عندما رفضت رئيسة الوزراء النيوزيلندية السابقة والناشطة جاسيندا أرديرن فكرة أن التعاطف يجعل القائد ضعيفًا، كانت تشير إلى مفارقة تعرفها كثير من النساء جيدًا. فالمرأة في موقع القيادة يُتوقع منها غالبًا أن تكون حاسمة، ولكن من دون أن تكون شديدة الحزم، وأن تكون مهتمة بالآخرين ولكن من دون أن تبدو لينة أكثر من اللازم، وأن تكون واثقة من نفسها ولكن من دون أن تصبح صعبة المراس.
غير أن العالم الذي نعيش فيه اليوم يتشكل بفعل الاحتراق الوظيفي، والاستقطاب، وعدم المساواة، وتراجع الثقة بالمؤسسات. وفي ظل هذه الظروف، يبدو النموذج القديم للقيادة، الذي يربط القوة بالصرامة ويتعامل مع التعاطف واللين باعتبارهما نقيضين لها، نموذجًا متجاوزًا.
فهل تستطيع المرأة أن تقود بقلبها وعقلها في الوقت نفسه؟
الإجابة نعم. وربما يكون هذا تحديدًا هو النوع من القيادة الذي تحتاج إليه مؤسساتنا اليوم.
فالقيادة الرحيمة لا تعني أن يكون القائد «لطيفًا» فحسب. إنها تعني أن يلاحظ معاناة الآخرين، ويفهم ما يحتاجون إليه، ويتخذ خطوات من شأنها الحد من الضرر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأداء والمساءلة والاتجاه الواضح.
إنها مقاربة قيادية تحولية تقوم على التعاطف والفهم والقدرة على الصمود، وتتجاوز أهميتها حدود النقاشات المتخصصة حول القيادة. وتظهر الأبحاث التي أجراها مشروع «بروجيكت بُوتِنشال» وشملت نحو 500 مؤسسة في قرابة 100 دولة، أن 55% من القيادات النسائية صُنفت من جانب أتباعها على أنها تجمع بين الحكمة والرحمة، مقارنة بـ27% من القيادات الرجالية، في حين حصل 56% من الرجال على تقييمات ضعيفة في البعدين معًا.
لكن المقصود هنا ليس أن الرحمة صفة خاصة بالنساء أو أنها غائبة عن الرجال. الفكرة هي أن صفات لطالما جرى التعامل معها باعتبارها ثانوية في القيادة قد تكون في الواقع عناصر أساسية للقيادة الجيدة، خصوصًا في الأوقات المعقدة.
لماذا تُعد الرحمة مصدر قوة للقيادة؟
يمكن فهم ذلك بصورة مفيدة من خلال مفهوم الذكاء العاطفي.
فالذكاء العاطفي لا يعني مجرد امتلاك حساسية تجاه مشاعر الآخرين. إنه القدرة على الوعي بالذات، وتنظيم المشاعر، وقراءة المواقف الاجتماعية، والاستجابة للآخرين بحكمة واهتمام.
وعمليًا، يساعد الذكاء العاطفي القادة على ملاحظة ما يحدث خلف المظاهر السطحية. فمن خلاله يستطيع القائد أن يلاحظ من بدأ يفقد اهتمامه، ومن أصبح مثقلًا بالأعباء، ومن يجري استبعاده، وما نوع الاستجابة التي يمكن أن تساعد الفريق على التقدم من دون التسبب في أضرار غير ضرورية.
وتبدأ القيادة الرحيمة بأربع خطوات مترابطة: الملاحظة، والتواصل، والفهم، ثم التصرف.
أي أن على القائد أن ينتبه أولًا لما يحدث، ثم أن يهتم بما يكفي للانخراط مع الآخرين، ثم أن يفهم ما يحتاجون إليه، وأخيرًا أن يتخذ خطوة ذات معنى لمعالجة الأمر.
وهذا مهم لأن الرحمة ليست مجرد شعور. إنها ممارسة واعية ومنضبطة.
وتزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى النساء، لأنهن غالبًا ما يخضن تجربة القيادة تحت رقابة أشد. فكثير منهن يواجهن توقعات متناقضة، ويتحملن أعباء عاطفية غير مرئية، مثل تهدئة التوترات باستمرار، ودعم الآخرين، وامتصاص آثار النزاعات، وإثبات كفاءتهن مرارًا وتكرارًا.
وفي مثل هذه الظروف، لا يعود الذكاء العاطفي مجرد إضافة لطيفة إلى مهارات القيادة، بل يصبح موردًا يساعد المرأة على الاستمرار، وأصلًا حقيقيًا من أصول القيادة الفعالة.
واستنادًا إلى مفهوم الرحمة الواعية، يصف وادينغتون ثلاثة أنظمة لتنظيم المشاعر: التهديد، والدافع، والتهدئة والانتماء.
ينتج نظام التهديد مشاعر الخوف والقلق والدفاع عن النفس. ويدفع نظام الدافع الإنسان نحو الإنجاز والسرعة والمنافسة. أما نظام الانتماء فيدعم التواصل والشعور بالأمان والرضا.
وغالبًا ما تكافئ بيئات العمل الحديثة نظامي التهديد والدافع بصورة مفرطة، بينما تهمل نظام الانتماء.
والنتيجة هي مؤسسات قد تبدو منتجة من الخارج، لكنها تكون في الداخل قاسية وهشة ومستنزفة عاطفيًا.
وتساعد القيادة الرحيمة على إعادة التوازن.
فهي لا تتجنب القرارات الصعبة، وإنما تتخذها مع وعي أشمل بعواقبها الإنسانية. وهذا يعني ألا ينظر القائد إلى النتائج التنظيمية وحدها، بل أن يفكر أيضًا في الطريقة التي تؤثر بها قراراته في رفاه الموظفين، وعلاقاتهم، وقدرتهم على الاستمرار والازدهار.
ولهذا السبب، لا ينبغي الخلط بين الرحمة والضعف. فالرحمة غالبًا هي ما يجعل القيادة قابلة للاستمرار على المدى الطويل.
«كينتسوغي» وقوة عدم الكمال
هناك منظور آخر يمكن أن يساعدنا على فهم هذا النوع من القيادة، وهو «كينتسوغي»، وهي فلسفة وفن ياباني يقوم على إصلاح الفخار المكسور باستخدام الذهب.
فبدلًا من إخفاء الشقوق، يحتفي «كينتسوغي» بها. فهو ينظر إلى آثار الكسر باعتبارها جزءًا من تاريخ القطعة، وليس دليلًا على أنها فقدت قيمتها.
وبالنسبة إلى النساء في مواقع القيادة، تقدم هذه الفلسفة استعارة قوية للغاية.
فلا تزال نساء كثيرات مطالبات بإظهار صورة من الكمال الدائم: أن يكن متماسكًا دائمًا، وقادرات دائمًا، ومسيطرات دائمًا على مشاعرهن، وألا يظهرن أي تردد أو عدم يقين.
لكن هذا النوع من الكمال غالبًا ما يكون هشًا.
فهو لا يترك مساحة كبيرة للتأمل، أو التعلم، أو إصلاح الأخطاء، أو الصراحة.
ويقدم «كينتسوغي» تصورًا مختلفًا للقوة. فهو يشير إلى أن التجربة، بما فيها التجارب المؤلمة، يمكن أن تعمق القيادة بدلًا من أن تنتقص منها.
ويتقاطع هذا التصور بصورة وثيقة مع ما كتبته برينيه براون حول «هدايا عدم الكمال». فقد ساعدت أعمالها على تغيير النظرة العامة إلى الضعف الإنساني، بحيث لم يعد يُنظر إليه باعتباره علامة على العجز، بل أصبح مرتبطًا بالشجاعة والتواصل والأصالة.
وهذا مهم بصورة خاصة للنساء في مواقع القيادة، لأنه يفتح المجال أمام ممارسة السلطة من دون الحاجة إلى إظهار حصانة مطلقة أمام الألم أو الفشل.
فالقيادة لا تحتاج إلى أن تقوم على ادعاء عدم التأثر بأي شيء. يمكن أن تقوم بدلًا من ذلك على النزاهة، ومعرفة الذات، والشجاعة في بناء العلاقات.
وهذا لا يعني الاحتفاء بالمحن لمجرد أنها محن.
فالعوائق البنيوية، والتمييز على أساس الجنس، والإقصاء، والاحتراق الوظيفي ليست هدايا.
لكن كثيرًا من النساء يجدن أنفسهن يقُدن وسط شقوق وتجارب مؤلمة، سواء بسبب الإقصاء، أو التحيز، أو أعباء الرعاية، أو الانتكاسات المهنية، أو العزلة، أو الهجرة، أو التحديات الصحية، أو مجرد الإحساس المستمر بأنهن لا ينتمين تمامًا إلى القالب المتوقع منهن.
وعندما يجري التأمل في هذه التجارب بدلًا من دفنها أو تجاهلها، يمكن لها أن تعزز القدرة على ملاحظة الاحتياجات غير الملباة لدى الآخرين.
وهنا تصبح الرحمة تجاه الذات أمرًا أساسيًا.
وتستند أعمال وادينغتون إلى أبحاث نيف وغيرمر في وصف الرحمة تجاه الذات بأنها تقوم على ثلاثة عناصر: اللطف مع الذات، والإحساس بالإنسانية المشتركة، واليقظة الذهنية.
والفكرة الأساسية هي أن الرحمة تجاه الذات ليست تدليلًا للنفس أو استسلامًا لها. إنها ما يسمح للإنسان بالاعتراف بألمه من دون أن يغرق فيه.
كما أنها تضع الأساس للتعامل مع الآخرين برحمة بطريقة صادقة وقابلة للاستمرار.
فكر في الطريقة التي ستعامل بها صديقًا يمر بظرف صعب. ثم اسأل نفسك: كيف تتحدث إلى نفسك عندما تمر بالظرف نفسه؟
إن الاهتمام بالنفس ليس «تدليلًا للذات»، بل هو «حفاظ على الذات».
وهذا مهم لأن كثيرًا من النساء في مواقع القيادة نشأن اجتماعيًا على تحمل أكثر مما ينبغي، وتقديم المزيد للآخرين، ومراجعة أنفسهن وتصحيح أخطائهن بصورة مفرطة.
ويأتي «كينتسوغي» ليقول لهن إن عدم الكمال لا يعني عدم الأهلية.
بل إن ما تعرض للكسر ثم جرى إصلاحه قد يحمل نوعًا مختلفًا وأعمق من الحكمة.
القيادة الرحيمة مسؤولية مشتركة
لكن هناك حدودًا لما يمكن أن يتحمله القادة الأفراد بمفردهم.
فالقيادة الرحيمة والشاملة لا يمكن أن تعتمد فقط على حسن نية القائد أو صفاته الشخصية. بل يجب أن تُبنى بصورة مشتركة من خلال الثقافة المؤسسية، والهياكل التنظيمية، والأنظمة، والممارسات التي يتشاركها الجميع.
ويرى باولو فريري أن التمكين يبدأ بالوعي النقدي، أي أن يدرك الإنسان أن الصعوبات التي يواجهها ليست بالضرورة نتيجة قصور شخصي، وإنما قد تكون متجذرة في الهياكل والأنظمة المحيطة به.
وهذه الفكرة شديدة الأهمية هنا.
فكثيرًا ما يُطلب من النساء أن يصبحن أكثر قدرة على الصمود، في حين تظل الأنظمة المحيطة بهن متحيزة أو استغلالية أو إقصائية.
لكن القيادة الرحيمة لا ينبغي أن تعني مطالبة النساء بحمل ثقافات مؤسسية مختلة بطريقة أكثر أناقة.
بل ينبغي أن تعني تغيير الظروف التي تحدث فيها القيادة من الأساس.
ويمكن تحقيق ذلك عمليًا من خلال عدد من الخطوات.
أولًا، تحتاج المؤسسات إلى تقدير الرحمة تجاه الذات والتعافي، لا الصمود والتحمل وحدهما. ويرتبط ذلك بالقدرة على الصمود وتنظيم المشاعر والتعافي من الأذى، ولا سيما في مواجهة التمييز.
ثانيًا، يحتاج القادة إلى تطوير قدرتهم على ملاحظة ما يجري تجاهله عادة، مثل العمل غير المرئي، والإقصاء داخل الاجتماعات، والافتراضات المتحيزة، والأنظمة التي تبدو محايدة ظاهريًا لكنها تنتج نتائج غير متكافئة.
ثالثًا، تحتاج المؤسسات إلى تشجيع الحوارات الشجاعة والرحيمة، بحيث يستطيع الناس التحدث عن المشكلات الحقيقية من دون خوف من العقاب أو الوصم.
رابعًا، تحتاج الأنظمة نفسها إلى إعادة التصميم. فإذا استمرت أماكن العمل في مكافأة السرعة، والعمل المفرط، وإدارة الصورة، والمنافسة قبل أي شيء آخر، فستظل القيادة الرحيمة مجرد صفة يُشاد بها نظريًا، بينما يُعاقب القادة عليها عمليًا عندما يحاولون تطبيقها.
إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المرأة قادرة على القيادة بقلبها وعقلها معًا.
إنها تفعل ذلك بالفعل.
والسؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل مؤسساتنا مستعدة للاعتراف بأن هذا النوع من القيادة ليس شكلًا أكثر ليونة من القيادة، بل قد يكون شكلًا أقوى وأكثر قدرة على الاستجابة للمستقبل؟
ففي عالم يزداد تعقيدًا، لا تكفي القيادة التي تعرف كيف تحقق النتائج.
نحن بحاجة أيضًا إلى قيادة تعرف كيف تحافظ على البشر الذين يحققون تلك النتائج.
وهنا لا تصبح الرحمة نقيضًا للحزم، ولا يصبح التعاطف عدوًا للمساءلة، ولا تعود الإنسانية عائقًا أمام الأداء.
بل تصبح جميعها جزءًا من تعريف أكثر نضجًا للقوة القيادية، قوة تستطيع أن تحقق النتائج، وأن تتحمل التعقيد، وأن تبني الثقة، وأن تتيح للآخرين فرصة النمو والازدهار في الوقت نفسه.
