- تشهد أوروبا تحولاً ديموغرافياً عميقاً تقوده شيخوخة السكان وتراجع أعداد القوى العاملة.
- يمكن لقوى عاملة غير مستغلة بالشكل الكافي، بما في ذلك اللاجئون، أن تؤدي دوراً رئيسياً في معالجة نقص العمالة ودعم اقتصادات أكثر قوة.
- توضح ورقة موقف جديدة كيف يمكن لأوروبا تعزيز الإدماج الفعّال للمواهب غير المستغلة بما يكفي، بما يعود بالنفع على الجميع.
تواجه أوروبا تحولاً هادئاً لكنه عميق الأثر. فالسكان يزدادون شيخوخة، ومعدلات المواليد تتراجع، والقوى العاملة تتقلص. ويغادر سوق العمل ما يقرب من مليون عامل سنوياً، ما يفرض ضغوطاً متزايدة على الشركات والمالية العامة والأنظمة الاجتماعية.
وتشير ورقة موقف نُشرت مؤخراً، وأعدتها القمم الأوروبية للأعمال والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومجموعة إنغكا التابعة لإيكيا، بعنوان "اندماج سوق العمل كضرورة استراتيجية لتعزيز القدرة التنافسية لأوروبا"، إلى أن هذا التحدي الديموغرافي يرتبط أيضاً بإمكانات غير مستغلة. ويتطلب إطلاق هذه الإمكانات جهداً مشتركاً بين مختلف القطاعات.
ولا يزال اللاجئون والمهاجرون والنساء وغيرهم من الفئات، الذين يمثلون شرائح واسعة من السكان، ممثلين بأقل من نسبتهم الفعلية في أسواق العمل الأوروبية.
والعديد منهم مستعدون للعمل، لكن العوائق البنيوية تمنعهم من المساهمة بصورة كاملة في الرفاه الاقتصادي للمجتمعات التي يعيشون فيها. وفي وقت يؤثر فيه نقص العمالة في قطاعات تتراوح من الرعاية الصحية إلى الخدمات اللوجستية، أصبح تحسين إدماج هذه الفئات ضرورة اقتصادية استراتيجية.
من الهشاشة إلى الفرص
من بين هذه الفئات، يمثل اللاجئون وطالبو اللجوء أحد أكثر مصادر المواهب التي لا تحظى بالاهتمام الكافي في أوروبا.
وغالباً ما يجري الحديث عنهم من منظور الاحتياجات الإنسانية، إلا أنهم يحملون أيضاً مهارات وخبرات وقدرة على الصمود يمكن أن تسهم في تعزيز الاقتصادات. ويصل العديد منهم بخلفيات مهنية وقدرات متعددة اللغات ومرونة عالية في التكيف، وهي صفات ذات قيمة كبيرة في سوق العمل اليوم.
كانت أوروبا في عام 2025 من بين المناطق التي تضم بعضاً من أكبر أعداد الأشخاص النازحين قسراً وعديمي الجنسية على مستوى العالم، في ظل موجات نزوح قسري ناجمة عن نزاعات داخل المنطقة، كما هو الحال في أوكرانيا، وأخرى قادمة من خارجها، بما في ذلك سوريا. ورغم أن اللاجئين يتمتعون عموماً بحق العمل، فإن وصولهم إلى فرص التوظيف يتأخر أو يُقيَّد عملياً في كثير من الأحيان بسبب حواجز اللغة، ونقص المعلومات، ومحدودية الاعتراف بالمؤهلات، والعقبات الإدارية، وعدم كفاية أنظمة الدعم المخصصة للاجئين وأصحاب العمل.
ويجد العديد من اللاجئين أنفسهم في وظائف مؤقتة ومنخفضة الأجر لا تتناسب مع خبراتهم. ويواجه آخرون صعوبة في العثور على عمل بسبب ضعف إتقان اللغة المحلية، أو تشتت أنظمة مطابقة الباحثين عن العمل بالوظائف، أو افتقار الشركات إلى الإرشادات اللازمة لتوظيف المواهب النازحة. وتزداد هذه العقبات بالنسبة إلى الآباء والأمهات الذين يعيلون أسرهم بمفردهم، والأشخاص ذوي الإعاقة، أو من يتعرضون للتمييز.
وتتطلب معالجة هذه الفجوة إعادة التفكير في طريقة إدماج الأفراد في سوق العمل. وتطرح ورقة الموقف إطاراً استراتيجياً يتضمن ثلاث أولويات يمكن أن تعيد تشكيل المشهد:
- تحسين الاستفادة من المهارات الموجودة بالفعل من خلال تعلم اللغة، والاعتراف بالمهارات، ورفع مستوى المهارات.
- تعزيز دور الشركات والشراكات بين مختلف القطاعات.
- تعزيز القدرات المحلية وأنظمة الإدماج الشاملة لدعم الاندماج الاجتماعي والاقتصادي.
إطلاق المهارات من خلال أنظمة أكثر ذكاءً
إن امتلاك الحق في العمل وحده لا يكفي. فما نحتاج إليه هو نهج أكثر شمولاً يدعم الأشخاص منذ لحظة وصولهم وحتى تطورهم المهني على المدى الطويل، بما يمكّنهم من المساهمة في أماكن عمل أكثر تنوعاً وشمولاً.
ويُعد تعلم اللغة نقطة انطلاق أساسية. فعلى الرغم من أن العديد من الدول توفر دورات لغوية تمولها الحكومات، فإن هذه الدورات غالباً ما تكون قصيرة للغاية، أو يصعب الوصول إليها، أو لا تتوافق بصورة كافية مع احتياجات سوق العمل. ويمكن لتعلم اللغة المحلية بفاعلية، وخاصة عندما يكون مدمجاً في بيئة العمل، أن يحسن فرص التوظيف والاحتفاظ بالموظفين بدرجة كبيرة.
ولا يقل الاعتراف بالمهارات الموجودة أهمية عن ذلك. فالعديد من اللاجئين غير قادرين على ممارسة مهنهم بسبب بطء أو تعقيد إجراءات الاعتراف بالمؤهلات. ويمكن للدورات التكميلية وبرامج التدريب الداخلي المدفوعة الأجر أن تساعد الأفراد على اكتساب الخبرة المهنية المناسبة بسرعة أكبر.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تصبح برامج رفع المهارات وإعادة التأهيل أكثر شمولاً. إذ تتيح برامج التدريب المرنة والمقسمة إلى وحدات للأفراد تطوير مهاراتهم مع تحقيق التوازن بين العمل والمسؤوليات الأسرية. كما أن ربط هذه البرامج بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل، من خلال تعاون أوثق مع أصحاب العمل، يفتح المجال أمام فرص توظيف مستقرة وذات قيمة.
ويُعد الاستثمار في الشمول الرقمي ضرورياً أيضاً، ويشمل ذلك توفير الأجهزة والاتصال بالإنترنت والخدمات العامة الرقمية ومنصات التعلم عبر الإنترنت والمهارات الرقمية الأساسية، لتمكين اللاجئين من المشاركة بصورة كاملة في أسواق العمل الحديثة.
تمكين الشركات من قيادة تغيير حقيقي
تؤدي الشركات في مختلف أنحاء أوروبا بالفعل دوراً محورياً من خلال تبني ممارسات توظيف أكثر مرونة، والاستثمار في التدريب، وخلق مسارات تساعد اللاجئين على التطور والتقدم داخل سوق العمل.
لكن توسيع نطاق هذه الجهود سيتطلب تعاوناً أقوى بين مختلف القطاعات، وإقامة شراكات تساعد على معالجة العوائق الفعلية والمتصورة المرتبطة بالتوظيف. ويمكن للشركات والحكومات والمنظمات الدولية العمل معاً لتبسيط عمليات التوظيف، وتقديم إرشادات عملية لأصحاب العمل، ومواءمة أنظمة التدريب مع الاحتياجات الاقتصادية.
ويشكل التوظيف القائم على المهارات فرصة مهمة. فمن خلال التركيز على الكفاءات والإمكانات بدلاً من الاعتماد حصراً على المؤهلات الرسمية أو الوثائق، يمكن لأصحاب العمل الوصول إلى مجموعة أكثر تنوعاً من المواهب.
كما أن الحوافز لها أهمية كبيرة. إذ يمكن لدعم الأجور، ومنح التدريب، وبرامج التدريب المهني المدعومة أن تشجع أصحاب العمل، وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، على الاستثمار في توظيف اللاجئين وتطوير مهاراتهم.
ويسهم الدعم داخل بيئة العمل، مثل التدريب اللغوي المرتبط بمهام الوظيفة، والإرشاد المهني، وتوفير مسارات واضحة للتقدم الوظيفي، في تعزيز الاحتفاظ بالموظفين وزيادة الإنتاجية.
وتُظهر كل من منصات توظيف اللاجئين التابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج "مهارات من أجل التوظيف" الذي تطبقه مجموعة إنغكا ويوفر للاجئين ما بين ثلاثة وستة أشهر من التدريب اللغوي وتنمية المهارات، كيف يمكن للعمل المنسق والنهج الشامل في توظيف اللاجئين أن يحققا اندماجاً ناجحاً في سوق العمل، ويؤديا إلى نتائج إيجابية لكل من أصحاب العمل واللاجئين.
بناء أنظمة محلية فعّالة
لا يتحقق الاندماج الفعّال للاجئين في سوق العمل بمعزل عن غيره، بل يعتمد على وجود أنظمة دعم جيدة التنسيق على المستوى المحلي.
ومن الضروري إتاحة الدعم الخاص بالاندماج منذ مرحلة مبكرة، بما في ذلك التدريب اللغوي، وتقييم المهارات، والمسارات التعليمية، والخدمات الأساسية مثل السكن والرعاية الصحية. ويساعد الربط بين هذه الخدمات على تسهيل التوظيف وتقليل الاعتماد طويل الأمد على المساعدات.
وتؤدي السلطات المحلية دوراً حاسماً. ويمكن لتعزيز قدرات البلديات، إلى جانب تحسين التنسيق بين الأنظمة الوطنية والمحلية، أن يرفع مستوى الاتساق والفاعلية في جهود الاندماج.
ومن المهم بالقدر نفسه إشراك اللاجئين في تصميم الحلول. إذ تساعد وجهات نظرهم وتجاربهم على ضمان استجابة البرامج للاحتياجات والتحديات الفعلية.
كما تؤدي البيانات دوراً مهماً. فقياس النتائج وفهم العوائق يتطلبان إدماجاً أفضل للاجئين في أنظمة البيانات الإدارية، إلى جانب توفير معلومات بشأن مهاراتهم ومساراتهم الوظيفية والعقبات التي تواجههم. ويسمح ذلك بوضع سياسات أكثر استهدافاً واستناداً إلى الأدلة.
وأخيراً، فإن تعزيز الروابط بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة من خلال المبادرات المحلية، والعمل التطوعي، وبناء شبكات العلاقات، يساعد على ترسيخ الثقة ودعم التماسك الاجتماعي، وهما عنصران أساسيان لتحقيق اندماج مستدام.
تحويل التحدي إلى فرصة
لقد بدأ التحول الديموغرافي في أوروبا بالفعل. ولم يعد السؤال ما إذا كان سيعيد تشكيل أسواق العمل، بل كيف سيحدث ذلك.
وسيكون ضمان قدرة اللاجئين والفئات غير الممثلة بشكل كافٍ على المشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية أمراً بالغ الأهمية لتحقيق النمو الاجتماعي والابتكار وتعزيز القدرة التنافسية. وتُظهر الأدلة أن تقليل العوائق أمام التوظيف يمكن أن يعزز النتائج الاقتصادية بدرجة كبيرة، سواء بالنسبة إلى الأفراد أو الأسر أو المجتمعات بأكملها.
ويمكن لمعالجة البطالة ونقص الاستفادة من مهارات اللاجئين في ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 0.7%. ولذلك ينبغي النظر إلى إدماج الأشخاص الذين اضطروا إلى الفرار في سوق العمل باعتباره استراتيجية اقتصادية واستثماراً اجتماعياً في الوقت نفسه.
ومن خلال إطلاق إمكانات المواهب الموجودة بالفعل، والاستثمار في المهارات، وبناء أسواق عمل شاملة، تستطيع أوروبا تحويل هذا التغير الديموغرافي من خطر هيكلي إلى مصدر للازدهار طويل الأمد.
