؤسسو اليورو يدركون الخطر الأساسي المتمثل في وجود اتحاد نقدي من دون اتحاد مالي. فقد تميل حكومات الدول الأعضاء إلى الاقتراض بما يتجاوز قدراتها، ثم الاعتماد على البنك المركزي لتحويل ديونها إلى نقود.
ومع ذلك، احتوى الإطار التأسيسي على ثغرات جوهرية، إذ لم تكن هناك آلية منظمة للتخلف عن سداد الديون السيادية أو إعادة هيكلتها. وكان مسموحًا للبنوك، بل كانت اللوائح تشجعها على ذلك، بأن تتعامل مع السندات الحكومية باعتبارها أصولًا خالية من المخاطر، وهو ما أدى إلى تركيز الانكشاف على الديون السيادية داخل المؤسسات نفسها التي يُرجح أن تتعرض للخطر في حال وقوع أزمة سيادية. كذلك لم تكن هناك آلية مالية طارئة توفر السيولة قصيرة الأجل للدول الأعضاء التي تواجه ضغوطًا في الأسواق. ويرى المؤلفون أن هذه لم تكن ثغرات ناجمة عن الإهمال، وإنما نتجت عن القيود السياسية والفكرية التي كانت سائدة في تسعينيات القرن العشرين. فلم يكن أحد في تلك الحقبة يتوقع وقوع أزمات للديون السيادية في الاقتصادات المتقدمة، كما أن الوثيقة التأسيسية ليست المكان المناسب للتفاوض بشأن كل احتمال طارئ.
كانت الدول الأعضاء ملتزمة بسقوف للديون والعجز بموجب ميثاق الاستقرار والنمو. […] وعندما تجاوزت فرنسا وألمانيا حدود العجز في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من دون أن تترتب على ذلك عواقب تُذكر، تضررت مصداقية ميثاق الاستقرار والنمو بصورة دائمة.
ويعرض القسم الأقوى تحليليًا في الكتاب الكيفية التي أعادت بها كل أزمة متعاقبة تشكيل البنية المؤسسية لليورو بطرق قوضت تدريجيًا المنطق الذي قام عليه عند تأسيسه. فعندما تجاوزت فرنسا وألمانيا حدود العجز في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من دون أن تترتب على ذلك عواقب ذات شأن، تضررت مصداقية ميثاق الاستقرار والنمو بصورة دائمة. وخلال الأزمة المالية في الفترة من 2007 إلى 2009، بدأ البنك المركزي الأوروبي في إقراض البنوك بحرية أكبر مقابل ضمانات أصبحت أكثر خطورة بصورة متزايدة، وكان جزء كبير منها يتكون من الديون السيادية، الأمر الذي أدى بصورة غير مقصودة إلى تمويل عجوزات الحكومات من الباب الخلفي.
وكانت أزمة الديون السيادية في عام 2010، وفقًا للمؤلفين، نقطة التحول الحاسمة. ففي مواجهة حالة الذعر التي اجتاحت الأسواق وغياب أي آلية مالية مخصصة لتوفير الدعم في حالات الطوارئ، وجد البنك المركزي الأوروبي نفسه مضطرًا إلى العمل، بحكم الأمر الواقع، باعتباره المقرض الأخير للحكومات السيادية. وقد أسهم تعهد ماريو دراغي الشهير بفعل «كل ما يلزم» في استقرار الأسواق، لكنه جاء بتكلفة مؤسسية عميقة. فقد أكد أن البنك المركزي الأوروبي سينقذ الحكومات المثقلة بالديون، وهو ما ألغى الضغط الانضباطي الذي كانت تكاليف الاقتراض في الأسواق تمارسه سابقًا.
يحدد المؤلفون مفارقة قاسية في صميم إدارة أزمات منطقة اليورو، فكل تدخل أنقذ اليورو على المدى القصير جعله أكثر هشاشة على المدى الطويل.
أما الجولات اللاحقة من التيسير الكمي، وهو أداة من أدوات السياسة النقدية يشتري البنك المركزي بموجبها السندات الحكومية وغيرها من الأوراق المالية في الأسواق المالية لضخ السيولة في الاقتصاد وخفض تكاليف الاقتراض، فقد توسعت بصورة كبيرة خلال الجائحة، مما أدى إلى ترسيخ شراء السندات السيادية باعتباره أداة اعتيادية في سياسة البنك المركزي الأوروبي، بدلًا من كونه إجراءً استثنائيًا لمواجهة حالات الطوارئ. ويحدد المؤلفون مفارقة قاسية في صميم إدارة أزمات منطقة اليورو، فكل تدخل أنقذ اليورو على المدى القصير جعله أكثر هشاشة على المدى الطويل. وقد حدث ذلك من خلال إضعاف الحوافز على الانضباط المالي والإصلاحات الهيكلية التي كان من الممكن أن تمنع وقوع الأزمة التالية.
المخاطر الأخلاقية وأجندة الإصلاح
هنا يكتسب المفهوم المركزي في الكتاب، وهو «دورة الأزمات»، قوته التحليلية. ويشير مفهوم الخطر الأخلاقي في علم الاقتصاد إلى ميل التأمين إلى تقليص الحوافز التي كانت ستثني، في الظروف العادية، عن السلوك الذي يغطيه التأمين.
فعندما تعلم الحكومات أن البنك المركزي الأوروبي سيشتري سنداتها إذا ارتفعت عوائدها إلى مستويات خطرة، تتراجع الحوافز التي تدفعها إلى الحفاظ على مسارات مالية مستدامة. وعندما تعلم البنوك أن الديون السيادية ستحظى فعليًا بالدعم من خلال التدخل النقدي، فلن يكون لديها حافز كبير لتقليل حيازاتها المركزة من هذه الديون. وعندما يعلم المستثمرون أن التخلف عن سداد الديون السيادية لن يُسمح به، فإن حافزهم لممارسة الانضباط على المقترضين المسرفين من خلال فرض أسعار فائدة أعلى يصبح محدودًا.
والنتيجة هي نظام تولد فيه كل أزمة ابتكارات مؤسسية توفر الحماية من الانهيار الفوري، لكنها تزيد من الهشاشة الأساسية للنظام، إلى أن تحل الأزمة التالية، التي قد تكون أكبر حجمًا. ويخيم الدين العام الإيطالي، الذي يتجاوز 135 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، والوضع المالي المتدهور في فرنسا، بصورة واضحة على خلفية هذه الصفحات.
ويقدم القسم الأخير من الكتاب رؤيته المعيارية بصورة مباشرة، إذ يطرح حزمة من الإصلاحات التي يعتبرها المؤلفون شروطًا ضرورية لبقاء اليورو على المدى الطويل. وتبرز ثلاثة ركائز رئيسية.
أولًا، إنشاء مؤسسة مالية أوروبية قادرة بالفعل على توفير دعم مؤقت للسيولة للدول الأعضاء التي تواجه ضغوطًا في الأسواق. وإذا خضعت هذه المؤسسة لشروط صارمة، فإنها يمكن أن تعفي البنك المركزي الأوروبي من الحاجة إلى أداء هذه الوظيفة شبه المالية.
ثانيًا، تطوير آلية موثوقة لإعادة هيكلة الديون السيادية، بحيث يظل التخلف عن السداد، مهما كان مؤلمًا، احتمالًا قائمًا قادرًا على فرض الانضباط على سلوك المقترضين والدائنين على حد سواء.
ثالثًا، إجراء إصلاح شامل للتنظيم الاحترازي من أجل كسر «حلقة الهلاك» بين الديون السيادية والميزانيات العمومية للبنوك، بحيث تُلزم المؤسسات بالاحتفاظ بمحافظ متنوعة من الديون السيادية، وأن تتعامل مع السندات الحكومية باعتبارها أصولًا تنطوي على مخاطر، وهو ما أثبتته الوقائع بوضوح.
يكون الإصلاح أسهل في أوقات الهدوء، وأكثر ضرورة في أوقات الأزمات، إلا أن الأزمات تحديدًا هي التي تميل فيها الضغوط قصيرة الأجل نحو الارتجال إلى مزاحمة التصميم المؤسسي طويل الأجل.
ويحرص المؤلفون على التمييز بين المسار الذي يفضلونه وبين بديلين أكثر جذرية يرفضونهما. يتمثل البديل الأول في اتحاد مالي كامل يتضمن تحويلات مالية واسعة النطاق إلى المفوضية الأوروبية. أما البديل الثاني فيتمثل في التضامن غير المشروط للديون من خلال سندات اليورو. والمسار الأوسط الذي يقترحه المؤلفون، والمتمثل في سيادة مالية وطنية منضبطة تدعمها آلية مالية أوروبية محدودة وآلية موثوقة للتخلف عن السداد، يهدف إلى استعادة روح الإطار الأصلي من دون الحاجة إلى الثورة الدستورية التي قد يقتضيها الاتحاد المالي.
ويتناول الكتاب مدى إمكانية تحقيق هذا البرنامج سياسيًا بقدر كبير من الصراحة المحمودة. ويقر المؤلفون بأن الإصلاح يكون أسهل في أوقات الهدوء وأكثر ضرورة في أوقات الأزمات، إلا أن الأزمات تحديدًا هي التي تميل فيها الضغوط قصيرة الأجل نحو الارتجال إلى مزاحمة التصميم المؤسسي طويل الأجل.
مستقبل غير مؤكد لليورو
يمثل كتاب دورة الأزمات إسهامًا مهمًا حقًا، إذ يتميز بأسلوب نثري واضح على نحو غير مألوف بالنسبة إلى عمل يتناول الاقتصاد النقدي والنظرية المالية والقانون المؤسسي الأوروبي. وتتسم الرواية التاريخية فيه بالدقة، إذ تضع الابتكارات المتعاقبة للبنك المركزي الأوروبي ضمن السياقات السياسية الأوسع التي شكلتها، كما يُطبَّق الإطار النظري بانضباط واتساق، بدلًا من تطبيقه بصورة آلية جامدة.
ومع ذلك، يمكن التساؤل عما إذا كانت مقترحات الإصلاح التي يطرحها الكتاب تأخذ في الحسبان بالقدر الكافي الاقتصاد السياسي لتنفيذها. فالأطراف المؤسسية، مثل الحكومات الوطنية والبنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية، التي لا غنى عن تعاونها من أجل تنفيذ الإصلاح، هي نفسها من بين المستفيدين الرئيسيين من الترتيبات الحالية. وربما تكون ثقة المؤلفين في أن الأزمة المقبلة ستعمل على تحفيز دوافع الإصلاح بدلًا من شلها متفائلة إلى حد ما. كما يركز الكتاب بصورة أساسية على العلاقة بين السياسة النقدية والسياسة المالية، مع اهتمام أقل نسبيًا بأبعاد النمو والإنتاجية للتحدي الهيكلي الذي تواجهه أوروبا، وهي فجوة تحد من شمولية أجندة الإصلاح المقترحة.
ومع ذلك، فإن هذه الاعتراضات تنطلق من داخل الإطار الذي وضعه الكتاب نفسه، ولا تمثل تحديات لإسهامه الأساسي. إذ يقدم دورة الأزمات للاقتصاديين وصانعي السياسات والمواطنين المهتمين أكثر الروايات صرامة ووضوحًا حتى الآن عن المأزق الهيكلي الذي يواجهه اليورو. وهو كتاب لا غنى عنه للباحثين في الاقتصاد السياسي الأوروبي والنظرية النقدية والتصميم المؤسسي، كما أنه وثيق الصلة بكل من يسعى إلى فهم سبب بقاء مستقبل العملة الموحدة غير مؤكد فعلًا، بعد مرور ربع قرن على إنشائها.
