القائمة الرئيسية

يمكن للزراعة أن تكون محركًا لنمو جنوب القارة الأفريقية

يمكن للزراعة أن تكون محركًا لنمو جنوب القارة الأفريقية
ملخص المقال

تمثل الزراعة أحد محركات النمو الاقتصادي والأمن الغذائي في منطقة الجنوب الأفريقي، لكنها تواجه ثلاثة عوائق رئيسية تتمثل في ضعف حوكمة الأراضي، وتردي البنية التحتية وسلاسل القيمة الزراعية، والأهم ضعف التجارة البينية بين دول المنطقة؛ فعلى الرغم من وجود منطقة تجارة حرة واتحاد جمركي يهدفان إلى تسهيل حركة السلع، ما تزال الفوارق الكبيرة في حجم الأسواق، والخلافات حول معايير الصحة والصحة النباتية، وتفاوت الإنتاجية الزراعية تعرقل تدفق المنتجات، وتدفع بعض الدول إلى فرض قيود على الواردات بدلًا من معالجة جذور المشكلة. ويتطلب إطلاق إمكانات القطاع زيادة الإنتاجية والاستثمار في المدخلات الزراعية والمعرفة والبنية التحتية، إلى جانب إزالة الحواجز التجارية، ومراجعة قواعد الاتحاد الجمركي بما يمنح الدول مرونة أكبر للوصول إلى الأسواق العالمية، وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية لمساعدة الشركات على إيجاد أسواق جديدة. ولا يكفي أن تزيد دول المنطقة إنتاجها الزراعي؛ بل ينبغي أن تتخصص كل دولة في المنتجات التي تتمتع فيها بميزة إنتاجية، وتتاجر بها إقليميًا وعالميًا، بما يوسع الأسواق، ويشجع الاستثمار، ويدعم المزارعين، ويعزز الأمن الغذائي ويجعل الزراعة محركًا أكبر للنمو الاقتصادي في الجنوب الأفريقي.

عكس التركيز على تطوير القطاع الزراعي خلال القمة السادسة والأربعين للجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي في أغسطس 2026 إدراكًا واضحًا بأن الزراعة لا تزال قادرة على أداء دور رئيسي في التنمية الاقتصادية للمنطقة. وتمثل الزراعة نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول الأعضاء في الجماعة الإقليمية.

وقد تركزت النقاشات المتعلقة بالزراعة على رفع الإنتاجية، وتطوير التمويل الزراعي، وتعزيز قدرة القطاع على الصمود أمام تغير المناخ، وبناء سلاسل قيمة إقليمية أكثر تكاملًا، وذلك كله بهدف تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة.

وبوصفي اقتصاديًا متخصصًا في الزراعة، أرى أن القطاع يواجه ثلاثة تحديات رئيسية تحد من قدرته على الإسهام في النمو الاقتصادي وتحقيق الأمن الغذائي.

يتمثل التحدي الأول في ضعف حوكمة الأراضي. فالحيازة غير الرسمية للأراضي تعد سمة شائعة في معظم الأنشطة الزراعية في المنطقة. ونتيجة لذلك، قد تتردد الشركات الزراعية في ضخ استثمارات واسعة النطاق، كما أن هذا الوضع أسهم في استمرار انتشار صغار المزارعين الذين يعانون أصلًا من انخفاض الإنتاجية الزراعية.

أما التحدي الثاني فيتمثل في ضعف سلاسل القيمة الزراعية. فقد ناقشت القمة الحاجة إلى تعميق سلاسل القيمة الإقليمية في مجال التصنيع الزراعي. لكن من الصعب تطوير هذه السلاسل بصورة كاملة إذا ظلت شبكات الطرق التي تربط المزارعين بمناطق الاستهلاك في حالة متردية. فالزراعة تقوم في جانب كبير منها على بيع وشراء منتجات سريعة التلف، ولذلك فإن الطرق والبنية التحتية للنقل ليست مجرد عناصر مساندة للقطاع، بل هي جزء أساسي من قدرته على العمل.

أما التحدي الثالث والأكبر، وهو محور هذا المقال، فيتمثل في ضرورة زيادة التجارة بين دول المنطقة. فلا يمكن زيادة الإنتاج الزراعي من دون فتح أسواق جديدة أمام المنتجات.

وخلال السنوات القليلة الماضية، ظهرت عدة حالات من التوتر التجاري. فقد ارتفعت حدة التوتر مثلًا بين جنوب أفريقيا وبعض الدول المجاورة لها، إذ أشارت ناميبيا وبوتسوانا، ومؤخرًا موزمبيق، إلى نيتها الحد من واردات الخضروات والفواكه القادمة من جنوب أفريقيا.

إن عدم إحراز تقدم في هذا الجانب سيهدد نجاح المزارعين الجدد الذين يدخلون القطاع. فهؤلاء يحتاجون إلى الوصول إلى الأسواق حتى يتمكنوا من تنمية عملياتهم الزراعية والحفاظ عليها. كما أن استمرار القيود التجارية سيحول دون قيام الزراعة بدور أكبر في تعزيز الأمن الغذائي.

ومن الطرق التي يمكن من خلالها تحقيق ازدهار مشترك من خلال الزراعة أن تركز جميع دول المنطقة على إنتاج السلع التي تستطيع التجارة بها داخل المنطقة، مع التوسع في الوقت نفسه في بيع منتجاتها إلى الأسواق العالمية.

الاختناقات التي تعرقل التجارة

هناك أساس قوي يمكن البناء عليه لزيادة التجارة بين دول الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي. ويرجع ذلك إلى أن أحد المكونات الأساسية لترتيبات الجماعة هو الالتزام بإقامة منطقة تجارة حرة بين الدول الأعضاء الست عشرة.

إضافة إلى ذلك، تنتمي خمس دول، هي بوتسوانا وإسواتيني وليسوتو وناميبيا وجنوب أفريقيا، إلى الاتحاد الجمركي للجنوب الأفريقي، الذي يهدف إلى تسهيل حركة السلع بحرية بين الدول الأعضاء.

وقد أسهمت الترتيبات القائمة في كلتا الحالتين، إلى حد ما، في تسهيل تدفق السلع بين الدول. لكن التجارة في المنتجات الزراعية لم تستفد من ذلك بالقدر الكافي.

وهناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء ذلك.

أولًا، هناك مشكلة تتعلق باختلاف حجم الأسواق.

تختلف حركة التجارة من دولة إلى أخرى بسبب التفاوت الكبير في حجم الأسواق. فعلى سبيل المثال، تمتلك جنوب أفريقيا سوقًا غذائية كبيرة، وتنفق أكثر من 7 مليارات دولار أمريكي سنويًا على الواردات. في المقابل، لم تتجاوز قيمة واردات إسواتيني من المنتجات الزراعية 806 ملايين دولار أمريكي في عام 2025، وفقًا لبيانات مركز التجارة الدولية.

وتستحوذ جنوب أفريقيا على أكثر من نصف صادرات الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي الزراعية إلى السوق العالمية، تليها تنزانيا وزيمبابوي وزامبيا وموزمبيق، وفقًا لبيانات مركز التجارة الدولية. كما تعد جنوب أفريقيا وزامبيا وإسواتيني وزيمبابوي وتنزانيا من أبرز الدول المشاركة في التجارة داخل المنطقة.

وقد أدى هذا التفاوت الكبير في أحجام الأسواق إلى نشوء توترات، ولا سيما بين الدول الأصغر حجمًا وجنوب أفريقيا.

ثانيًا، هناك مشكلة الالتزام بقواعد الصحة والصحة النباتية.

ففي عام 2025، أعلنت تنزانيا مثلًا حظر استيراد المنتجات الزراعية من جنوب أفريقيا ردًا على قرار الأخيرة حظر استيراد الموز التنزاني. لكن الحكومة الجنوب أفريقية نفت أنها فرضت حظرًا على الموز التنزاني، وأرجعت ما حدث إلى سوء التواصل وعدم الالتزام بالمعايير العامة.

وقد كشفت هذه الأزمة عن مدى حساسية استخدام قواعد الصحة والصحة النباتية بوصفها أداة يمكن اللجوء إليها لمنع الواردات. فهذه القواعد ضرورية لحماية صحة النباتات والحيوانات وسلامة المنتجات الزراعية، لكنها قد تتحول في بعض الحالات إلى وسيلة لفرض قيود تجارية غير مباشرة إذا لم تطبق بصورة واضحة ومتسقة.

ثالثًا، هناك مشكلة عملية تتمثل في انخفاض الإنتاج الزراعي في عدد من دول المنطقة.

خذ الذرة مثلًا، فهي من الحبوب الأساسية في منطقة الجنوب الأفريقي. وقد ظلت إنتاجية الذرة راكدة تقريبًا على مدى العقود الثلاثة الماضية عند نحو طن واحد للهكتار.

أما في جنوب أفريقيا، فتبلغ الإنتاجية نحو ستة أطنان للهكتار.

ويرجع هذا الفارق بدرجة كبيرة إلى اختلاف الأصناف المستخدمة من البذور وإلى التحسين المستمر في أصنافها.

وبسبب هذه الفوارق الكبيرة في الإنتاجية، تضطر معظم دول الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي، ومنها زيمبابوي وملاوي وتنزانيا وموزمبيق، إلى استيراد كميات من المنتجات الزراعية تفوق ما تستطيع تصديره.

القيود على الواردات

حاولت بعض الدول زيادة إنتاجها الزراعي المحلي من خلال فرض قيود على الواردات. وتعد بوتسوانا وناميبيا من أبرز الأمثلة على ذلك.

وتقول هذه الدول إنها ترغب في تعزيز إنتاجها المحلي، لكنها تجد صعوبة في القيام بذلك لأنها تعتمد على الواردات القادمة من جنوب أفريقيا.

وقد تبدو هذه الحجة مقنعة للوهلة الأولى. لكنني أرى أن دول المنطقة لا تستطيع تحميل جنوب أفريقيا مسؤولية المشكلات التي تعوق توسيع التجارة.

أولًا، تتعارض القيود والحظر على الواردات مع روح الاتحاد الجمركي، الذي يقوم على تشجيع حرية التجارة، كما تتعارض مع النهج التجاري للجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي، الذي يعطي الأولوية أيضًا لتسهيل التجارة الحرة داخل المنطقة.

ثانيًا، كانت دول المنطقة بطيئة في زيادة صادراتها إلى جنوب أفريقيا.

ويرجع ذلك إلى أن المنتجات الزراعية التي تحتاج إليها جنوب أفريقيا لا تتوافر بكميات فائضة داخل المنطقة يمكن الاعتماد عليها لتلبية احتياجات السوق الجنوب أفريقية.

فجنوب أفريقيا تستورد القمح والأرز وزيت النخيل ومنتجات الدواجن والويسكي، إلى جانب منتجات أخرى. لكن دول المنطقة لا تمتلك فائضًا كافيًا من هذه السلع يسمح لها بتلبية هذا الطلب.

وبالتالي، فإن المشكلة ليست ببساطة أن جنوب أفريقيا تستحوذ على الأسواق الإقليمية وتمنع الدول الأخرى من التصدير إليها. فجزء كبير من المنتجات التي تحتاج جنوب أفريقيا إلى استيرادها لا تنتجها دول المنطقة بكميات تكفي لتلبية الطلب أصلًا.

ما الذي ينبغي أن يحدث بعد ذلك؟

ينبغي معالجة هيمنة بعض الدول، مثل جنوب أفريقيا، على التجارة الزراعية في المنطقة. لكن معالجة هذا الاختلال يمكن أن تتم من خلال التعاون في مجال المدخلات الزراعية وتبادل المعرفة والخبرات، بدلًا من اللجوء إلى قيود غير مبررة على الواردات.

وهناك خطوات أخرى ينبغي اتخاذها.

أولًا، يجب أن يكون هناك تركيز واضح على زيادة الإنتاج الزراعي، مع التفكير في الوقت نفسه في فرص التوسع في الأسواق الخارجية. فمن دون زيادة الإنتاج، تخاطر الدول بخسارة فرص التصدير أمام منافسين في أسواق عالمية لا تربطها بها حتى الآن اتفاقيات تجارة حرة.

ثانيًا، ينبغي إجراء مراجعة شاملة لإطار عمل الاتحاد الجمركي للجنوب الأفريقي، بهدف معالجة التوترات التجارية داخل المنطقة وزيادة قدرة الدول الأعضاء على التصدير إلى الأسواق العالمية.

فبموجب القواعد الحالية، يتعين على دول الاتحاد التفاوض بشأن الوصول إلى أسواق جديدة إلى جانب بقية الأعضاء. ومن ثم ينبغي أن تبحث المراجعة إمكانية منح الدول قدرًا أكبر من المرونة لإبرام اتفاقيات تجارية ثنائية لا تكون رهينة للقضايا المرتبطة بالاتحاد الجمركي للجنوب الأفريقي.

ثالثًا، يجب الاستثمار في رأس المال البشري لتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، بما يساعد الشركات التي تبحث عن أسواق جديدة.

فجنوب أفريقيا، على سبيل المثال، لديها أكثر من مئة بعثة وسفارة في الخارج. وينبغي تزويد هذه البعثات بالكوادر التي تركز على تعظيم الفرص الاقتصادية المتاحة للبلاد، ومساعدة الشركات المحلية على الوصول إلى أسواق جديدة، وفتح قنوات تجارية أمام المنتجات الزراعية وغيرها من المنتجات القابلة للتصدير.

وفي النهاية، فإن مستقبل الزراعة في الجنوب الأفريقي لا يعتمد فقط على قدرة المزارعين على زيادة الإنتاج، بل يعتمد أيضًا على قدرتهم على الوصول إلى الأسواق.

يمكن للدول أن تستثمر في الإنتاجية، وتمويل الزراعة، والتكيف مع تغير المناخ، وتحسين سلاسل القيمة، لكن كل هذه الجهود ستظل محدودة الأثر إذا لم تجد المنتجات أسواقًا يمكن بيعها فيها.

ولذلك، فإن زيادة الإنتاج الزراعي يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع تسهيل التجارة.

فالمنطقة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تنتج كل دولة كل ما تحتاج إليه. بل يمكن تحقيق قدر أكبر من الازدهار إذا تخصصت الدول فيما تتمتع فيه بميزة إنتاجية، وتاجرت فيما بينها، ثم استخدمت هذه القاعدة لتوسيع حضورها في الأسواق العالمية.

إن إزالة الحواجز أمام التجارة الزراعية لن تفيد المزارعين وحدهم. بل يمكن أن تساعد في خلق أسواق أوسع، وتشجيع الاستثمار، ودعم المزارعين الجدد، وتحسين الأمن الغذائي، وفي الوقت نفسه منح الزراعة فرصة أكبر لتصبح أحد محركات النمو الاقتصادي في جنوب القارة الأفريقية.

المصدر

مقالات ذات صلة