- تشكّل البنية التحتية المادية الأساس للعديد من العوامل الرئيسية المحركة للاقتصاد العالمي، بما في ذلك تطور الذكاء الاصطناعي، والانتقال إلى الطاقة النظيفة، وسلاسل التوريد.
- ومع ذلك، ورغم أن قطاع البيئة المبنية والبنية التحتية يمثل ما يصل إلى 13% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فإنه لا يزال يواجه صعوبة في جذب المواهب في بداية مسيرتها المهنية.
- ومن أجل فهم هذا التحدي بشكل أفضل وتحفيز العمل لمعالجته، يتعاون المنتدى الاقتصادي العالمي مع مجتمعات قطاع البيئة المبنية وغيرها من القطاعات لإطلاق مبادرة «مختبر الميل الأول» (First Mile Sandbox).
تقف البنية التحتية المادية في صميم التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، والانتقال نحو طاقة آمنة ونظيفة، وإعادة توجيه سلاسل التوريد في ظل تسارع وتيرة التشرذم الجيو-اقتصادي، إذ إنها تمثل الأساس الذي يجعل كل هذه التحولات ممكنة.
ويمثل قطاع المباني والتشييد ما بين 11% و13% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما يوفر فرص عمل لنحو شخص واحد من كل عشرة أشخاص حول العالم.
ومع ذلك، ورغم هذا الزخم، يواجه القطاع فجوة متزايدة في المواهب، إذ لا يزال يجد صعوبة في استقطاب الكفاءات في بداية مسيرتها المهنية، وهي الكفاءات التي يحتاج إليها للاستفادة من فرص النمو المتاحة أمامه.
لماذا توجد فجوة في المواهب بقطاع البيئة المبنية؟
وفقاً لما ورد في تقرير «مستقبل الوظائف 2025»، يشير 40% من أصحاب العمل في قطاع البنية التحتية إلى أن عدم قدرة القطاع على جذب المواهب يمثل أكبر عائق منفرد أمام تحول الصناعة بحلول عام 2030.
وتزداد حدة هذه المشكلة بشكل خاص فيما يتعلق بالمهارات التي تشهد طلباً مرتفعاً، مثل مهارات الذكاء الاصطناعي والمهارات الخضراء، حيث تواجه شركات القطاع منافسة قوية مع قطاعات أخرى على استقطاب أصحاب هذه الكفاءات.
ولا تقتصر التحولات في احتياجات قطاع البنية التحتية من المهارات على الذكاء الاصطناعي والمهارات الخضراء فقط، إذ يشهد القطاع تطوراً أوسع في طبيعة المهارات المطلوبة. ويعكس تزايد الطلب على مهارات مثل إدارة المواهب والتفكير التحليلي تغيراً في توقعات أصحاب العمل، وحاجة متزايدة إلى امتلاك العاملين مزيجاً من المهارات المتنوعة والمتكاملة.
وتقول إبرو أوزدمير، رئيسة مجلس إدارة شركة ليماك القابضة: «تسهم البيئة المبنية في تشكيل مستقبل كوكبنا، لكنها لا تستطيع الازدهار من دون المواهب الشابة».
وفي الوقت الذي تتغير فيه توقعات القطاع، تتغير كذلك تطلعات المواهب في بداية مسيرتها المهنية. ولذلك، فإن معالجة فجوة المواهب في القطاع تتطلب فهماً أفضل لتوقعات هذه الفئة، حتى تتمكن الشركات والمؤسسات من تحديد نقطة البداية المناسبة.
فهم دوافع وتوقعات المواهب في بداية مسيرتها المهنية
يقدم تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الرئيسي حول آراء الشباب، «نبض الشباب 2026: رؤى الجيل القادم لعالم متغير»، نقطة انطلاق مهمة لفهم هذه التوقعات. ويستند التقرير إلى آراء نحو 4,600 شاب وشابة من 489 موقعاً حول العالم، يمثلون مناطق وسياقات متنوعة.
ووفقاً للتقرير، يرى 42.7% من الشباب المشاركين أن اتساع الفجوة بين التعليم واحتياجات سوق العمل يمثل أحد أهم الاتجاهات الاقتصادية التي ستؤثر في المستقبل.
ومن بين الاتجاهات الاقتصادية الأخرى التي يرى الشباب أنها ستشكل المستقبل، زيادة فرص العمل عن بُعد والعمل المرن بنسبة 28%، وتوسع الصناعات المستدامة بنسبة 26.1%.
وعندما طُرح عليهم سؤال: «ما الذي يهمك أكثر عندما تفكر في مستقبلك المهني؟»، أشار 61.8% من المشاركين إلى أهمية الشعور بالهدف أو المعنى في العمل، بينما جاءت المرونة والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية في المرتبة التالية بنسبة 58.1%.
وقد حظيت هذه الأولويات بأهمية أكبر بكثير من الأمن الوظيفي والمالي، الذي اختاره 45.1% من المشاركين، ومن فرص التعلم والتقدم المهني التي اختارها 40%. وتشير هذه النتائج إلى أن الشباب اليوم يمنحون أهمية أكبر للمعنى والمرونة والتوافق مع قيمهم الشخصية، مقارنة بالمقاييس التقليدية للنجاح المهني.
وإلى جانب هذه الدوافع، تؤثر حالة عدم اليقين في سوق العمل على تحولات أوسع في الطريقة التي يتعامل بها الشباب في بداية مسيرتهم المهنية مع دخول سوق العمل.
وتشير بيانات حديثة من الولايات المتحدة إلى أن 42% من العاملين من الجيل «زد» يعملون حالياً أو يسعون للعمل في المهن الحرفية والمهنية التي يُطلق عليها أحياناً وظائف «الياقات الزرقاء»، ويشمل ذلك 37% من الحاصلين على درجة البكالوريوس.
وهكذا، تحاول المواهب في بداية مسيرتها المهنية التعامل مع الاتجاهات الاقتصادية الكلية والتحولات التي يشهدها سوق العمل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أولوياتها المتعلقة بالمسار المهني وبيئة العمل.
ويقول إدوين لاي، أحد أعضاء مجتمع «صنّاع العالم» الشباب: «يوفر قطاع البيئة المبنية قدراً هائلاً من الإحساس بالهدف والمعنى. لكن في كثير من الأحيان، لا يزال يتم تقديمه للشباب من خلال المهن التقليدية، بدلاً من إبراز الأهداف والمهام الكبرى التي تتيحها هذه المهن.
«إذا أراد قطاع البيئة المبنية جذب الجيل القادم، فعليه أن يبدأ بإلهام الشباب من خلال المهام والأهداف التي يمكنهم المساهمة فيها. فالشباب لا يختارون مجرد وظائف، بل يختارون المستقبل الذي يريدون المساعدة في بنائه، وقليل من القطاعات توفر فرصة أكبر من هذا القطاع للمساهمة في تشكيل ذلك المستقبل».
كيف يمكن لقطاع البيئة المبنية معالجة فجوة الجاذبية أمام المواهب؟
توفر التوقعات والأولويات التي كشف عنها استطلاع «نبض الشباب» مؤشرات مهمة حول الطريقة التي يمكن أن يبدأ بها القطاع في معالجة مشكلة ضعف جاذبيته للمواهب في بداية مسيرتها المهنية. وفي الواقع، توجد بالفعل برامج مبتكرة تعمل على تحقيق هذا الهدف.
ومن خلال مبادرة «فتيات الهندسة العالميات»، تعمل شركة ليماك القابضة على بناء مسارات عملية لمعالجة الفجوة بين الشباب في بداية مسيرتهم المهنية وفرص العمل المتاحة في القطاع.
وقد بدأت المبادرة في تركيا قبل أن تتوسع لتشمل ثماني دول، من بينها كوسوفو والمملكة العربية السعودية وإسبانيا وكوت ديفوار، وأسهمت في تمكين أكثر من 2,000 شابة في مجال الهندسة.
ومن خلال توفير المنح الدراسية وبرامج الإرشاد والتدريب، تسعى ليماك إلى تحويل هذه الطاقات الواعدة إلى قيادات مستقبلية في القطاع.
وبالعودة إلى تجربة مجتمع «صنّاع العالم» وغيره من المنظمات والمبادرات التي يقودها الشباب، يشير إدوين لاي إلى أن مبادرة «زمالة المسارات المحلية»، التابعة لشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة للشباب، تعمل على تمكين القيادات الحضرية الشابة من دفع عجلة التنمية المستدامة من خلال حلول عملية مرتبطة باحتياجات المجتمعات المحلية، وتتوافق مع الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة.
ويقول لاي: «حتى الآن، شارك أكثر من 700 زميل من أكثر من 100 مدينة في تنفيذ مبادرات متنوعة، بدءاً من معالجة الازدحام المروري في تايلاند، وتحسين خدمات الصرف الصحي وإدارة النفايات في نيجيريا، وصولاً إلى إنشاء مساحات عامة آمنة وشاملة للنساء في البرازيل. وهذا يثبت أن الشباب يرغبون بالفعل في المشاركة الفعلية في تشكيل البيئة المبنية.
«تكشف هذه المبادرات مجتمعة أن الشباب ليسوا مجرد متفرجين على الهامش، بل إنهم يعملون بالفعل على تحويل مجتمعاتهم، ومعالجة التحديات المحلية، والتأثير في السياسات الحضرية. ويتمثل التحدي الآن في ضمان أن يروي قطاع البيئة المبنية هذه القصة بشكل أوضح، وأن يخلق مسارات تتيح لعدد أكبر من الشباب رؤية مكان لهم داخل هذا القطاع».
ما الخطوة التالية لتعزيز جاهزية المواهب المبتدئة وجاذبية القطاع؟
إن ضمان حصول القطاعات التي تقود النمو العالمي على المواهب التي تحتاج إليها، والاستجابة لتغير توقعات الشباب في بداية مسيرتهم المهنية، ومعالجة الفجوة الهيكلية المتزايدة بين الطريقة التي يتم بها إعداد المواهب في بداية حياتها المهنية وبين التحولات التي تشهدها الوظائف المبتدئة، كلها تحديات تتجاوز قدرة قطاع واحد أو مؤسسة تعليمية واحدة أو منطقة واحدة على معالجتها بمفردها.
ومن أجل فهم هذا التحدي بصورة أفضل وتحفيز العمل المشترك لمعالجته، يتعاون المنتدى الاقتصادي العالمي مع مجتمعات قطاع البيئة المبنية وغيرها من القطاعات لإطلاق مبادرة «مختبر الميل الأول».
وتربط هذه المبادرة بين الجامعات وأصحاب العمل وغيرهم من الأطراف المعنية، بهدف توسيع نطاق أفضل الممارسات، وتجربة نماذج جديدة للشراكات، والاستعداد مسبقاً للضغوط المستقبلية الناتجة عن تحولات القوى العاملة وتأثيرها على المواهب في بداية مسيرتها المهنية.
والدعوة مفتوحة للجميع للمشاركة في إعادة ابتكار أساليب إعداد المواهب وتأهيلها بما يلائم احتياجات الجيل القادم.
