القائمة الرئيسية

العمل عن بُعد يهدد فرص التعلم للشباب

العمل عن بُعد يهدد فرص التعلم للشباب
ملخص المقال

أتاحت أنماط العمل عن بُعد والهجين قدرًا أكبر من المرونة والاستقلالية، لكنها قد تفرض تكلفة خفية على الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية، لأن جزءًا مهمًا من التطور المهني يحدث بصورة غير رسمية من خلال مراقبة الزملاء ذوي الخبرة، وطرح الأسئلة العفوية، وتلقي الملاحظات، وبناء العلاقات والشبكات المهنية، وهي أمور يصعب نقلها بالكامل إلى بيئة العمل عن بُعد؛ وتشير الأدلة إلى أن الموظفين الأصغر سنًا والأقل خبرة يستفيدون بصورة أكبر من القرب الجسدي، بينما أصبح أصحاب العمل أكثر ميلًا إلى توظيف ذوي الخبرة في الوظائف القابلة للعمل عن بُعد، ما قد يحرم الشباب من فرص اكتساب الخبرة التي يُطلب منهم امتلاكها أصلًا. كما أن العمل عن بُعد قد يجعل التعاون أكثر انغلاقًا داخل الدوائر القائمة، ويقلل وصول الموظفين الجدد إلى المعرفة والعلاقات والفرص غير الرسمية، وهي خسائر يصعب على المؤسسات قياسها لأنها لا تظهر في مؤشرات الأداء التقليدية. لذلك لا يكمن الحل في العودة الشاملة إلى المكتب، بل في إعادة تصميم العمل الهجين بحيث يجمع بين المرونة والتعلم، عبر تحديد الأنشطة التي تستفيد من الحضور، وتوفير التوجيه والملاحظات والتفاعل المباشر للموظفين الجدد، وتعزيز الإشراف والتعلم العملي في برامج التدريب والعمل، بما يضمن ألا تأتي مرونة العمل الحديثة على حساب بناء خبرات الجيل القادم ومهاراته وشبكاته المهنية.

بعد ست سنوات من تسارع التحول نحو العمل عن بُعد بفعل جائحة كوفيد 19، أصبحت أنماط العمل الهجين والعمل عن بُعد جزءًا راسخًا من سوق العمل. ويعمل نحو كندي واحد من كل خمسة كنديين عن بُعد، إما طوال الوقت أو جزءًا منه.

وقد منح هذا التحول كثيرًا من الموظفين قدرًا أكبر من الاستقلالية والمرونة. فالوقت الذي كان يُهدر سابقًا في التنقل من المنزل إلى العمل والعودة منه يمكن الآن قضاؤه مع العائلة أو الأصدقاء. كما أظهرت الأبحاث أن العمل الهجين يمكن أن يسهم في الاحتفاظ بالموظفين من دون التضحية بمستوى الأداء.

لكن هذه المزايا لا تصل بالضرورة إلى الجميع بالقدر نفسه. فقد يكون العمل عن بُعد والعمل الهجين أكثر صعوبة بالنسبة إلى الموظفين الذين بدأوا للتو مسيرتهم المهنية، وهي المرحلة التي يعتمد فيها قدر كبير من تطورهم المهني على التعلم من الزملاء الأكثر خبرة.

ويتناول تقريرنا الجديد، «نهاية أحاديث مبرد المياه: التكلفة الخفية للعمل عن بُعد والعمل الهجين على الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية»، هذه المشكلة بالتحديد.

كثير مما نتعلمه يحدث بصورة غير رسمية

فكر في أول وظيفة مهنية حصلت عليها. من المرجح أن جزءًا كبيرًا مما تعلمته لم يأتِ من دليل الموظف أو من برنامج تدريبي رسمي. ربما تعلمت من خلال مراقبة الأشخاص من حولك.

سمعت كيف تعامل زملاؤك مع مشكلة معينة. وربما نبّهك أحدهم إلى خطأ قبل أن يتحول إلى مشكلة أكبر. وقد يكون أحد الموجهين قد دعاك إلى اجتماع لم تكن مشاركًا فيه بالضرورة. وربما طرحت أسئلة وأنت تحتسي القهوة مع زملائك. وتعلمت تدريجيًا من الذي يتولى حل كل مشكلة، ومن الأشخاص الذين يمكنك الوثوق بهم، وكيف تسير الأمور فعلًا داخل المؤسسة بعيدًا عن الإجراءات الرسمية المكتوبة.

هذه كلها أشكال من التعلم الضمني، أي ذلك النوع من المعرفة الذي يصعب تحويله إلى قواعد مكتوبة أو إجراءات محددة، والذي يكتسبه الإنسان غالبًا من خلال الملاحظة والخبرة والتفاعل الاجتماعي.

وقد وفر مكان العمل تقليديًا البيئة التي يحدث فيها هذا النوع من التعلم بالتوازي مع التدريب الرسمي. ومع مرور الوقت، تساعد هذه التفاعلات الموظفين على تطوير قدرتهم على الحكم واتخاذ القرار، وبناء الثقة بالنفس، وتكوين شبكات مهنية، وفهم الطريقة التي تعمل بها مؤسساتهم من الداخل.

وتوضح دراسة تناولت مهندسي البرمجيات مدى أهمية القرب الجسدي بين الزملاء. فقد تلقى الموظفون الذين كانوا يجلسون بالقرب من أعضاء فريقهم ملاحظات على أكوادهم أكثر بنسبة 18.3%، كما أنتجوا أكوادًا أعلى جودة. وكان هذا التحسن أكبر بين الموظفين الأصغر سنًا والأقل خبرة، الذين كانوا لا يزالون في مرحلة بناء رأس مالهم البشري وتطوير مهاراتهم المهنية.

وهناك أيضًا أدلة تشير إلى أن العمل عن بُعد يؤثر في طبيعة الموظفين الذين يجري توظيفهم. فقد بدأ أصحاب العمل في توظيف عدد أقل من الشباب في الوظائف التي يمكن تنفيذها بسهولة عن بُعد.

وأظهرت دراسة عالمية حديثة أن العاملين في بداية مسيرتهم المهنية كانوا، بحلول عام 2025، يمثلون نسبة أقل بكثير من الموظفين الجدد في الوظائف التي يمكن تنفيذها بدرجة كبيرة عن بُعد. وعندما اختبر الباحثون ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفسر هذا التراجع، اختفى أثر الذكاء الاصطناعي إلى حد كبير، بينما ظل أثر العمل عن بُعد واضحًا.

وتظهر بيانات التوظيف في كندا اتجاهات مشابهة، إذ لا تزال الوظائف المهنية المخصصة للمبتدئين أكثر ميلًا إلى العمل الحضوري، بينما تزداد مرونة العمل كلما ارتفع مستوى الأقدمية والخبرة.

من هم الأكثر احتياجًا إلى التوجيه؟

يبدو أيضًا أن الموظفين الأصغر سنًا يقدّرون بدرجة كبيرة فرص التطور والتوجيه المهني.

ففي الولايات المتحدة، يقول 23% فقط من موظفي الجيل زد الذين يمكن أداء وظائفهم عن بُعد إنهم يفضلون العمل عن بُعد بصورة كاملة، مقارنة بـ35% من الموظفين الأكبر سنًا.

وأظهر استطلاع أجرته شركة ديلويت في عام 2025 أن نصف المشاركين من الجيل زد قالوا إنهم يريدون مديرًا يتولى توجيههم وتطويرهم مهنيًا، في حين أفاد 36% فقط بأنهم يحصلون فعلًا على هذا النوع من التوجيه.

وهنا تظهر فجوة محتملة بين الأماكن التي تتوافر فيها المرونة في العمل، والأماكن التي تكون فيها فرص التعلم والتطور المهني في أمس الحاجة إليها.

لكن لا بد من اكتساب الخبرة في مكان ما.

فإذا كان أصحاب العمل يركزون أساسًا على توظيف أشخاص يمتلكون بالفعل المهارات التي يحتاجون إليها، بدلًا من تطوير هذه المهارات داخل المؤسسة، فإن عددًا أقل من الشباب سيحصل أصلًا على الفرصة التي تمكنه من بناء الخبرة.

وهنا تكمن مفارقة مهمة. فالخبرة التي يشترطها أصحاب العمل على المتقدمين للوظائف لا يمكن أن تظهر من فراغ. لا بد أن يحصل الشباب على فرص لبنائها في مرحلة ما من حياتهم المهنية. وإذا أغلقت بيئة العمل هذه الفرص أو جعلتها أقل توافرًا، فقد نجد أنفسنا أمام جيل يُطلب منه امتلاك خبرة لا تتاح له الفرصة لاكتسابها.

مشكلة يسهل ألا نلاحظها

قد يكون من الصعب على المؤسسات اكتشاف آثار تراجع التعلم غير الرسمي.

فأصحاب العمل يستطيعون بسهولة متابعة عدد المشاريع التي أنجزها الموظف، والاجتماعات التي حضرها، والمهام التي أكملها، وغيرها من النتائج القابلة للقياس. لكنهم أقل قدرة على قياس أمور أخرى لا تقل أهمية، مثل ما إذا كان الموظف المبتدئ قد طور قدرته على الحكم المهني، أو بنى علاقات مع أشخاص من مختلف أنحاء المؤسسة، أو تعلم كيفية التعامل مع المشكلات وحلها باستقلالية.

وتشير الأبحاث إلى أن العمل عن بُعد يمكن أن يغير طبيعة هذه العلاقات.

فقد وجدت دراسة شملت أكثر من 61 ألف موظف في شركة مايكروسوفت أن التعاون على مستوى المؤسسة أصبح أكثر انغلاقًا داخل مجموعات محددة عندما عمل الموظفون عن بُعد. وأصبح الموظفون يتواصلون بدرجة أكبر مع الأشخاص الذين كانوا يتواصلون معهم أصلًا، وبدرجة أقل مع الأشخاص الموجودين خارج دوائرهم التنظيمية المعتادة.

وهذا الأمر مهم بصورة خاصة بالنسبة إلى الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية، لأنهم لم يكونوا قد تمكنوا بعد من بناء شبكات مهنية واسعة.

فالتطور المهني يعتمد، ولو جزئيًا، على الوصول إلى أشخاص يستطيعون تقديم المعلومات والملاحظات والفرص. وقد يكون الشخص الذي يجلس إلى جوارك في المكتب هو من يشرح لك كيف تسير الأمور فعلًا، أو يلفت انتباهك إلى فرصة لم تكن تعرف بوجودها، أو يقدم لك ملاحظة تساعدك على تحسين أدائك، أو يعرفك على شخص يمكن أن يفتح أمامك بابًا جديدًا.

هذه التفاعلات قد تبدو بسيطة وغير مهمة في لحظتها، لكنها تتراكم مع مرور الوقت لتشكل جزءًا أساسيًا من التعلم المهني.

وعندما تختفي هذه اللقاءات العفوية، لا يختفي العمل فحسب، بل قد تختفي معه بعض الفرص التي كان الموظفون يحصلون من خلالها على المعرفة والخبرة والعلاقات من دون أن تكون هناك عملية رسمية مصممة خصيصًا لذلك.

صمم العمل الهجين حول التعلم

ليس الحل بالضرورة هو العودة إلى العمل من المكتب خمسة أيام في الأسبوع.

فالأبحاث تشير إلى أن العمل الهجين المصمم بصورة جيدة يمكن أن يحافظ على المرونة من دون التضحية بالأداء أو فرص التقدم المهني.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ينبغي للموظفين العمل عن بُعد أم لا، وإنما كيف ينبغي للمؤسسات أن تصمم مزيجًا من العمل عن بُعد والعمل الحضوري بحيث يظل الموظفون قادرين على تطوير مهاراتهم.

ينبغي لأصحاب العمل أن يصمموا العمل الهجين حول تطوير المهارات، لا حول مجرد الحضور.

فبعض أشكال التعلم التي كانت تحدث بصورة عفوية في السابق قد تحتاج الآن إلى دعم أكثر تعمدًا وتنظيمًا. وهذا يعني أن على المؤسسات تحديد الأنشطة التي تستفيد فعلًا من التفاعل الحضوري، ثم التأكد من أن الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية يحصلون على فرص المشاركة فيها.

ولا يقتصر الأمر على تصميم الجداول ومواعيد الحضور.

فالمسؤولية تقع أيضًا على عاتق الموظفين الأكثر خبرة والمديرين. إذ إن التوجيه المهني، وتقديم الملاحظات، وإتاحة الفرصة للموظفين لمراقبة كيفية إنجاز العمل فعليًا، كلها عناصر أساسية في تطوير القدرة على الحكم المهني وفهم الأعراف والقواعد غير المكتوبة داخل المؤسسة.

قد يعرف الموظف المبتدئ ما تنص عليه الإجراءات الرسمية، لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يرى كيف يتصرف الأشخاص ذوو الخبرة عندما لا تسير الأمور وفق الخطة.

يحتاج إلى أن يرى كيف يتعامل المدير مع عميل صعب، وكيف يتخذ أحد الزملاء قرارًا في ظل نقص المعلومات، وكيف يدير فريق ما خلافًا داخليًا، وكيف يتصرف الموظف المخضرم عندما يرتكب خطأ.

هذه أمور يصعب تعلمها من خلال دليل مكتوب أو دورة إلكترونية.

وتواجه مؤسسات التعليم ما بعد الثانوي تحديًا مشابهًا فيما يتعلق بالتعلم المرتبط بالعمل.

فقيمة التدريب العملي أو فرصة العمل التي يحصل عليها الطالب لا تعتمد فقط على اكتسابه خبرة في مكان العمل، بل تعتمد أيضًا على جودة الإشراف الذي يتلقاه، ومدى وصوله إلى المهنيين ذوي الخبرة، وقدرته على التعلم منهم.

ولذلك، ينبغي للحكومات التي تمول برامج التعلم المرتبط بالعمل أن تولي اهتمامًا أكبر بالنتائج التطويرية لهذه البرامج، ولا سيما ما يتعلق بمساعدة الخريجين الجدد على الانتقال إلى سوق العمل وبناء المهارات والخبرات التي يحتاجون إليها في بداية مسيرتهم المهنية.

لقد منح العمل الهجين كثيرًا من الموظفين ذوي الخبرة قدرًا أكبر من السيطرة على وقتهم، وهذه ميزة مهمة لا ينبغي الاستهانة بها.

لكن الحفاظ على هذه المرونة لا ينبغي أن يأتي على حساب المسارات التي يحتاج إليها الجيل القادم لتطوير مهاراته وبناء خبرته.

فإذا أردنا أن يستفيد الموظفون الحاليون من مرونة العمل، وفي الوقت نفسه نضمن حصول الموظفين الجدد على الفرص التي يحتاجون إليها للتعلم، فعلينا أن نعيد التفكير في الطريقة التي نصمم بها العمل الهجين.

ولا يتعلق الأمر بالعودة إلى المكتب لمجرد العودة إليه، كما أنه لا يتعلق بالسماح للجميع بالعمل عن بُعد من دون النظر إلى تبعات ذلك.

المطلوب هو أن نصمم بيئة العمل بحيث تجمع بين المرونة والتعلم، وبين الاستقلالية والتوجيه، وبين القدرة على العمل من أي مكان والقدرة على التعلم من الأشخاص المحيطين بنا.

ومهما كان دورنا أو مستوى خبرتنا، فإن لكل واحد منا دورًا في ضمان استمرار هذه الفرص.

فالخبرة التي يمتلكها الموظفون اليوم لم تأتِ من فراغ، وإنما اكتسبها كثيرون منهم من أشخاص سبقوهم في المسيرة المهنية، ومن مواقف وتجارب وتفاعلات ربما لم تكن جزءًا من أي برنامج تدريبي رسمي.

وإذا كنا نريد أن يستفيد الجيل القادم من الشيء نفسه، فعلينا أن نتأكد من أن بيئة العمل الجديدة لا تلغي بالخطأ مساحات التعلم التي كانت تحدث بصورة طبيعية في بيئة العمل القديمة.

المصدر

مقالات ذات صلة