القائمة الرئيسية

لماذا يُعدّ إطلاق القوة الاقتصادية الخفية للتربة الصحية مكسباً للأعمال؟

لماذا يُعدّ إطلاق القوة الاقتصادية الخفية للتربة الصحية مكسباً للأعمال؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة القوة الاقتصادية الخفية للتربة الصحية، وكيف يمكن أن تؤثر مباشرة في إنتاجية الشركات واستقرار سلاسل الإمداد وقدرتها على مواجهة الأزمات. كما تستعرض كيف يمكن للشركات تحويل اعتمادها غير المرئي على التربة إلى قرارات قابلة للقياس والاستثمار، عبر تحسين الحوافز والتمويل ودعم ممارسات الزراعة المستدامة، بما يجعل حماية التربة فرصة استراتيجية وليست مجرد التزام بيئي.

  • تدعم التربة الصحية الإنتاجية، وتحدّ من التقلبات، وتعزز القدرة على الصمود، وتحمي القيمة على المدى الطويل عبر المزارع والشركات والمحافظ الاستثمارية. أما التربة المتدهورة فتقوض هذه الخدمات الحيوية.
  • توجد التربة في كل مكان تقريباً ضمن سلاسل القيمة التجارية، لكنها تكاد تكون غائبة عن عمليات اتخاذ القرار في الشركات.
  • يمكن للشركات التحرك من خلال إظهار مدى اعتمادها على التربة، وقياس النتائج، ومواءمة الحوافز التجارية مع ممارسات الإدارة الرشيدة للأراضي، والاستثمار في التحول نحو الزراعة الصديقة للبيئة.

تأمل روتينك الصباحي: الحبوب الموجودة في الخبز المحمص، أو السكر الذي تضيفه إلى قهوتك أثناء الإفطار، أو القطن في القميص الذي ترتديه تحت سترة الكشمير؛ كل هذه الأشياء تبدأ من التربة. ومع ذلك، لا تدرك معظم الشركات إلا القليل عن مدى اعتمادها عليها.

لا تطلب التربة منا أن ننتبه إليها. فتدهورها يحدث بصمت وبشكل تدريجي، ويظل في الغالب غير مرئي، إلى أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها الضرر غير قابل للإصلاح وتُفقد التربة نهائياً. واليوم، يعاني ما يصل إلى 40% من أراضي العالم من التدهور، وهو ما يكلف الاقتصاد العالمي نحو 878 مليار دولار سنوياً.

ولا تقتصر العواقب على المزارع فقط، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلب الإمدادات والأسعار، وتزايد التعرض للجفاف والفيضانات وغيرها من الصدمات، بما في ذلك الحروب بين الدول.

التربة بنية تحتية أساسية وأصل اقتصادي

يدرك معظم الناس أهمية التربة بالنسبة إلى الزراعة، إذ تؤثر صحتها في كمية الغذاء وجودته وسلامته. لكن عدداً أقل بكثير يدرك مدى الدور الذي تلعبه التربة في دعم الأنظمة الأوسع التي تعتمد عليها الاقتصادات.

تخزن التربة الصحية المياه وتقوم بترشيحها وتجديدها، كما تسهم في دورة الكربون التي تساعد على تنظيم المناخ، وتحول العناصر الغذائية الأساسية اللازمة لنمو النباتات بشكل صحي، وتدعم جزءاً كبيراً من التنوع البيولوجي على كوكب الأرض، وتساهم في الترابط الصحي بين النباتات والحيوانات والبشر والعمليات الطبيعية على مستوى الكوكب.

ولهذا، فالتربة ليست مجرد عنصر من عناصر الإنتاج الزراعي، بل هي أيضاً بنية تحتية حية وأساسية. وهي أصل طبيعي يدعم الأراضي المنتجة، وسلاسل الإمداد القادرة على الصمود، والازدهار طويل الأمد، والتعايش المتوازن، لكنها نادراً ما تُدار أو تُموَّل باعتبارها أصلاً من هذا النوع.

وتؤثر التربة الصحية في نتائج تهتم بها الشركات بالفعل، مثل الإنتاجية، والحد من التقلبات، والقدرة على الصمود، والاستمرارية على المدى الطويل. ويشعر المزارعون بهذه الفوائد من خلال محاصيل أقوى وأكثر استقراراً، وهوامش ربح أفضل، وقدرة أكبر على مواجهة الصدمات.

أما الشركات والعلامات التجارية، فتستفيد من إمدادات أكثر استقراراً وجودة أعلى، وانخفاض تقلبات الأسعار، واستمرارية أكبر للأعمال. ويستفيد المستثمرون من قوة الأصول الأساسية وانخفاض التعرض للمخاطر المرتبطة بالمناخ والطبيعة.

ويُظهر تقرير جديد صادر عن المجلس العالمي للمستقبل المعني بالتربة والأراضي الصحية التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، كيف تتحول نتائج صحة التربة إلى نتائج اقتصادية وتجارية على مستوى المزارع والشركات وسلاسل القيمة والأنظمة المالية.

كما يوضح التقرير أن الشركات لا تعتمد على التربة فحسب، بل إنها تؤثر أيضاً في طريقة إدارة الأراضي من خلال قرارات الشراء والاستثمار، ومواصفات المنتجات، والحوافز المقدمة للموردين، بما يعود بالنفع أو الضرر على الإنسان والطبيعة معاً.

من اعتماد غير مرئي إلى إجراءات قابلة للقياس

يمكن للقياس أن يحول هذه العلاقات الخفية إلى معلومات ذات صلة مباشرة باتخاذ القرارات. وفي إطار تقاريرها المتعلقة بالإفصاحات المالية المرتبطة بالطبيعة، قيّمت مجموعة السلع الفاخرة LVMH مدى اعتماد عملياتها المباشرة والسلع التي تشتريها على خدمات النظم البيئية.

ووجدت المجموعة أن 58.4% من حجم المواد الخام التي تستخدمها يعتمد على جودة التربة وتكوينها ودورة العناصر الغذائية. وفي الوقت نفسه، يتم الحصول على أكثر من 40% من المواد الخام المعتمدة على التربة من مناطق تعاني من تدهور التربة.

وتشمل هذه المواد مكونات النبيذ والمشروبات الروحية، والخشب والورق، والمنسوجات، والجلود، ومكونات مستحضرات التجميل. ومن خلال تحديد خدمات النظم البيئية ذات الأولوية، ومناطق التوريد، والمواد الأكثر اعتماداً على التربة، ساعد هذا التقييم على تحويل اعتماد بيئي غير مرئي إلى معلومات يمكن الاستفادة منها في عمليات الشراء، والتواصل مع الموردين، والاستراتيجية التجارية طويلة الأجل.

وتقدم شركة Yara المتخصصة في تغذية المحاصيل مثالاً على كيفية تحويل القياس إلى إجراءات عملية على أرض الواقع. إذ يجمع برنامجها NossoCafe لإنتاج القهوة في البرازيل بين تحليل التربة، وتقديم المشورة الزراعية المصممة وفق الاحتياجات، ومراقبة النتائج بهدف تحقيق التحسين المستمر.

ويجمع البرنامج بين المؤشرات البيئية والتجارية ضمن إطار قياس موحد، بما يسمح للمزارعين والشركاء في سلسلة القيمة بتتبع التقدم، وتعديل أساليب الإدارة، وإثبات النتائج بمرور الوقت.

ويقيس هذا الإطار أداء الزراعة التجديدية عبر خمسة محاور مترابطة، هي: المناخ، وصحة التربة، وكفاءة استخدام الموارد، والتنوع البيولوجي، والازدهار الاقتصادي. كما تتبع مناطق أخرى لزراعة القهوة في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية أساليب مماثلة.

ولا يمثل القياس غاية في حد ذاته، بل هو مسار يمكّن من تحسين الإدارة والمساءلة والاستثمار.

ما الذي يمكن للشركات فعله الآن؟

أصبحت الجدوى الاقتصادية للتحرك أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. والسؤال الآن هو كيفية تحويل هذا الإدراك إلى خطوات عملية. وتبرز خمس خطوات أساسية بشكل متكرر:

  • جعل أوجه الاعتماد مرئية. تحديد المواضع التي تعتمد فيها العمليات وسلاسل الإمداد على التربة الصحية، وكذلك المواضع التي تؤثر فيها القرارات التجارية على النتائج المرتبطة بالتربة.
  • قياس ما هو مهم. وضع خطوط أساس وتتبع مجموعة عملية من مؤشرات التربة والأعمال التي يمكنها توجيه القرارات، بدلاً من محاولة قياس كل شيء.
  • مواءمة الحوافز مع الإدارة الرشيدة للتربة. استخدام سياسات الشراء، والعلاقات التجارية طويلة الأجل، والدعم الفني، والمكافآت القائمة على النتائج، بما في ذلك برامج الدفع الناشئة مقابل خدمات النظم البيئية، لجعل العناية بالتربة خياراً اقتصادياً قابلاً للاستمرار بالنسبة إلى المزارعين والرعاة وغيرهم من مديري الأراضي.
  • الاستثمار في التحول. تطوير نماذج تمويل تعترف بالقيمة طويلة الأجل للتربة الصحية، وتقاسم تكاليف ومنافع التحول بصورة عادلة على امتداد سلاسل القيمة.
  • العمل معاً. التعاون بين القطاعات، ودعم المناهج المشتركة، والمشاركة بشكل بنّاء في صنع السياسات، إذ لا تستطيع أي شركة بمفردها استعادة صحة أنظمة التربة.

التربة الصحية هي بنية تحتية حية تدعم قدرة الشركات والاقتصادات والمجتمعات على الصمود. والاستثمار في إدارتها والحفاظ عليها ليس مجرد مسؤولية بيئية، بل هو أيضاً قرار تجاري استراتيجي.

المصدر

مقالات ذات صلة