- أدت موجة بيع واسعة للسندات الحكومية إلى دفع العوائد طويلة الأجل حول العالم إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
- جاءت هذه القفزة في وقت يواجه فيه المستثمرون مجموعة من المخاوف، من بينها استمرار التضخم وارتفاع مستويات الدين الحكومي.
- وفي خضم اضطرابات الأسواق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية زيادة عمليات إعادة شراء الديون، ما ساهم في خفض العوائد طويلة الأجل.
هزّت موجة بيع للسندات الحكومية خلال هذا الأسبوع أسواق السندات العالمية، ودفعت العوائد طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.
في الولايات المتحدة، تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً مستوى 5.3%، وهو أعلى معدل منذ عام 2007. كما ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، الذي يُستخدم على نطاق واسع كمؤشر اقتصادي ومالي مرجعي، إلى أكثر من 4.7%. وفي الوقت نفسه، سجلت العوائد طويلة الأجل في ألمانيا وفرنسا واليابان والمملكة المتحدة أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات.
ترتفع عوائد السندات الحكومية عندما يقوم المستثمرون ببيع السندات، ما يؤدي إلى انخفاض أسعارها. وبما أن أسعار السندات وعوائدها تتحرك في اتجاهين متعاكسين، فإن انخفاض أسعار السندات يؤدي إلى ارتفاع عوائدها، ما يعني أن المشترين الجدد يمكنهم الحصول على عائد أعلى مقارنة بالسعر الذي يدفعونه مقابل تلك السندات.
فما الذي أدى إلى موجة البيع هذه، ولماذا تُعد مهمة؟
«حجر الزاوية في النظام المالي العالمي»
لطالما شكلت السندات الحكومية، ولا سيما سندات الخزانة الأمريكية، عنصراً أساسياً في النظام المالي الدولي.
وأشار تقرير حديث للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن «أوراق الخزانة الأمريكية تُعد حجر الزاوية في النظام المالي العالمي»، مضيفاً أنها عادة ما تكون «قريبة من النقد من حيث سهولة تداولها، كما تمثل أصلاً آمناً يلجأ إليه المستثمرون والبنوك المركزية تاريخياً خلال فترات التقلب».
إلا أن الاقتصاد العالمي يواجه اليوم تحولات كبرى ورياحاً اقتصادية معاكسة متعددة أدت إلى تراجع ثقة المستثمرين في السندات الحكومية.
ويُعد التضخم أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى مستثمري السندات، إذ يكتسب أهمية خاصة لأنه يقلل القوة الشرائية للمدفوعات الثابتة التي توفرها السندات. ولذلك، عندما يعتقد المستثمرون أن التضخم قد يبقى مرتفعاً، فإنهم يطالبون بعائد أعلى لتعويضهم عن هذا الخطر.
بلغ معدل التضخم في الولايات المتحدة خلال الشهر الماضي 3.4%، وهو مستوى أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وفي المملكة المتحدة وألمانيا، بلغ معدل التضخم 2.9% و2.8% على التوالي.
وتزداد المخاوف المتعلقة بالتضخم بسبب الحرب في الشرق الأوسط والاضطرابات التي تشهدها إمدادات الطاقة العالمية، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة أسعار العديد من السلع والخدمات التي يستهلكها الأفراد. وقد حذر بنك إنجلترا مؤخراً من أن الصراع «يدفع تكاليف وقود السيارات وفواتير المرافق المنزلية إلى الارتفاع»، مضيفاً أنه «من الصعب التنبؤ بما سيحدث».
وفي اليابان، أدت المخاوف المتعلقة بالتضخم إلى ارتفاع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ ثلاثة عقود.
ويتمثل مصدر قلق آخر للمستثمرين في المستويات المرتفعة للدين الحكومي، إذ تسجل الاقتصادات المتقدمة على وجه الخصوص عجزاً مالياً كبيراً. فعلى سبيل المثال، بلغ الدين الأمريكي هذا الأسبوع مستوى هائلاً قدره 40 تريليون دولار. ويمكن للعجز المالي الكبير أن يفرض ضغوطاً تصاعدية على العوائد طويلة الأجل، لأن الحكومات تضطر إلى إصدار المزيد من الديون، وقد يطالب المستثمرون بعوائد أكبر للتعويض عن المخاطر المالية ومخاطر التضخم.
إضافة إلى ذلك، تتعرض أسواق السندات لضغوط نتيجة الارتفاع الكبير في حجم اقتراض الشركات، بما في ذلك الشركات التي تسعى إلى توفير رأس المال لمشروعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وفي الولايات المتحدة، أصدرت الشركات ما يقارب 1.7 تريليون دولار من سندات الشركات منذ بداية العام، بزيادة قدرها 27% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وأشار تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في مايو إلى أن «اقتراض الحكومات والشركات سجل مستوى قياسياً في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع مجدداً في عام 2026، حتى في ظل تراجع الطلب على الديون طويلة الأجل واتجاه آجال الاستحقاق إلى القِصر».
الحد من ارتفاع العوائد
تجعل العوائد المرتفعة على السندات الحكومية اقتراض الأموال أكثر تكلفة بالنسبة للحكومات. ويمكن أن يؤدي ذلك بدوره إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض في قطاعات أخرى من الاقتصاد، بما في ذلك قروض الرهن العقاري وقروض الشركات.
وفي خضم الاضطرابات التي تشهدها الأسواق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أنها ستضاعف على الأقل الحد الأقصى لحجم عمليات إعادة شراء الديون الحكومية طويلة الأجل، من ملياري دولار إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار. وستستمر عمليات الشراء من سبتمبر حتى نوفمبر.
وعقب الإعلان، تراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً إلى 5.19%.
وقالت وزارة الخزانة إن «هذه الزيادة في أحجام عمليات إعادة الشراء تعكس رغبة الوزارة في تقديم دعم أكبر للسيولة في قطاعات السندات الاسمية طويلة الأجل، حيث يوجد اهتمام قوي ومستمر من المشاركين في السوق».
