- في عام 2026، ستركز ثلاثة مؤتمرات معنية بتغير المناخ، والمعروفة بمؤتمرات الأطراف (COP)، على القضايا المتداخلة المتعلقة بتغير المناخ والتنوع البيولوجي والأراضي.
- يمكن لتوقيت هذه القمم أن يخلق زخماً استثنائياً لدفع العمل في مجموعة من القضايا المترابطة، إلى جانب إتاحة فرص لتعزيز التعاون وتنسيق الإجراءات بصورة أعمق بين مختلف القطاعات.
من المقرر أن تتزامن ثلاثة مؤتمرات بيئية كبرى تابعة للأمم المتحدة بشكل غير معتاد خلال عام 2026، ما يوفر فرصة مهمة لتعزيز العمل بشأن قضايا رئيسية تتعلق بتغير المناخ والتنوع البيولوجي والأراضي.
وستُعقد مؤتمرات الأطراف التابعة للأمم المتحدة بشأن المناخ والتنوع البيولوجي ومكافحة التصحر والأراضي جميعها خلال النصف الثاني من العام، في ثاني مرة فقط يحدث فيها هذا التزامن منذ عام 2020.
وتجمع هذه المؤتمرات رفيعة المستوى للعمل البيئي القادة من أجل التفاوض وتحديد السبل الكفيلة بالمضي قدماً في مواجهة أزمة المناخ. وقد أوضح آخر عام شهد انعقاد «مؤتمرات الأطراف الثلاثة» في 2024 أن تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور الأراضي قضايا لا يمكن فصلها عن بعضها، وأن قدرتنا على حماية الازدهار والاستقرار تعتمد على التصدي لها مجتمعة.
ويؤدي تكرار هذا التزامن الثلاثي بعد فترة قصيرة إلى رفع سقف التوقعات، كما سيختبر مدى قدرة العمل متعدد الأطراف وقطاع الأعمال والقطاع المالي على الانتقال بشكل حاسم من الطموحات إلى المساءلة والتنفيذ.
وتزداد الحاجة إلى سد فجوة التنفيذ إلحاحاً، إذ لم تعد آثار تغير المناخ وفقدان الطبيعة وتدهور الأراضي مجرد سيناريوهات مستقبلية، بل أصبحت صدمات واقعية تؤثر اليوم في النظم الغذائية والأمن المائي والبنية التحتية للطاقة والقدرة التنافسية الاقتصادية على المدى الطويل.
وعالمياً، أصبح نحو خُمس مساحة اليابسة على كوكب الأرض متدهوراً، ما يقوض رفاهية ما يقدر بنحو 3.2 مليار شخص. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن تؤثر موجات الجفاف في ثلاثة من كل أربعة أشخاص بحلول عام 2050، بينما تتسبب أضرار تدهور الأراضي والتصحر بالفعل في خسائر تبلغ مئات المليارات من الدولارات سنوياً.
وفي ظل هذه الظروف، تمثل مؤتمرات الأطراف فرصة لإعادة صياغة مفهوم العمل المناخي وحماية الطبيعة، بحيث لا يُنظر إليهما باعتبارهما تكاليف يجب إدارتها، بل أصولاً استراتيجية وأدوات للحد من المخاطر وتعزيز القدرة على الصمود وفتح آفاق جديدة للنمو.
ويمكن لقادة القطاع الخاص أن يؤدوا دوراً محورياً في دفع عجلة العمل، سواء من خلال المبادرات الطوعية أو عبر الضغط من أجل إصلاح السياسات الحكومية. كما يسلط توقيت هذه القمم الضوء على الترابط الوثيق بين هذه القضايا، ويوجه القادة نحو الخطوات الضرورية لتحقيق تقدم في الأهداف الرئيسية.
فهم مؤتمرات الأطراف الثلاثة واتفاقيات ريو
في عام 1992، اجتمعت الحكومات خلال قمة الأرض في ريو دي جانيرو لمناقشة التحديات المترابطة المتعلقة بالمناخ والأراضي وفقدان التنوع البيولوجي. وأسفرت هذه القمة عن ثلاثة اتفاقيات عالمية منفصلة أصبحت تعرف باسم «اتفاقيات ريو»:
- اتفاقية التنوع البيولوجي.
- اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.
وتهدف هذه الاتفاقيات إلى ضمان تكامل الجهود المتعلقة بالأراضي والمناخ والتنوع البيولوجي من أجل استعادة التوازن بين الأرض والطبيعة.
وتعمل الاتفاقيات بطريقة منسقة لتجنب تكرار الجهود وتبادل المعلومات. ورغم أن كل مؤتمر منها مستقل بذاته، فإن هناك تداخلاً كبيراً بينها، لا سيما في أهمية الحلول القائمة على الطبيعة، التي تساعد على منع تآكل التربة وتحقيق الاستقرار المناخي وحماية الحياة النباتية والحيوانية، إضافة إلى دور المجتمع في تطوير التقنيات النظيفة والمستدامة التي تقلل الانبعاثات والضغوط المسببة لفقدان التنوع البيولوجي.
مؤتمرات الأطراف: متى وأين وما الذي ينتظرنا؟
مؤتمر الأراضي
COP17 – اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر
متى: من 17 إلى 28 أغسطس 2026
ما هو: تهدف هذه القمة، التي تُعقد كل عامين، إلى مكافحة التصحر وآثار الجفاف، والوصول إلى عالم محايد من حيث تدهور الأراضي، وتنسيق الجهود لاستعادة الأراضي المتدهورة ورصد مستويات التدهور. وتستضيف أولان باتور في منغوليا قمة هذا العام.
أبرز ما يميز هذا العام: تحت شعار «استعادة الأراضي... استعادة الأمل»، سيركز COP17 على تطوير إطار عالمي للتعامل مع الجفاف، وصياغة استراتيجية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر لما بعد عام 2030 لتوجيه الأهداف المستقبلية المتعلقة باستعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود.
كما ستسعى القمة إلى زيادة التمويل المخصص لاستعادة الأراضي وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، مع تسليط الضوء على النظم البيئية للمراعي والمجتمعات التي تعتمد سبل عيشها عليها، وذلك خلال السنة الدولية للمراعي والرعاة التابعة للأمم المتحدة.
مؤتمر التنوع البيولوجي
COP17 – اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع البيولوجي
متى: من 19 إلى 30 أكتوبر 2026
ما هو: تُعقد هذه القمة كل عامين، وقد انبثقت عن اتفاقية أُقرت عام 1992، وهي توجه عملية تطوير الاتفاقية وتنفيذها. وستُعقد قمة هذا العام في يريفان بأرمينيا.
تركيز هذا العام: سيكون COP17 أول مؤتمر للأطراف بشأن التنوع البيولوجي يجري مراجعة عالمية للتقدم الجماعي المحرز في تنفيذ إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، الذي تم الاتفاق عليه خلال COP15 عام 2022.
ويتضمن الإطار تدابير ملموسة، من بينها حماية 30% من كوكب الأرض واستعادة وحماية 30% من النظم البيئية المتدهورة بحلول عام 2030.
وستقيّم قمة هذا العام مدى توافق الخطط الوطنية للتنوع البيولوجي والتزامات التمويل وأنظمة المراقبة مع الأهداف الأربعة للإطار لعام 2050 وأهدافه الـ23 لعام 2030، كما ستحدد المجالات التي تحتاج فيها السياسات والتنفيذ إلى تعزيز من أجل البقاء على المسار الصحيح.
نتائج عام 2024
وضعت قمة COP16 في كالي، إلى جانب جلساتها المستأنفة خلال عامي 2024 و2025، عدداً من الركائز الأساسية لهذه المراجعة، وهي عناصر أصبحت الآن تشكل جزءاً من جدول أعمال COP17:
- إنشاء «صندوق كالي للتقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدام معلومات التسلسل الرقمي للموارد الجينية»، وهو صندوق عالمي تساهم من خلاله الشركات التي تحقق أرباحاً من البيانات الجينية للطبيعة، مثل الشركات العاملة في مجالات الأدوية ومستحضرات التجميل والتكنولوجيا الحيوية، في حماية التنوع البيولوجي. ويُخصص ما لا يقل عن 50% من موارده للشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في المناطق الغنية بالتنوع البيولوجي.
- إنشاء هيئة فرعية دائمة معنية بالمادة 8(ي) وغيرها من الأحكام المتعلقة بالشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، بهدف ضمان إدماج مصالح هذه المجتمعات ومعارفها التقليدية وحقوقها في عملية صنع القرارات المتعلقة بالتنوع البيولوجي، اعترافاً بدورها المحوري في حماية الأراضي ومواجهة تغير المناخ.
- الاتفاق على استراتيجية لتمويل التنوع البيولوجي بهدف تعبئة ما لا يقل عن 200 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030، بما يشمل زيادة التدفقات المالية العامة الدولية إلى الدول النامية إلى 20 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2025 و30 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030، على أن تُستكمل خلال COP17 القرارات المتعلقة بآليات جمع هذه الأموال وتوزيعها.
مؤتمر المناخ
COP31 – اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المناخ
متى: من 9 إلى 20 نوفمبر 2026
ما هو: يُعقد هذا المؤتمر سنوياً منذ عام 1995، وأصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أشهر مؤتمرات الأطراف لدى الرأي العام بفضل الالتزامات الكبرى التي نتجت عنه، وعلى رأسها اتفاق باريس التاريخي الذي تم توقيعه خلال COP21، والذي يلزم الدول الموقعة بخفض انبعاثاتها.
وستستضيف مدينة أنطاليا في تركيا قمة هذا العام.
أبرز ما يميز هذا العام: ستتركز أعمال COP31 على ثلاثة مسارات رئيسية:
- أهداف خفض الانبعاثات والتنفيذ، ومدى تقدم الدول في الوفاء بمساهماتها المحددة وطنياً التي تم تعزيزها بموجب اتفاق باريس.
- تمويل المناخ، بما يشمل الوفاء بالهدف الجماعي الكمي الجديد للتمويل الذي تم تحديده خلال COP29 لصالح الدول النامية.
- التكيف والقدرة على الصمود، من خلال تعزيز قدرة الدول والمجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر على مواجهة آثار تغير المناخ.
ثلاث رسائل رئيسية يؤكدها عام مؤتمرات الأطراف الثلاثة
مع دخول عام 2026، يوجه القادة التنفيذيون للاتفاقيات الثلاث التابعة للأمم المتحدة، وهم سيمون ستيل عن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وأستريد شوماكر عن اتفاقية التنوع البيولوجي، وياسمين فؤاد عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، رسالة متسقة تركز بصورة واضحة على الاقتصاد.
ويؤكد إطارهم المشترك أن تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور الأراضي ليست سوى مظاهر مختلفة لأزمة كوكبية واحدة.
ومع اقتراب الموعد النهائي لأهداف عام 2030 بوصفه محطة حاسمة للمساءلة، يتعين على سلسلة مؤتمرات الأطراف الثلاثة أن تؤدي إلى تنفيذ ملموس، وليس مجرد إصدار إعلانات وتعهدات.
1. الانتقال من الطموح العالمي إلى التنفيذ الوطني
لم يعد تحديد الأهداف العالمية وحده معياراً للتقدم. ففي عام 2026، ينتقل التركيز إلى كيفية إدماج هذه الالتزامات في السياسات الوطنية واللوائح التنظيمية والتخطيط والاستثمار.
وقالت أستريد شوماكر، الأمينة التنفيذية لاتفاقية التنوع البيولوجي، إن التركيز يجب أن ينتقل الآن «من الالتزامات والتخطيط إلى التنفيذ المتسارع والنتائج القابلة للقياس والتقدم الحقيقي».
وسيضع COP17 في يريفان هذا التحول تحت المجهر من خلال إجراء أول تقييم شامل لإطار التنوع البيولوجي العالمي، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى تفعيل آليات تمويلية مثل صندوق كالي.
وستشكل الاستراتيجيات الوطنية للتنوع البيولوجي الاختبار العملي لقدرة الإطار على الانتقال من طموحات تم التفاوض بشأنها إلى تغييرات فعلية يمكن قياسها.
2. سد فجوة التنفيذ عبر الأنظمة المترابطة
قالت ياسمين فؤاد، الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر: «نحن لا نواجه فجوة في المعرفة، بل نواجه فجوة في التنفيذ»، وذلك خلال ترحيبها بإعلان مجموعة السبع بشأن أمن الأراضي قبل انعقاد COP17 في أولان باتور.
يشكل تدهور الأراضي واستنزاف التربة والجفاف الشديد تهديداً مباشراً للأمن الغذائي وسبل العيش في المناطق الريفية والاستقرار الإقليمي والقدرة الاقتصادية على الصمود.
وكما أشارت فؤاد، فإن استعادة الأراضي تمثل استثماراً في السلام والقدرة على الصمود والاستقرار طويل الأجل، إلا أن الاهتمام السياسي يجب أن يقترن الآن بالتمويل والشراكات الضرورية لتحقيق نتائج ملموسة.
وسيكون رأس المال الخاص والتكنولوجيا والخبرات التشغيلية عوامل حاسمة في تحويل هذا الزخم إلى برامج لاستعادة الأراضي من شأنها تعزيز سلاسل الإمداد وحماية الموارد الطبيعية وبناء قدرة طويلة الأجل على الصمود.
3. إعادة صياغة الاستدامة باعتبارها ركناً أساسياً للمرونة الاقتصادية
أكد سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أن عام 2026 يمثل «عاماً حاسماً آخر ضمن عقد حاسم للعمل المناخي».
وفي حديثه إلى وزراء المناخ قبيل COP31، أشار إلى أن الصراعات الأخيرة في الشرق الأوسط والصدمات التي شهدتها أسواق الطاقة «أشعلت أزمة في تكاليف الوقود الأحفوري»، ما يوضح أن التحول نحو الطاقة النظيفة يرتبط في جوهره بالاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة.
ولتحقيق تقدم بوتيرة أسرع مما تسمح به آليات التوافق وحدها، دعا ستيل الحكومات وقادة القطاع الخاص إلى إعطاء الأولوية لأجندة العمل والتركيز على أربع أولويات فورية لتحقيق نتائج ملموسة في الاقتصاد الحقيقي:
- الاستثمار في شبكات الكهرباء والتوسع في استخدام الكهرباء.
- خفض انبعاثات الميثان بصورة مستهدفة.
- بناء مدن قادرة على الصمود.
- حماية الأمن الغذائي.
وبالنسبة لقادة الأعمال، فإن المشاركة في سلسلة مؤتمرات الأطراف الثلاثة لعام 2026 تمثل ضرورة استراتيجية، إذ توفر إطاراً للتحوط من تقلبات أسعار الوقود الأحفوري، والانسجام مع خارطة الطريق الرامية إلى الوصول إلى 1.3 تريليون دولار من تمويل المناخ، وقيادة جهود إزالة الكربون في القطاعات المختلفة قبل فرض المتطلبات التنظيمية.
