- مع إعادة التكنولوجيا والتحولات الديموغرافية والانتقال الأخضر تشكيل الاقتصادات، أصبح الاستثمار في الشباب ضرورة اقتصادية.
- يمكن للشركات المساعدة في سد الفجوة بين التعليم والتوظيف من خلال ربط تنمية المهارات بالفرص العملية في العالم الحقيقي.
- من برامج بداية المسار المهني والتدريب على الذكاء الاصطناعي إلى الشراكات مع الجامعات، تُظهر النماذج الناشئة كيف يمكن للاستثمار في مواهب الجيل القادم أن يعزز الفرص الاقتصادية وقدرة الشركات على الصمود في آن واحد.
يعمل الذكاء الاصطناعي، والتحول المناخي، والتغير الديموغرافي، وتبدل توقعات سوق العمل على تغيير طبيعة العمل بوتيرة أسرع مما تستطيع العديد من الأنظمة التعليمية مواكبته.
وبالنسبة إلى الشباب، يخلق هذا التحول فرصاً ومخاطر في الوقت نفسه. فصناعات ومهن جديدة آخذة في الظهور، لكن المسارات المؤدية إليها غالباً ما تكون غير واضحة أو غير متكافئة أو بعيدة المنال. وفي الوقت ذاته، يواجه أصحاب العمل ضغوطاً متزايدة للعثور على المهارات والمواهب اللازمة للتعامل مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية.
ويتطلب التعامل مع هذه التحديات أكثر من مجرد تدريب الأفراد على الوظائف الشاغرة اليوم. بل يعني بناء مسارات أقوى تربط بين التعليم والمهارات والخبرة والعمل الهادف، ومنح الشباب دوراً في تشكيل مستقبل العمل.
وقد أظهرت مبادرات مثل التحالف العالمي من أجل الشباب الإمكانات التي يحملها تعاون القطاع الخاص في توسيع الفرص المتاحة للشباب. وعبر مختلف القطاعات والمناطق، تبرز مجموعة من الأساليب التي تقودها الشركات، بدءاً من التعلم الرقمي واسع النطاق وبرامج التدريب المهني، وصولاً إلى الشراكات الجامعية والتدريب داخل أماكن العمل، لتوضح كيف يمكن للشركات توسيع الفرص الاقتصادية أمام الجيل القادم، وفي الوقت نفسه تعزيز المهارات والمواهب والقدرات اللازمة لتحقيق المرونة على المدى الطويل.
الوصول إلى الملايين من خلال تنمية المهارات
يمثل تحقيق الانتشار على نطاق واسع أحد أبرز التحديات. ومع تزايد الطلب على المهارات الرقمية، يمكن للشركات أن تكمل دور التعليم الرسمي عبر إتاحة فرص التعلم لشريحة أوسع من الناس.
ويُعد برنامج SkillsBuild التابع لشركة IBM أحد الأمثلة على ذلك. فقد وصل هذا البرنامج العالمي المجاني للتعليم التكنولوجي، إلى جانب المبادرات المرتبطة به، إلى أكثر من 22 مليون متعلم، فيما التزمت IBM بتزويد 30 مليون شخص حول العالم بالمهارات اللازمة بحلول عام 2030. ويجمع البرنامج بين التعلم المجاني والشهادات الرقمية والإرشاد والخبرة العملية، وذلك من خلال المدارس والجامعات والمنظمات غير الربحية والحكومات وأصحاب العمل.
وتتبنى شركة البرمجيات SAP نهجاً مشابهاً يقوم على الانتقال من التعلم إلى كسب الدخل في الهند. ويساعد برنامجها "التعليم من أجل التوظيف" الشباب المحرومين من الفرص على تطوير المهارات الرقمية والمهنية ومهارات بيئة العمل، بالتوازي مع الحصول على شهادات تقنية من SAP، والإرشاد المهني، والمسارات المؤدية إلى التوظيف. وخلال العامين الماضيين، توسع البرنامج ليشمل 29 مؤسسة في أربع ولايات، ووصل إلى أكثر من 1,500 متعلم.
كما تعمل EY ومايكروسوفت على توسيع نطاق الوصول إلى المهارات الجاهزة للمستقبل. فقد سجل برنامج "جواز مهارات الذكاء الاصطناعي" التابع لـEY ومايكروسوفت أكثر من 100 ألف حالة إكمال من بين 200 ألف تسجيل، ويعمل في 51 دولة، ويتوفر بتسع لغات، مع خطط لإضافة خمس لغات أخرى. وأفاد أكثر من 90% من المتعلمين الذين شملهم الاستطلاع برضاهم عن الدورة وزيادة اهتمامهم بالذكاء الاصطناعي.
لكن إعداد الشباب للاقتصادات المتغيرة لا يقتصر على المهارات الرقمية. بل يتعلق أيضاً بإنشاء مسارات نحو القطاعات التي تحتاج فيها الشركات إلى المواهب، وحيث قد تؤدي الطرق التقليدية للدخول إلى سوق العمل إلى استبعاد بعض الأشخاص. ويجمع برنامج التدريب المهني الأمريكي التابع لشركة Zurich، الذي أُطلق عام 2016، بين العمل المدفوع بدوام كامل والتعليم الجامعي الذي يموله صاحب العمل. وقد وظف البرنامج أكثر من 450 متدرباً في وظائف تتراوح بين الاكتتاب ومعالجة المطالبات وتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، كما تخرج منه 251 متدرباً. وقالت سانيا كاماني، وهي متدربة في السنة الثانية لدى Zurich: "لم يساعدني التدريب المهني على بدء مسيرتي المهنية فحسب، بل ساعدني أيضاً على اكتشاف إمكاناتي."
تزويد الشباب بالمهارات اللازمة لمستقبل العمل
تختلف تحديات المهارات كذلك باختلاف القطاعات والمناطق الجغرافية. ولذلك، فإن بناء مسارات فعالة يتطلب ربط التعلم بالاحتياجات الاقتصادية المحلية وبمجالات الفرص الناشئة.
وفي قطاعي الأغذية والزراعة، يعمل برنامج THRIVE التابع لجامعة Cargill على توسيع الوصول العادل إلى الوظائف في مجالات الزراعة والعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الولايات المتحدة، من خلال المنح الدراسية والإرشاد والتوجيه المهني. ومنذ إطلاقه عام 2021، منحت Cargill أكثر من 1,100 منحة دراسية.
كما يوفر التعاون بين الجامعات والصناعة نموذجاً آخر. فمن خلال مبادرة "التحالفات الأكاديمية" التابعة لشركة Nestlé، تتعاون مؤسسة البحث والتطوير العالمية التابعة لها مع معهد أبحاث إقليمي في ست دول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ويحصل الطلاب على إمكانية المشاركة في الندوات العلمية والتعاون البحثي وبرامج التدريب والتطبيقات التكنولوجية العملية في مجالات تتراوح من الأمن الغذائي إلى الذكاء الاصطناعي.
وتجرب قطاعات أخرى طرقاً لربط الشباب مباشرة بالتحديات التي تواجهها الصناعات. فمنذ عام 1992، أشرك برنامج L’Oréal Brandstorm أكثر من مليون شاب حول العالم، بما في ذلك أكثر من 380 ألف تسجيل من 64 دولة في عام 2026. ويعمل المشاركون مع مرشدين من قطاع الأعمال لتطوير حلول لتحديات تجارية حقيقية، فيما تحصل الفرق الفائزة على فرص إضافية للتطوير المهني، من بينها مهمة لمدة ثلاثة أشهر في مقر L’Oréal Luxe في باريس.
ومن المهم بالقدر نفسه ضمان وصول هذه الفرص إلى الشباب الذين يواجهون عوائق أمام التعليم والتوظيف. ويعمل برنامج "تعليم الشباب وريادة الأعمال" التابع لشركة Schneider Electric، بدعم من مؤسسة Schneider Electric، في أكثر من 60 دولة، وقد درب أكثر من مليون شاب في مجال إدارة الطاقة. وتشمل أمثلته التدريب على الطاقة المتجددة للمجتمعات النازحة في كوكس بازار في بنغلاديش، ومنصات تدريب متنقلة داخل السجون البرازيلية، إلى جانب دعم ريادة الأعمال في قطاع الطاقة عبر منطقة الساحل الأفريقي.
التعلم في مكان العمل كمسار نحو التوظيف
لا تضمن المهارات وحدها الوصول إلى الوظائف. فالشباب يحتاجون أيضاً إلى فرص لتطبيق ما تعلموه، وبناء شبكات مهنية، واكتساب الخبرة التي يطلبها أصحاب العمل في كثير من الأحيان حتى لشغل الوظائف المخصصة للمبتدئين.
وتقدم شركة إدارة المرافق ISS نموذجاً للتعلم القائم على مكان العمل. ففي المملكة المتحدة، دعمت الشركة أكثر من 60 شاباً في برامج تدريب عملي خلال العام الماضي من خلال مشروع Project Search. وفي مستشفى Hairmyres، أكمل سبعة شباب برامج التدريب العملي، وتمكن أربعة منهم لاحقاً من الحصول على وظائف لدى ISS.
وفي مختلف القطاعات، يعمل أصحاب العمل أيضاً على فتح الأبواب أمام الشباب لدخول صناعات قد يصعب الوصول إليها بطرق أخرى. فمنذ عام 2012، يستضيف مكتب White & Case في لندن برنامجاً لمهارات التوظيف يستهدف 25 طالباً تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً ممن قد يواجهون عوائق تحول دون دخولهم مهنة المحاماة. كما يقدم برنامج Open Apprenticeship التابع لمجموعة Publicis تعلماً مجانياً، ومهام فعلية مرتبطة بعملاء حقيقيين، وإرشاداً لمساعدة الشباب على استكشاف المسارات المهنية في التسويق والإعلام والإبداع والبيانات والتكنولوجيا.
وفي قطاع التصنيع، تهدف مبادرة SmartStart التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، بالشراكة مع شركات من بينها Rockwell Automation، إلى إعداد مليون شاب للعمل في مجالات التصنيع وسلاسل الإمداد بحلول عام 2035، في وقت قد يشهد فيه القطاع بقاء 7.8 ملايين وظيفة شاغرة بسبب نقص الكفاءات. وفي إطار المبادرة، تستضيف The Do بالتعاون مع مجتمع Global Shapers مدرسة صيفية تربط 50 شاباً بالمهارات والمسارات المهنية المتاحة في القطاع.
توسيع نطاق التأثير من خلال العمل الجماعي
تشير هذه الأمثلة مجتمعة إلى درس بسيط: الحجم مهم، لكن الوصول إلى الفرص والنتائج المحققة مهمان أيضاً. فالتدريب وحده لا يكفي. يحتاج الشباب إلى فرص لتحويل ما تعلموه إلى خبرة وعمل ذي معنى. وبالنسبة إلى الشركات، فإن توفير هذه الفرص لا يمثل استثماراً في الجيل القادم فحسب، بل هو أيضاً استثمار في المواهب والابتكار والمرونة اللازمة لتحقيق النجاح على المدى الطويل.
وقال سيباستيان باكوب، المدير الإداري في المنتدى الاقتصادي العالمي: "في الوقت الذي تتعامل فيه الشركات مع الاضطرابات التكنولوجية، والتحول المناخي، والتغير الديموغرافي، لا يمكن اعتبار الاستثمار في الشباب قضية جانبية. بل إنه عنصر أساسي في تعزيز القدرة التنافسية وتحقيق الازدهار المشترك. وستكون الشركات التي تنشئ اليوم مسارات تربط التعلم بسبل كسب العيش في وضع أفضل للمساهمة في تشكيل صناعات أكثر مرونة، واقتصادات أكثر شمولاً، وقوة عاملة مستقبلية جاهزة للقيادة."
