هل تشعر أنك الشخص نفسه في فبراير كما أنت في يونيو؟ بالنسبة إلى معظم الناس، الإجابة هي لا، وبفارق واضح.
فخلال فصل الشتاء، تميل مستويات طاقتك إلى الانخفاض، ويتأثر جهازك المناعي، وقد تصبح أقل ميلًا إلى الاختلاط بالآخرين. كما تظهر الأبحاث أن الناس يكونون أقل التزامًا بممارسة التمارين الرياضية بانتظام خلال الشتاء.
في المقابل، قد تجعلك الأيام الأطول في الربيع تشعر وكأنك تستعيد حيويتك وتستيقظ من جديد، بينما تشير الدراسات إلى أن الصيف هو الفصل الذي يكون فيه الناس أكثر نشاطًا وتواصلًا اجتماعيًا.
وبالطبع، تختلف الصورة أيضًا باختلاف المكان الذي تعيش فيه. فما تشعر به من طاقة في فبراير أو يونيو قد يكون مختلفًا تمامًا عما يشعر به أفراد عائلتك وزملاؤك الموجودون في النصف الآخر من الكرة الأرضية.
وبوصفي باحثًا في علم السلوك، أمضيت عقدًا من الزمن في دراسة الكيفية التي يتفاعل بها الدماغ والجسم والسلوك ويؤثر كل منها في الآخر. وقد تناول عملي كيفية الاستفادة من التكنولوجيا في قياس هذه الروابط وتعزيزها من أجل تحسين الصحة، سواء من خلال تتبع النشاط البدني باستخدام الأجهزة القابلة للارتداء، أو تقديم تدريبات اليقظة الذهنية عبر تطبيقات الهواتف المحمولة.
ومع أن هذه الأساليب يمكن أن تكون فعالة للغاية، فإنني أعتقد أن معظم الأبحاث لا تأخذ في الحسبان بما يكفي تأثير الفصول وغيرها من الدورات والإيقاعات التي يخضع لها جسم الإنسان.
قد تتوقع أن تظل إنتاجيتك ومزاجك ثابتين بغض النظر عن الظروف المحيطة بك، لكن الحقيقة أن هذه الإيقاعات تؤثر في قدرتك على التعامل مع الضغوط التي تواجهها في حياتك، سواء كانت مرتبطة بتربية الأطفال، أو المخاوف الصحية، أو مواعيد العمل النهائية، أو حتى مجرد مضايقات يومية بسيطة مثل الازدحام المروري.
إيقاعات تؤثر في قدرتنا على التعامل مع الضغوط والصمود أمامها
تتأثر قدرتنا على الصمود أمام الضغوط بعدد من العمليات الدورية التي تمتد من الآليات الفردية على المستوى الخلوي إلى الدورة العامة للفصول.
والأهم أن هذه الإيقاعات لا تعمل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، بل تتراكم وتتفاعل فيما بينها. ولذلك، فإن القدرة على الصمود ليست حالة ثابتة يمتلكها الإنسان أو يفتقر إليها، وإنما هي أقرب إلى حالة من التوازن المتغير باستمرار بين القدرات النفسية والجسدية للفرد وبين المطالب والضغوط المفروضة عليه.
وعلى المستوى الفردي، تخضع قدرة الجسم لطائفة من الساعات الداخلية. وهي عبارة عن حلقات معقدة من التغذية الراجعة تحركها آليات فسيولوجية للإشارات، مثل الهرمونات والناقلات العصبية، وتحدد إيقاعاتنا اليومية، فيما يعمل ما يمكن وصفه بالساعة الرئيسية للجسم على تنسيق هذه الساعات معًا.
ومن الساعات البيولوجية التي تؤثر في حياتك اليومية إيقاع النوم واليقظة، أو ما يعرف بالإيقاع اليومي، إلى جانب النمط الزمني لجسمك، أي التوقيت الطبيعي الذي يميل إليه جسمك في النوم والاستيقاظ والنشاط. ولهذا السبب نجد أشخاصًا يميلون بطبيعتهم إلى الاستيقاظ مبكرًا، بينما يفضل آخرون السهر والاستيقاظ في وقت متأخر.
وهناك إيقاعات جسدية أبطأ أيضًا، مثل الدورة التناسلية لدى النساء، يمكن أن تؤثر بدورها في مستويات الطاقة والاستعداد الجسدي والمزاج.
ولا تقتصر الإيقاعات المؤثرة في حياتنا على أجسامنا. فقد اتفقت المجتمعات البشرية على عدد من المواعيد والإيقاعات الجماعية التي تساعد في تنظيم الحياة اليومية. وتشمل هذه الإيقاعات الفصول الدراسية والإجازات التي تتخللها، وفترات ضغط العمل التي تتزامن مثلًا مع نهاية الأرباع المالية.
كما أن لكل دولة عطلاتها ومناسباتها واحتفالاتها التي يشارك فيها عدد كبير من الناس، بل إن معظم المجتمعات تتفق حتى على مواعيد نهائية اعتباطية إلى حد ما، مثل الموعد المحدد لتقديم الإقرارات الضريبية.
ويمكن لهذه الإيقاعات أن تغير فجأة حجم المطالب الموضوعة على عاتق الناس. فقد يكون الأطفال في سن الدراسة مثلًا في إجازة، في حين يظل آباؤهم مطالبين بالعمل بالوتيرة نفسها.
كما يمكن للفصول أن تفرض تغييرات كبيرة في البيئة ونمط الحياة، بل وحتى في بعض الجوانب الفسيولوجية للجسم.
فدرجات الحرارة، والطقس، وكمية ضوء النهار التي يتعرض لها الإنسان، كلها عوامل مهمة تؤثر في مستويات الطاقة، ومصادر الغذاء المتاحة موسميًا، والأماكن التي يستطيع الناس الوصول إليها لممارسة الأنشطة الترفيهية أو الاجتماعية.
كما تختلف التأثيرات الموسمية في المزاج والجوانب البيولوجية اختلافًا كبيرًا بحسب مدى قرب الشخص من خط الاستواء أو بعده عنه.
وعندما تتفاعل هذه الإيقاعات مع بعضها، فقد تجد نفسك مثلًا أمام فترة ضغط شديد في العمل بسبب نهاية الربع المالي، بالتزامن مع أيام الشتاء الباردة والمظلمة.
في مثل هذه الظروف، يمكن أن تجتمع زيادة الضغوط مع انخفاض القدرة على التحمل، فتجد نفسك أمام فترة يرتفع فيها مستوى التوتر وتنخفض فيها قدرتك على الأداء.
تحدٍ جديد أمام فرق العمل العالمية
مع انتشار العمل الهجين والعمل عن بُعد منذ جائحة كوفيد 19، أصبحت الشركات تعتمد بصورة متزايدة على التعاون بين الموظفين الموجودين في دول ومناطق مختلفة من العالم. وأصبحت نحو واحدة من كل ثلاث اجتماعات تضم مشاركين موجودين في مناطق زمنية متعددة.
ومع أن وجود قوة عاملة عالمية يوفر مزايا كثيرة، فإنه يخلق أيضًا تحديات فريدة أمام أداء المؤسسات وقدرتها على الصمود.
فقد يعمل عدد من الأشخاص بصورة منتظمة مع زملاء يعيشون في ظروف موسمية وإقليمية مختلفة تمامًا.
قد يكون أعضاء الفريق الموجودون في باريس مثلًا في منتصف موجة حر تجعلهم يشعرون بالخمول بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بينما يعيش زملاؤهم في سانتياغو في تشيلي أجواء الشتاء وتأثيراته، في حين يشعر أعضاء الفريق الموجودون في كالغاري بكندا بطاقة أكبر بفضل درجات الحرارة المعتدلة وأيام الصيف الطويلة.
وهكذا، فإن التغيرات الموسمية في مستوى التوتر والقدرة على الصمود لها آثار مباشرة في رفاه فرق العمل العالمية وأدائها، رغم أن القيادات نادرًا ما تأخذ هذه العوامل في الحسبان عند إدارة فرقها.
ومن الخطوات العملية التي يمكن للفرق اتخاذها جعل الحديث عن التوتر، والطاقة المتاحة خلال المواسم المختلفة، وإدارة أعباء العمل أمرًا طبيعيًا ومقبولًا.
فقد أظهر استطلاع أُجري عام 2024 وشمل نحو 28 ألف موظف في 16 دولة أن الموظفين يكونون أكثر سعادة وأقل ميلًا بكثير إلى ترك وظائفهم عندما يعمل القادة على خلق ثقافة يشعر فيها الموظفون بالأمان النفسي.
ووجد الاستطلاع أن الموظفين الذين يشعرون بأقل قدر من الارتياح عند طرح موضوعات مثل حجم أعباء العمل، والصحة النفسية، والتقلبات في الإنتاجية، تزيد احتمالية تركهم وظائفهم بنحو 10% مقارنة بالموظفين الأكثر ارتياحًا في الحديث عن هذه الموضوعات.
ويمكن للفرق أيضًا تنسيق جهودها عبر القارات والإيقاعات المختلفة من خلال توفير أدوات تساعد الموظفين على متابعة مستويات التوتر بصورة منتظمة، مثل الأجهزة القابلة للارتداء أو تطبيقات الهاتف التي تتيح تتبع الحالة المزاجية.
كما يمكن حماية جزء من وقت الموظف ليخصصه للتطوير الشخصي واستعادة طاقته.
يساعد هذا النهج على بناء القدرة على الصمود بصورة استباقية، وعلى الحد من التوتر على مدار العام، كما يسهم في تطوير مهارة أسميها، مع زملائي، «الذكاء في التعامل مع الضغوط».
كيف تبني قدرة على الصمود تتناغم مع إيقاعات حياتك؟
إن الحفاظ على القدرة على الصمود في مواجهة تغير المطالب وتغير طاقتنا المتاحة ليس مهمة ننجزها مرة واحدة، بل هو عملية مستمرة من الموازنة، سواء بالنسبة إلى الأفراد أو فرق العمل العالمية.
واستنادًا إلى أحدث الأدلة العلمية، أقترح ثلاث خطوات يمكن أن تساعدك على بناء هذه القدرة والحفاظ عليها.
أولًا: تقبّل الإيقاعات المختلفة
ابدأ بالاعتراف بأن التقلبات التي تحدث في هذه الإيقاعات كلها أمر طبيعي.
فمجرد إدراكك لذلك يمكن أن يساعدك على إعادة تفسير فترات الضغط الصحي على أنها فرص لتعزيز التركيز والإنتاجية، وعلى النظر إلى الفترات التي تنخفض فيها قدرتك على التحمل باعتبارها فترات مهمة للراحة والحفاظ على أداء مستدام.
وتدعم هذه الفكرة مجموعة كبيرة من الأدلة المستمدة من علم نفس العقلية، وهو المجال الذي يدرس الطريقة التي تؤثر بها نظرتنا إلى العالم في إدراكنا وسلوكنا وحتى استجاباتنا الفسيولوجية.
ويمكنك أيضًا أن ترسم خريطة للإيقاعات التي تؤثر فيك على المستويات المختلفة، من المستوى الفردي إلى المستوى الاجتماعي ثم مستوى البيئة والكوكب، وأن تتأمل في الأفكار والمعتقدات التي تحملها تجاه كل منها.
كما أوصي بالاطلاع على مصادر تستند إلى الأدلة العلمية، مثل كتاب «كيف تقضي فصل الشتاء»، وأداة «إعادة التفكير في التوتر» الإلكترونية التي طورتها جامعة ستانفورد.
ثانيًا: انسجم معها
حاول، حيثما أمكن، أن تنظم حياتك وعملك بطريقة تتوافق مع إيقاعاتك الطبيعية بدلًا من مقاومتها.
قد يعني ذلك أن تقدم موعد نومك بنصف ساعة خلال أشهر الشتاء حتى تحصل على قدر أكبر من النوم، أو أن تجعل نسبة أكبر من تمارينك الرياضية منخفضة الشدة حتى تظل خطتك الرياضية واقعية وقابلة للاستمرار.
وفي بيئة العمل، يمكنك تخصيص الأوقات التي تتوافق بصورة أفضل مع نمطك الزمني، أي الأوقات التي تكون فيها في أعلى مستويات التركيز واليقظة، للمهام التي تتطلب أكبر قدر من الانتباه الذهني.
ويمكنك أيضًا أن تخطط لعطلة نهاية أسبوع طويلة في توقيت مدروس، بحيث تمنح نفسك فرصة لاستعادة طاقتك بعد نهاية ربع عمل شديد الانشغال.
ثالثًا: تكيّف
ستواجه حتمًا مواقف لا يمكنك فيها تعديل الظروف بما يتناسب مع إيقاعاتك.
قد يكون الموعد النهائي محددًا ولا يمكن تغييره، أو قد يكون الوقت الوحيد المتاح لاجتماع معين غير مناسب لدورة نومك ويقظتك.
وأفضل طريقة للاستعداد لمثل هذه الحالات هي بناء هامش من القدرة على الصمود من خلال عادات صحية، مثل الحصول على قدر كافٍ من النوم، واتباع نظام غذائي متنوع وطازج، وممارسة الرياضة بانتظام.
ومن المفيد أيضًا أن تمتلك في أدواتك الشخصية مجموعة من الاستراتيجيات الأكثر تحديدًا لتنظيم التوتر، مثل تدريبات اليقظة الذهنية.
وإذا كنت بحاجة إلى استعادة توازنك بسرعة، فقد يكون تمرين بسيط لا يتجاوز دقيقتين كافيًا لمنحك بعض الراحة الفورية. ويمكن أن يشمل ذلك تمرين التنفس المعروف باسم «تنفس الصندوق»، أو مجرد استحضار ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان لوجودها في حياتك.
إذن، هل أنت الشخص نفسه في فبراير الذي تكونه في يونيو؟
على الأرجح لا.
وهذا ليس عيبًا يحتاج إلى إصلاح، بل إيقاع طبيعي ينبغي أن تتعلم كيف تتعامل معه.
فعندما تتوقف عن النظر إلى القدرة على الصمود باعتبارها حالة ثابتة يجب الحفاظ عليها طوال الوقت، قد تتوقف أيضًا عن الشعور بالدهشة عندما تمر بفترات تنخفض فيها طاقتك وقدرتك على الأداء.
وقد تصبح أكثر قدرة على فهم التقلبات نفسها لدى الأشخاص من حولك، بدلًا من اعتبارها مشكلة ينبغي التخلص منها.
والأهم أنك قد تبدأ في التعامل مع هذه الإيقاعات بوصفها جزءًا طبيعيًا من الحياة والعمل، وأن تتعلم كيف تعمل معها بدلًا من أن تستنزف طاقتك في مقاومتها.
