- سألنا أربعة خبراء عمّا يجب أن يتغير من أجل إطلاق الاستثمارات في المعادن الحرجة على نطاق واسع.
- الأدوات اللازمة لسد فجوة تمويل المعادن الحرجة موجودة بالفعل. وما ينقص هو التوافق بشأن من يجب أن يتحرك أولاً وكيف.
- أوضح الخبراء أن تحويل المشروعات القابلة للاستثمار إلى مشروعات تحصل فعلياً على التمويل يتطلب عملاً منسقاً بين القطاع المالي والصناعة والحكومات ومؤسسات التمويل الإنمائي.
تشكل المعادن الحرجة أساساً لتحول الطاقة والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية الأمنية الحديثة. ويتزايد الطلب عليها بسرعة، ما يتطلب استثمارات إضافية كبيرة حتى عام 2030.
وقد بدأت رؤوس الأموال بالفعل في التحرك، وتُظهر المشروعات الحديثة ما يمكن تحقيقه عندما تتكامل مصادر التمويل العامة والخاصة.
في أستراليا، ساعدت حزمة يابانية بقيمة 250 مليون دولار، جمعت بين القروض والاستثمار في رأس المال، على دعم شركة «Lynas Rare Earths» وإنشاء سلسلة توريد رئيسية للعناصر الأرضية النادرة خارج الصين.
وفي تشيلي، قدم بنك اليابان للتعاون الدولي لشركة «Codelco» تمويلاً مرتبطاً بالدفع المسبق لتحديث المناجم. وتُظهر هذه الأمثلة مجتمعة أن الهياكل المطلوبة لجعل مشروعات المعادن قابلة للتمويل موجودة بالفعل، ويمكن توسيع نطاق استخدامها.
لكن هذا النهج لم يصبح القاعدة السائدة بعد.
فقد طورت الحكومات ومؤسسات التمويل الإنمائي والقطاع الصناعي ورأس المال الخاص مجموعة متنوعة من الأطر والضمانات وآليات خفض المخاطر لدعم الاستثمار.
وكما يوضح تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي «جعل المعادن الحرجة قابلة للتمويل»، الذي أُعد بالتعاون مع مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، فإن العوائق معروفة جيداً، وتشمل ارتفاع كثافة رأس المال، وعدم اليقين بشأن الأسعار والسياسات، وتشتت مسارات المشروعات، ما يجعل وصولها إلى مرحلة الجاهزية للاستثمار أمراً صعباً.
ويكفي النحاس وحده لتوضيح حجم المخاطر، إذ يُتوقع حدوث عجز في الإمدادات بنسبة 25% بحلول عام 2035، بالتزامن مع فجوة استثمارية تبلغ 250 مليار دولار بحلول نهاية هذا العقد.
إضافة إلى ذلك، وللمرة الأولى منذ عام 2020، انخفض الاستثمار في المعادن الحرجة خلال عام 2025 بعد عدة سنوات من النمو، وكان الانخفاض الأكبر بين شركات المعادن المستخدمة في البطاريات.
ورغم وجود الأدوات اللازمة، فإن ما لا يزال مفقوداً هو تنسيق أقوى عبر عملية التمويل بأكملها: من يتحمل المخاطر في المراحل المبكرة، ومن يشارك في الاستثمار، ومن يتحرك أولاً حتى يتمكن الآخرون من اللحاق به.
وفي هذا السياق، سألنا مجموعة من قادة القطاعين المالي والصناعي عمّا يجب أن يتغير لتحويل المشروعات القابلة للاستثمار إلى مشروعات تحصل فعلياً على التمويل.
صوفي لو، الرئيسة العالمية لإزالة الكربون من الصناعات الثقيلة في HSBC
«خفض التكاليف هو المفتاح لتعزيز القدرة التنافسية طويلة الأجل للمشروعات الجديدة.»
يستمر الاستثمار في المعادن الحرجة بوتيرة سريعة، ولا سيما في المناطق التي بدأت تظهر فيها فجوات هيكلية في الإمدادات. غير أن التحدي الأكبر يتمثل في تمويل مشروعات جديدة للتعدين والتكرير تسهم في تنويع سلاسل التوريد وتعزيز قدرتها على الصمود بعيداً عن المناطق والجهات المهيمنة حالياً.
ويصعب تمويل هذه المشروعات لأن فجوة العرض أو مؤشرات الطلب قد لا تكون واضحة، كما قد تكون المخاطر السيادية ومخاطر البيئة والمجتمع والحوكمة غير مألوفة في الولايات القضائية الجديدة، فضلاً عن أن أوجه القصور المتعلقة بالموارد أو التكنولوجيا أو الحجم قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليفها مقارنة بالمنتجين الراسخين.
يمكن للمساهمة الحكومية الاستراتيجية في رأس المال أن تكون بمثابة تصويت مهم على الثقة، لكنها لن تكون كافية وحدها لدعم المشروع. بل يجب أن تقترن بأدوات تقلل مخاطر تكاليف رأس المال وتحقق استقراراً في التدفقات النقدية، بما في ذلك منح التنمية والضمانات واتفاقيات الشراء طويلة الأجل مع مشترين ذوي جدارة ائتمانية.
ومن المرجح أن يظل غياب سلاسل توريد راسخة في المراحل اللاحقة من سلسلة القيمة أحد أكبر العوائق أمام تنويع الإمدادات بعيداً عن المنتجين المهيمنين حالياً.
ويكون الدعم الحكومي أكثر فاعلية عندما يسهم في بناء القدرات في المراحل اللاحقة من سلسلة القيمة وجذب الشركاء الاستراتيجيين من خلال نقل التكنولوجيا والمشاركة في رأس المال والتمويل المتكامل المرتبط باتفاقيات الشراء.
وبالنسبة للمشروعات الواقعة في ولايات قضائية لم تُختبر بعد، فإن الشفافية القوية في قضايا البيئة والمجتمع والحوكمة منذ اليوم الأول أمر غير قابل للتفاوض إذا أريد الحصول على دعم المجتمعات المحلية والحفاظ على رخصة مستدامة للعمل. وهذا يعني إجراء عمليات عناية واجبة صارمة، وضمان إمكانية تتبع قوية، ووضع شروط تعاقدية مرتبطة بنزاهة العمليات والقبول الاجتماعي للمشروع.
ويمكن للمؤسسات متعددة الأطراف والبنوك المعنية بالسياسات العامة المساعدة في بناء القدرات وتقليل مخاطر الديون التجارية عبر الاستثمار الأجنبي المباشر أو وكالات ائتمان الصادرات، والتأمين ضد المخاطر السياسية، وهياكل تحمل الخسائر الأولى أو الضمانات.
وأخيراً، يُعد خفض التكاليف عاملاً أساسياً لتعزيز القدرة التنافسية طويلة الأجل للمشروعات الجديدة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تمويل تقنيات التعدين وتوسيع نطاق الابتكارات في عمليات الاستخراج والمعالجة والتكرير.
دومينيك روديرر، رئيس قسم المواد الخام الحرجة في بنك الاستثمار الأوروبي
«إطلاق الاستثمارات على نطاق واسع سيتطلب عملاً منسقاً من القطاع الصناعي والمستثمرين من القطاع الخاص والحكومات.»
تشترك المعادن الحرجة في شيء واحد، وهو أنها ضرورية لعمل الاقتصادات الحديثة. لكنها لا تمثل فئة أصول واحدة، ومن غير المرجح أن ينجح نهج موحد يصلح لجميع الاستثمارات.
وبدلاً من ذلك، تواجه المعادن المختلفة وسلاسل القيمة والولايات القضائية تحديات متباينة، ولذلك تحتاج إلى حلول مصممة خصيصاً لكل حالة. وهنا تحديداً تبرز أهمية مؤسسات مثل بنك الاستثمار الأوروبي.
ينبع تحدي الاستثمار الحالي من مجموعة من العوامل. فقد كان الاستثمار خلال السنوات الماضية غير كافٍ في كثير من الحالات، وتسارع الطلب على العديد من المعادن، فيما أصبحت سلاسل التوريد العالمية أكثر تشتتاً.
وإضافة إلى ذلك، كثيراً ما تؤدي التحديات المتعلقة بالحصول على التصاريح والبنية التحتية والتكنولوجيا وقضايا البيئة والمجتمع والحوكمة إلى تأخير تقدم المشروعات نحو مرحلة الجاهزية للاستثمار. وتضطلع المؤسسات المالية العامة، مثل بنك الاستثمار الأوروبي، بدور مهم من خلال المساعدة في تعبئة رأس المال ومعالجة فجوات التمويل عبر سلاسل قيمة المعادن الحرجة.
ويرسل دعمنا إشارة قوية إلى المستثمرين من القطاع الخاص، لأنه يعكس التقييم الفني والاقتصادي الصارم، إلى جانب تقييم قضايا البيئة والمجتمع والحوكمة، الذي تستند إليه قراراتنا التمويلية. ولدينا مجموعة واسعة من المنتجات المتاحة لدعم القطاع، بدءاً من الديون ورأس المال وأشباه رأس المال، وصولاً إلى منح الاستثمار والمساعدة الفنية، ويمكن تصميمها وفقاً للسياق الخاص بكل مشروع.
لكن يجب أن نكون واضحين: لن تتمكن المؤسسات المالية العامة من حل تحدي الاستثمار بمفردها. فإطلاق الاستثمارات على نطاق واسع سيتطلب عملاً منسقاً من القطاع الصناعي والمستثمرين من القطاع الخاص والحكومات. ومع ذلك، يمكننا أن نعمل كمحفز من خلال توفير القدرة على تحمل المخاطر والمساعدة في توجيه الاستثمارات نحو المشروعات الأكثر تأثيراً.
كيجون كيم، نائب الرئيس التنفيذي لإدارة الاستدامة في Korea Zinc
«لا يمكن لأي شركة أن تبني بمفردها منظومة دائرية للمعادن الحرجة.»
تركز المناقشات العالمية بشأن سلاسل توريد المعادن الحرجة بشكل أساسي على التعدين وتطوير الموارد في المراحل الأولية. لكن بناء سلاسل توريد قادرة على الصمود يتطلب أكثر من مجرد تأمين المواد الخام.
ومن الضروري توسيع قدرات الصهر والتكرير لتحويل تلك المواد إلى معادن حرجة. ومع تزايد عدم كفاية التعدين وحده لتلبية الطلب المتنامي، يجب على الحكومات أيضاً أن تقود الجهود الرامية إلى بناء منظومة دائرية تتيح استعادة المعادن الحرجة وإعادة استخدامها من خلال إعادة التدوير.
ويكمن التحدي في تهيئة الظروف الاستثمارية اللازمة لتحقيق ذلك.
لم تعد أسواق المعادن الحرجة محكومة بقوى السوق المعتادة. وكما تُظهر مبادرات مثل «FORGE» و«Project Vault»، فإن الدعم الحكومي لا غنى عنه لإطلاق الاستثمارات في قطاعي الصهر والتكرير.
ويمكن لاتفاقيات الشراء طويلة الأجل، والحدود الدنيا للأسعار، وغيرها من التدابير المتعلقة بالسياسات، أن توفر مستوى اليقين اللازم للمشروعات كثيفة رأس المال.
إن بناء اقتصاد دائري للمعادن الحرجة ضرورة بيئية واستراتيجية في آن واحد. فاستعادة المعادن الحرجة من المواد الأولية الثانوية تعزز أمن الموارد، وتحد من المخاطر الجيوسياسية، وتدعم القدرة التنافسية الصناعية.
وفي «Korea Zinc»، مكّننا الابتكار التكنولوجي من استعادة المعادن الحرجة بكفاءة من كل من الخامات المركزة الأولية والمواد الثانوية. واليوم، تمثل المواد الثانوية نحو 30% من إجمالي المواد الأولية التي نستخدمها، ما يبرهن على أن إعادة التدوير تعزز أمن الموارد، وتحسن كفاءة استخدامها، وتخفض انبعاثات الكربون.
لكن لا يمكن لأي شركة أن تبني منظومة دائرية للمعادن الحرجة بمفردها. إذ يجب على الحكومات إنشاء أنظمة موثوقة لجمع المواد، وتقديم حوافز لاستخدام المواد المعاد تدويرها، ودعم أسواق مستقرة للمواد الأولية الثانوية. ومع وجود يقين طويل الأجل بشأن السياسات، سيتبع ذلك الاستثمار الخاص، ما يسرّع بناء سلاسل توريد للمعادن الحرجة تكون أكثر مرونة وأماناً واستدامة.
براديب ثاراكان، مدير تحولات الطاقة في بنك التنمية الآسيوي
«يتعين على الدول التركيز على بناء سلاسل قيمة إقليمية بدلاً من صناعات وطنية منعزلة.»
غالباً ما تواجه مشروعات المعادن الحرجة قيوداً بسبب عدم اليقين بشأن الإيرادات والعقبات التنظيمية وفجوات البنية التحتية، وهي تحديات لا تستطيع أي حكومة أو جهة تمويل أو شركة التعامل معها بمفردها. ولذلك، تُعد الشراكات ضرورية لربط إصلاح السياسات والخبرة الفنية والتمويل الإنمائي ورأس المال الخاص حول فرص استثمارية موثوقة.
أولاً، منحت بنوك التنمية متعددة الأطراف نفسها تفويضاً أقوى للعمل معاً بصورة أكثر منهجية. وقد أسهم التعاون الأخير مع مجموعة الدول السبع في خلق زخم نحو تعاون أوثق بشأن سلاسل قيمة المعادن الحرجة المتنوعة والمسؤولة.
ومن شأن عمليات التقييم والتشخيص المشتركة، ووضع مجموعة موحدة من المشروعات ذات الأولوية، وتوفير مصادر تمويل متكاملة، أن تقلل الازدواجية وتساعد على معالجة أنواع مختلفة من المخاطر ضمن الصفقة نفسها. ويجب أن يكون الهدف عملياً: نقل عدد أكبر من المشروعات من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإقفال المالي.
ثانياً، تحتاج الدول إلى التركيز على بناء سلاسل قيمة إقليمية بدلاً من صناعات وطنية منعزلة. وتوضح رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» حجم هذه الفرصة.
فمن شأن تحقيق توافق أكبر في مجالات الجاهزية للاستثمار وممرات البنية التحتية وإصدار التصاريح والاستدامة والتجارة أن يربط إنتاج المعادن بعمليات المعالجة والتصنيع وإعادة التدوير عبر عدة اقتصادات. ويمكن لشركاء التنمية دعم ذلك من خلال الحوار بشأن السياسات، وإعداد المشروعات، وتطوير البنية التحتية الإقليمية، وأدوات تقاسم المخاطر.
وفي عام 2026، أطلق بنك التنمية الآسيوي مرفقاً إقليمياً لشراكات التمويل يهدف إلى تجميع وتوجيه التمويل اللازم لدفع المشروعات التي تربط المعادن الحرجة بالتصنيع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وستمول المنح المقدمة من هذا المرفق أعمال الإعداد المبكر للمشروعات، مثل دراسات الجدوى والتقييمات البيئية والاجتماعية، بينما ستعمل نافذة التمويل التحفيزي على جذب التمويل المشترك للمشروعات وتقاسم المخاطر مع شركاء تمويل آخرين.
وتتمثل الأولوية في تحويل الشراكات إلى نتائج ملموسة: إنشاء مسار مشترك من المشروعات المسؤولة والقابلة للتمويل، بما يحفز الاستثمار الخاص، ويعزز مرونة الإمدادات، ويمكّن الاقتصادات الناشئة من تحقيق قيمة أكبر من مواردها.
