- غالباً ما تطالب الأزياء المستدامة المستهلكين بتحمّل العبء من خلال شراء كميات أقل من الملابس أو التبرع بالمزيد منها.
- لكن قطاع المنسوجات يمكنه أيضاً أن يصبح أكثر اعتماداً على الاقتصاد الدائري من خلال توسيع مسؤولية المنتجين، وتحسين المعايير وأنظمة التجارة.
- غير أن تحقيق ذلك يتطلب المزيج المناسب من السياسات والشمول والابتكار.
القطن العضوي، والبوليستر المعاد تدويره، وخزائن الملابس المصغرة، وأسواق الملابس المستعملة... ابتكرت صناعة الأزياء العديد من «البدائل الخضراء» لمواجهة ظاهرة الموضة السريعة. ومع ذلك، لا يُعاد تدوير سوى 1% فقط من المنسوجات المستعملة عالمياً لإنتاج منتجات نسيجية جديدة، في حين لا تزال الصناعة تعتمد بشكل كبير على المواد الخام البكر، التي يُشتق نحو ثلثيها من البوليمرات القائمة على النفط.
الأزياء المستدامة، بمفهومها الحالي، لا تنجح في حل أزمة نفايات المنسوجات.
فالخطاب السائد حول الأزياء المستدامة يطلب من المستهلكين القيام بمعظم العمل: شراء كميات أقل، واختيار منتجات ذات جودة أفضل، والتبرع بالمزيد من الملابس. لكن حتى أكثر المستهلكين وعياً بالقضايا البيئية لا يمكنهم إحداث تغيير منهجي من دون البنية التحتية اللازمة لإغلاق دورة الإنتاج والاستهلاك وإعادة الاستخدام.
ولا تزال مثل هذه الأنظمة غائبة إلى حد كبير في دول الجنوب العالمي، على سبيل المثال، حيث تتراكم نفايات الموضة السريعة في أماكن مثل صحراء أتاكاما في تشيلي، وسوق كانتامانتو في غانا، ومدينة بانيبات في الهند. وتشكل هذه المناطق أمثلة صارخة على البصمة الهائلة للنفايات التي تخلفها صناعة المنسوجات.
الأزياء المستدامة عند نقطة تحول
لحسن الحظ، وصل قطاع المنسوجات إلى نقطة تحول مهمة.
ففي يونيو، انعقدت أول قمة عالمية وزارية وصناعية للمنسوجات في سانتياغو بتشيلي. وركزت القمة على أربعة محاور رئيسية يمكن أن تساهم في تحويل الاقتصاد الدائري إلى واقع فعلي في سوق المنسوجات.
ويتطلب تحويل هذه المحاور إلى واقع إعادة التفكير في مصير الملابس خلال جميع مراحل سلسلة القيمة، بدءاً من المواد التي يتم اختيارها عند تصنيعها، وصولاً إلى ما يحدث لها عند انتهاء فترة استخدامها.
فما الذي يمكن فعله لمعالجة هذه المشكلة؟ فيما يلي ثلاث أفكار يمكن أن تساعد في مواجهة أزمة نفايات المنسوجات:
1. جعل نماذج الاقتصاد الدائري قادرة على المنافسة من حيث التكلفة
يمكن لسياسة بيئية تُعرف باسم «المسؤولية الممتدة للمنتج» أن تساعد على إدراج التكاليف والآثار البيئية والاجتماعية التي يسببها المنتج ضمن عملية تصميمه وسعره النهائي.
لكن مقارنةً بمنتجات أخرى تطبق عليها المسؤولية الممتدة للمنتج، مثل مواد التغليف أو الإطارات، لا تحقق عمليات استعادة المواد المستخدمة في المنسوجات وإعادة معالجتها وفورات الحجم بالسهولة نفسها.
ويرجع ذلك إلى أن استراتيجيات مثل إعادة بيع الملابس وإصلاحها وإعادة استخدامها بطرق مبتكرة تُنفذ عادةً على نطاق فردي، وهو ما يتطلب قدراً كبيراً من العمل اليدوي.
لذلك، يحتاج الاقتصاد الدائري في قطاع المنسوجات إلى مزيج أوسع من السياسات حتى يصبح أكثر قدرة على المنافسة من حيث التكلفة. ومن بين المقترحات المطروحة خفض ضريبة القيمة المضافة أو ضريبة المبيعات على خدمات إعادة البيع والإصلاح، إلى جانب تعديل الضرائب المفروضة على العمالة في هذا القطاع.
ومن شأن ذلك أن يساهم في تحسين هوامش الربح الإجمالية وزيادة الحصة السوقية لنماذج الأعمال القائمة على إعادة بيع الملابس وإصلاحها.
كما يُعد التتبع عاملاً أساسياً في هذا المجال. فالسلطات بحاجة إلى معرفة مصدر قطعة الملابس من أجل متابعة مسارها، والعلامات التجارية بحاجة إلى معرفة تركيبتها المادية لتسهيل عمليات الإصلاح، بينما يحتاج المستهلكون إلى معرفة الطريقة المناسبة للتعامل معها عند نهاية عمرها الافتراضي.
ويُعد «جواز السفر الرقمي للمنتج» أحد الحلول المهمة التي يجري بالفعل تطبيقها في أوروبا.
2. ضمان انتقال عادل
لا تقل أهمية ضمان انتقال عادل لملايين رواد الأعمال والعاملين في مجال إعادة تدوير المنسوجات عن أهمية جعل خدمات إعادة التدوير قادرة على المنافسة من حيث التكلفة، لا سيما في دول الجنوب العالمي، حيث تتم نسبة كبيرة من هذه الأعمال في القطاع غير الرسمي.
في هذه البلدان، تعمل سلسلة القيمة الدائرية للملابس بشكل أساسي من خلال شبكات صغيرة الحجم ومؤسسات ومشاريع محدودة. وعادةً ما يتم جمع المنسوجات عبر حملات تنظمها بلديات وعلامات تجارية متحمسة لهذه المبادرات، بينما قد توجد مرافق الإصلاح وإعادة الاستخدام في منازل الأفراد من دون تطبيق بروتوكولات واضحة للصحة والسلامة.
وغالباً ما يؤدي ذلك إلى تفاوت في الوصول إلى المعلومات وظروف عمل غير ملائمة.
لكن تشيلي، على سبيل المثال، تطبق نظاماً للمسؤولية الممتدة للمنتج إلى جانب نظام وطني لاعتماد الكفاءات المهنية يُعرف باسم «تشيلي فالورا».
ويتيح هذا النظام للأشخاص الذين اكتسبوا مهاراتهم من خلال الخبرة العملية، بدلاً من الدراسة الرسمية، التحقق من كفاءاتهم وتسجيل أنفسهم في دليل رسمي للخبراء.
ويمنح ذلك العمال اعتماداً رسمياً من الدولة، كما يساعد على تصنيفهم كموردين موثوقين، لأن نظام المسؤولية الممتدة للمنتج في البلاد ينص على أنه لا يجوز لشركات جمع النفايات وإعادة تدويرها الاستعانة إلا بالعاملين المحليين في إعادة التدوير والمسجلين في هذا الدليل.
لكن لكي ينجح هذا النظام، يجب ألا يتحمل العامل نفسه تكلفة التدريب.
3. تطوير منسوجات حيوية جديدة
تُعد المواد ذات الأساس الحيوي حلاً واعداً لمواجهة تحدي جعل صناعة الأزياء أكثر استدامة، ولكن فقط إذا تم تطويرها واستخدامها ضمن الظروف المناسبة.
يجب أن تأتي المنسوجات من مصادر متجددة ومن المواد الناتجة عن التدفقات الثانوية، كما ينبغي تصميمها بحيث تكون متينة وقابلة لإعادة الاستخدام وقادرة على الاحتفاظ بقيمتها، فضلاً عن خلوها من المواد التي قد تشكل خطراً على الإنسان أو البيئة.
وقد بدأ رواد أعمال بالفعل في تطوير بدائل حقيقية.
فشركة «سبورا بيوتك» الناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية تعمل على تصنيع منسوجات باستخدام الفطريات. وقد اكتشفت الشركة سلالات فطرية برية من أنظمة بيئية مختلفة، ثم قامت بزراعتها والحفاظ عليها.
ويُعد أول منتجاتها، «سبوراتكس»، نوعاً من الجلود المصنوعة من الفطر، وقد بدأ بالفعل استخدامه في أنحاء مختلفة من العالم.
أما شركة «ديسيرتو» المكسيكية الناشئة، فقد طورت جلداً نباتياً مصنوعاً من نبات النوبال، وهو نبات عصاري ينتمي إلى عائلة الصبار.
وينمو هذا النبات بشكل طبيعي في الأمريكيتين ويعمل كمخزن طبيعي للكربون. وتعتمد الشركة على مياه الأمطار والمعادن المتوفرة محلياً للعناية بنباتات النوبال، كما لا تختار وتحصد سوى الأوراق الناضجة كل ستة إلى ثمانية أشهر.
تشجيع أزياء أكثر استدامة
لن تنجح أي من هذه الحلول إذا طُبقت بمعزل عن غيرها. فالمواد الحيوية التي لا يساندها إطار سياسي يجعلها قادرة على المنافسة من حيث التكلفة ستظل منتجاً محدود الانتشار.
وبالمثل، فإن تطبيق المسؤولية الممتدة للمنتج من دون وجود نظام فعال للتتبع سيصبح مجرد إجراء للامتثال للقواعد، بدلاً من أن يكون نظاماً فعلياً للاقتصاد الدائري.
تقف صناعة المنسوجات اليوم عند نقطة تحول حاسمة. ويمكن للمزيج المناسب من السياسات والشمول والابتكار أن ينجح أخيراً في إغلاق الحلقة ضمن حلول الاقتصاد الدائري، بما يساعد على معالجة أزمة المنسوجات وجعل صناعة الأزياء أكثر استدامة.
