كان عام 2026 عامًا محوريًا لاختبار مدى قوة سلاسل الإمداد في أوروبا. فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية التي أدت إلى اضطراب إمدادات النفط عقب إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب المستمرة في إيران، امتدت التداعيات إلى مختلف القطاعات، بدءًا من ارتفاع تكاليف البنزين والديزل، وصولًا إلى الارتفاع الحاد في أسعار المواد المشتقة من النفط، مثل البلاستيك.
وقد أضفت هذه التداعيات إلحاحًا جديدًا على التساؤل حول كيفية تمكّن أوروبا، بوصفها قارة، من تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي وتقليل تعرضها لصدمات مماثلة في المستقبل. وهنا يمكن للصمود المناخي أن يؤدي دورًا بالغ الأهمية.
سواء تعلق الأمر بتعزيز أنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي تقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، أو بإنشاء أنظمة فعالة لإعادة التدوير ضمن الاقتصاد الدائري تُبقي المواد القيّمة قيد الاستخدام لفترة أطول، فإن هذه المبادرات يمكن أن تقلل الواردات، وتنشئ سلاسل إمداد أقصر وأكثر أمنًا، وتحد من التعرض لتقلبات أسواق الموارد، وتعزز الاقتصادات المحلية.
وبالنسبة إليّ، فإن الصمود المناخي والصمود المحلي مرتبطان ارتباطًا وثيقًا لا يمكن فصله. بل إن السياسات المعتمدة تُظهر بالفعل كيف يمكن لهذين المسارين أن يعملا معًا لتحقيق نتائج أفضل.
السياسات أظهرت بالفعل ما الذي ينجح
من الأمثلة المفيدة على نجاح العمل المتكامل بين أهداف المناخ والصمود مرفق التعافي والقدرة على الصمود التابع للاتحاد الأوروبي، الذي أُنشئ عام 2021 لتعزيز القدرة الاقتصادية للدول الأعضاء على الصمود في أعقاب جائحة كوفيد 19.
وعلى الرغم من أن المرفق صُمم في الأساس ليكون أداة لتعزيز الصمود، فإنه اشترط توجيه نسبة كبيرة من التمويل نحو الاستثمارات والإصلاحات المرتبطة بالمناخ. ونتيجة لذلك، أدى دورًا رئيسيًا في تسريع اعتماد الطاقة المتجددة في أنحاء أوروبا، إذ حظي ما يعادل نحو ثلث إجمالي قدرات الطاقة المتجددة الجديدة التي أُضيفت بين عامي 2021 و2024 بدعم من خلال هذا المرفق.
وهذا مثال إيجابي على كيفية تعزيز العمل المناخي والصمود لبعضهما بعضًا. ففي هذه الحالة، أسهم ذلك في تسريع مسار أوروبا نحو إزالة الكربون، بالتزامن مع الحد بصورة كبيرة من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
بناء الصمود من خلال الاقتصاد الدائري
خلال العام الماضي، أقرت المفوضية الأوروبية، أو تستعد لإقرار، مسارات متعددة من التشريعات المناخية، من بينها لائحة التغليف ونفايات التغليف، ولائحة التصميم البيئي للمنتجات المستدامة، وقانون الاقتصاد الدائري للاتحاد الأوروبي، ولائحة شحن النفايات.
وعلى الرغم من أن هذه السياسات غالبًا ما تُناقش من منظور بيئي، فإن أهميتها تتجاوز بكثير النتائج البيئية وحدها. فهي مجتمعة تشجع على اتباع أساليب أكثر استدامة في استخدام المواد، وفي الوقت نفسه تعزز الصمود المحلي من خلال إبقاء الموارد القيّمة داخل الاقتصادات الأوروبية.
وعند تطبيق هذه السياسات بفاعلية، فإنها ستوفر حوافز لتدوير مواد مثل البلاستيك والمعادن، وستفرض في بعض الحالات استمرار هذه المواد في الدورة الاقتصادية، بما يقلل الاعتماد على الموارد البِكر، ويقصر سلاسل الإمداد، ويضمن الوصول إلى المواد الأساسية، ويوفر فرص عمل، ويحد من الأثر البيئي. وجميع هذه النتائج تعزز الصمود وتقلل التعرض للاضطرابات الدولية.
الصمود يتطلب وضوح السياسات واستقرارها
لكن لكي تكون السياسات فعالة، يجب أن تكون واضحة وفي الوقت المناسب وسهلة التطبيق بالنسبة إلى القطاعات الصناعية.
ولهذا السبب، تستحق أحدث مراجعة مقترحة لنظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي رؤية متوازنة. فقد أثارت بعض عناصر المقترح نقاشًا حول وتيرة خفض الانبعاثات في بعض القطاعات الصناعية. وفي الوقت نفسه، يمثل المقترح أيضًا خطوة مهمة إلى الأمام، إذ يُدخل حرق النفايات البلدية ضمن نظام تداول الانبعاثات من خلال نهج تدريجي يمتد من عام 2031 إلى عام 2034.
وبحلول عام 2034، ستخضع جميع الانبعاثات الناتجة عن محارق النفايات البلدية في أوروبا لهذا النظام، ما سيخلق إشارة واضحة لسعر الكربون في هذا القطاع. وبالنسبة إلى نحو 300 منشأة لحرق النفايات في أنحاء أوروبا، من شأن ذلك أن يعزز الحوافز لتقليل كمية المواد ذات الأصل الأحفوري التي يجري حرقها، بما في ذلك فرز المزيد من البلاستيك قبل حرق النفايات، وإبقاء نسبة أكبر منه ضمن دورة الاستخدام الدائري.
وهذا تحديدًا هو النوع من الإشارات التي يمكن أن يدعم الاستثمار في بنية تحتية أفضل لفرز المواد وإعادة تدويرها واسترداد الموارد. ويتمثل التحدي الآن في الحفاظ على استقرار السياسات وتنفيذ عملية التحول بطريقة تكافئ استرداد المواد الأعلى قيمة، بدلًا من مجرد نقل النفايات من مسار للتخلص منها إلى مسار آخر.
الفصل المقبل من الصمود الأوروبي
أظهر العام الماضي أن هشاشة سلاسل الإمداد وأمن الموارد يتحولان إلى تحديات اقتصادية حاسمة. فقد أثبتت الصدمات الجيوسياسية التي شهدتها السنوات الأخيرة مدى سهولة تعرض الدول للخطر عندما تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة والمواد المستوردة.
وستؤدي استجابة الحكومات دورًا رئيسيًا في تحديد مستوى الصمود الذي ستتمتع به أوروبا مستقبلًا. وتأتي السياسة المناخية الفعالة في صميم الوصول إلى الاستجابة الصحيحة. فالسياسة المناخية لم تكن يومًا مقتصرة على البيئة وحدها، بل هي في الوقت نفسه سياسة للطاقة، وسياسة صناعية، وسياسة لأمن الموارد، وسياسة لتعزيز الصمود.
